حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

جيمس تيت
James Tate
(1943
-....)

الشاعر الأميركي جيمس تيت:

الحقيقة شيطانٌ ماكر

يعترف جيمس تيت بأنه ينحدر من سلالة الشعراء "غير الصافيين"، الذين ينخرطون في هموم العالم، ويكتوون بمشاكله وصراعاته، على نقيض كُتاب "الشّعر الصافي"، الذين ينزوون في غرفهم الضيقة، أو أبراجهم العاجية، مثل مالارميه و إدغار بو وأسكار وايلد، وينكبون على كتابة القصيدة التي لا تشير إلاّ إلى نفسها. والحق أن تيت ينتمي إلى عائلة شعرية أخرى، تضمّ، على وجه الخصوص، وولت ويتمان وكارلوس ويليامز، وبابلو نيرودا، ممن أنشدوا للفرح والحزن، الأرض والسماء، الماضي والمستقبل. فالشعر، من وجهة نظره، شكلٌ من أشكال الاحتجاج، مثلما هو شكل من أشكال الاحتفال. وهو احتجاج يتجاوز الهمّ السياسي، لأنهّ يُعنى بالدرجة الأولى بهموم إنسانية تمسّ مصير البشر على الأرض. فالعالم السريالي الذي يحيط بقصيدة مثل (فراشة الكرسي المتحرك)، هو فردوس وجحيم معاً، ولحظة الجمال، مهما بدت خاطفة، يمكن قطفها وسط الدمار: "اليوم، ثمة فراشةٌ متجمّدة في منتصف الهواء، يقطفُها، كالعنب،/ طفلٌ أقسمَ أنه يستطيع الاعتناء بها". يتماهى الشاعر هنا مع الطفل، وهو يتحدّثُ عن رغبته بتنظيم العالم من حوله، "وتجميده، من أجل فهمه". أحياناً تستحضر قصائد الشاعر مناخات بلاغية صرف، مدفوعةً بنبضات اللغة وإيقاعاتها، عبر صراع الصور واحتدامها. وينجز تيت هذه التبدلات بسرعة وفعالية ساحرٍ ماهر. في إحدى حواراته يقول: "كشاعر، أحاول دائماً أن أحدّد لحظةً صفاء في زحمة الأحداث الجارية، واحتدام الذكريات، مستخدماً عناصر اللغة المتوفرة لدي. بيد أن الحقيقة شيطان ماكر.

أحياناً يتوجب على الشاعر أن يلوي اللغة ويعصرها، لكي يدفع بها إلى الإفصاح. أنا مستعد للحاق بالقصيدة طالما أنها تَعِدُ ببعضِ الكشف والبصيرة". مع ذلك، يكمن تحت سطوح قصائده ألمٌ كاف، وخيباتٌ تستطيع أن تلبي شهية الباحثين عن الكآبة. وكما يشير الناقد دونالد جستيس في سياق حديثه عن ديوان تيت الأول (الطيّار المفقود): "ما إن نتعامل مع الكآبة كمعطى بديهي، يصبح الفرح احتمالية، بل وضرورة أيضاً. يحلم تيت غالباً بعالم تشيع فيه هدنة في حرب الأضداد". في قصيدة (ورقة صفراء صغيرة) يصلي المتحدث في النص أن تكون المرأة الجميلة، التي تلعب دور الملهمة، خارج التصنيف، وأن "تغوينا خارج/ معادلة الرّبح والخسارة". إذ من الصعب أن نحدّد بدقة، الفائزَ، حين لا أحدَ يفوز."في قصيدة أخرى، يربط الشاعر فصل الصيف باللامعنى، لأنه ضحية اللون الواحد، فيصبو إلى الخريف بسبب "ألوانه الكثيرة". في قصيدة (الطائر الأزرق) نجد أن هذا الطائر البحري، المعروف بالسذاجة، والذي يعيش في جزيرة (غالاباغوس) في المحيط الهادئ، يسعى دائماً لأن يكون حزيناً، وطريفاً، وجميلاً، حيث وجد فردوساً خالياً من الصراع، مجسّداً مقولة خالقه: "القصيدةُ هي جهدُ الإنسان النبيل، لأنها بلا نفعٍ البتة".

ولد جيمس تيت في مدينة كانساس، في ولاية ميسوري، عام 1943، وتخرج من جامعة كانساس عام 1965، قبل أن يلتحق بجامعة أيوا، التي حصل منها على شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية. قام بالتدريس في جامعات أيوا وبيركلي وكولومبيا وماساتشوستس، وعمل محرراً أدبياً في مجلة (Dickinson Review). نال جائزة بولتزر للشعر عام 1992، وجائزة الكتاب القومي عام 1994. يعتبر تيت من أغزر الشعراء الأمريكيين، وقد نشر أكثر من عشرين ديواناً شعرياً، من أهمّها: (الطيّار المفقود) عام 1967، (غيابات)، عام 1972، (المتأمل) عام 1986، (مسافة عن الأحبة) عام 1990، وأخيراً (العودة إلى مدينة الحمير البيض)، عام 2004.
حيوانات ضالة
هذا هو جمالُ أن تكونَ وحيداً
حتّى نهاية الصيف:
ثلّةُ حيواناتٍ ضالّة تنام فوق المصطبة
تحت ظلّ قدميّ،
ورائحةُ أوراقٍ تحترقُ
في حي آخر.
وقتٌ متأخر من الصباح،
وجبهتي حيةٌ بالظلال،
بعضُ الخفافيش تطيرُ جيئةً وذهاباً،
على إيقاعِ صفيري الخافت،
والدغلُ يضجّ بالنحل.

هذا هو بيتُ القصائد غير المكتوبة،
هذا هو المكانُ الذي لم أولد فيه.

الطائر الأزرق
الطائر البحري الأزرق
يعيش فوق الصخور العارية
في جزيرة (غالاباغوس)
ولا يخشى شيئاً.
إنها حياة بسيطة:
طيورٌ تعيش على الأسماك
وثمة حيوانات مفترسة قليلة.
ذكر الطير لا يجازفُ بحياته
في مطاردة الإناث.
هو يكتفي
بجمع أشياء العالم الزرقاء
ويبني منها عشاً­
علبة تبغ "غولواز" مرمية،
خيط مقطوع لسبحة،
قطعة قماش من بزّة بحّار.
هذا يعوّض عن الحاجة
لريشٍ مزركش، باهرٍ؛
في الحقيقة، قبل خمسين مليون سنة،
كان ذكرُ الطير مملاً
و لا يستطيع الغناء جيداً.

ولم تكن أنثى الطير
تطلب منه أكثر­
كان الأزرقُ
يرويها تماماً،
وله تأثيرٌ سحريٌ عليها.
حين تعودُ من تعبِ نهارٍ
من النميمةِ والصيد،
ترى أنه جَلَب لها
نثرةً جديدة من ورقة زرقاء:
من أجل هذا تكافئهُ
بجسدِها الداكن،
وتتحرّك النجومُ
فوق الورقة الزرقاء، قربهما،
مثل عيونِ مخّلص لطيف.
فراشة الكرسي المتحرك
أوه، أيتها المدينة النائمة ذات الكراسي المتحركة
حيث يمكن للجرذ أن يُقدِمَ على الانتحار
لو كان بمقدوره التركيز لمدة أطول
في كتاب تاريخ القوارض
هناك في مدينته السفلية
ذات الكراسي الكهربائية المتحرّكة!

الفتاة الحبلى دائماً، والمصابة بالكدمات
مثل خوخة،
تركب دراجتها ذات الشرائط الكثيرة،
وتصعدُ عكسياً الدَرجَ
في مخزن "الترولي" المهجور.

كان الطقسُ حاراً البارحة.
اليوم، ثمة فراشة متجمّدة
في منتصف الهواء،
يقطفها، كالعنب،
طفلٌ أقسمَ
أنه يستطيع الاعتناء بها.

أوه، أيتها المدينة الواثقة،
حيث بذور الأفيون تُمرّرُ كفواتير ركوب،
حيث الدبابير في قلب الإنسان
يمكن أن تهجعَ وتنامَ،
وحيث النظارتان تنتفخان
في بحيرة أرجوانية من أحلام اليقظة،

هانحن ننتظرُ، في غرفنا المفتوحة، فصلاً جديداً،
كانتظار شاحنةٍ من المثلّجات.

فرسٌ هنديٌ يعبرُ السهولَ
مهمهماً بصلوات سنسكريتية
أمام فوهةٍ من البراغيث.
شجيرةُ الرحيق تقول:
ظننتُ أنني قادرةٌ على السباحة.

رئيس البلدية يتبوّلُ على الجانب الخاطئ
من الشارع! الهندباء البرية ترسلُ شرَرَها:
احترس، شعرُكَ مقفلٌ!

احترس، البوقُ يحتاجُ إلى كأسٍ من الماء!
احترس، مثوىً مخملياً!

احترس، آمرُ الضوءِ تزوّجَ
مزقةً عتيقةً من وتر.

منولوج
بشرتي في حالة مزرية. أوه، حبيبي،
هل أحببتَ ثوبي المنزلي الجديد؟
إنه نسخةٌ طبق الأصل عن فستانٍ
كانت ارتدته "كيم نوفاك" في إحدى أفلامها.
كم أرغبُ لو كان لي في هذه اللحظة
كلب بخطوات طويلة.
هل تحب الألعاب النارية، أقصد، ليس فقط
في الرابع من تموز،
بل الألعاب النارية في كل وقت؟
ثمة أناس يحبون ذلك، كما تعلم.
إنهم مثل أولئك الذين يحبون
موسيقى الأوركسترا، ويسمعونها
في كل أوقات النهار.
أناسٌ مائلون، هكذا كان يسمّيهم أبي.
أما أنا، فمن السهل إسعادي.
أحبّ لعبة البينغ بونغ وطيورَ الوشق،
كؤوسَ النبيذ المضادّة للكسر،
رائحةَ الكيروسين،
وطقطقةَ الجَزر تحت الأسنان.
أحبّ أيضاً دودَ القزّ والدوّامات.
وأكثر ما أمقتُهُ هو أن أكونَ
في مقدمةِ الواصلين إلى حادث سيئ.

 

ترجمة وتقديم: عابد اسماعيل


.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri