بول
مولدون
Paul Muldoon
(1951-....)
الإيرلندي بول
مولدون:
عوليس الذي نسي قوسَه
يصرّ الشاعر الإيرلندي
بول مولدون بأنّ كتبه الشعرية، والتي تضم عادةً سلسلةً من
القصائد القصيرة، المختلفة / المؤتلفة في آن، يجب أن تُقرأ
كما تُقرأ الكتب الأخرى، من أول صفحة إلى آخر صفحة. ولأنّه
يتعمّد ترتيب قصائده وفق خطّ بياني مدروس، يدعو مولدون قرّاءه
إلى التمعّن بالعلائق الخفية التي تجمع بين هذه القصائد. في
إحدى مقابلاته يقول: "أصبحت معنياً أكثر بالبُنى الداخلية
التي يمكن تثبيتها كمرايا متقابلة، ... وهذا يتيح ظهور صور
جديدة، بفضل خلق علاقات جديدة بين القصائد ذاتها". يميل مولدون
إلى توظيف روح التهكّم في شعره، متطلعاً إلى تحقيق متعة قصوى
من خلال اطلاق مهاراته وحيله الأسلوبية، مثل ابتكار صور غير
متوقعة، لكنها محببة، واعتماد مفارقات لغوية تصور قسوة الحياة
المعاصرة وتناقضاتها. ولأنه ينتمي إلى إيرلندا، البلد الغني
بأساطيره وميراثه الشعبي، تتسرب إلى قصائده تفاصيل فريدة عن
الحياة هناك، وعن حوار الحاضر والماضي. مع ذلك، ثمة قصائد
كثيرة له تتحدث عن مواضيع إنسانية شاملة، كالعلاقة بين الحب
والجنس، الطبيعة والإنسان، الحضارة والوعي، بنبرة لا تخلو
من نوستالجيا إلى زمن خرافي غابر.
يجمع مولدون في شعره
بين الصرامة والعفوية، حيث يقتبس، من جهة، روح الشاعر اليوناني
كفافي، الهادئة، الصامتة، في قراءة أبجديات الأمكنة، بلغة
خالية تقريباً من الترميز، ومن جهة أخرى، يستفيد من الغنائية
الجارحة، الشّفوية، لشاعر مثل بوب ديلان في خلق معادلات شعرية
أصيلة، تتصف بالرقة، وتأخذ شكل اعترافات حميمة لشخصيات تاريخية
وأسطورية تتحول إلى كائنات معاصرة وحية في قصائده. ولا يخفي
مولدون رغبته باستخدام طيف واسع من الإحالات الشعرية، مما
يجعل شعره غنياً ببؤر نصية مركّبة، بعضها يعود إلى العصر الوسيط،
وبعضها إلى الفلكلور الإيرلندي الشفوي، الذي سبق لمواطنه الشاعر
ويليام بتلر ييتس، أن جعله مصدراً للإلهام الشعري، عبر توطيد
مفهوم الرؤيا، واستثمار طاقة الرمز. من هنا يوظف مولدون تقنية
"الكولاج"، المؤسّسة بنيوياً على دمج أصوات متعددة، ترصد حالات
شعرية متنوعة تمثل "عوالم بديلة" أو افتراضية تذكّر بأسلوب
مواطنه الآخر الشاعر شيموس هيني، في رغبة هذا الأخير في تجاوز
البيئة المحلية، والتطلع إلى مناخ كوني، يتجاوز حواجز اللغة
والثقافة. يقول مولدون: "إننا نشبه أنفسنا كثيراً حين نتخيّل
أننا ذاهبون في اتجاه آخر. من المهم أن تمتلك الشعوبُ حسّاً
بالانتماء إلى غاية معينة، وأنّ نؤمن بأنّ وطننا يقع دائماً
في مكان آخر، ... وأنه يوجد دائماً بعدٌ آخر، حولنا، وأحياناً
يتخطّانا، ألا وهو تراثنا". ولا بد من الإشارة إلى أن رغبة
الشاعر بالعودة إلى طفولته، وانتقاء أحداث بعينها لتكون مواضيع
محورية في شعره، يجعل العديد من قصائده تستفيد من أجواء السيرة
الذاتية، وتنبشُ ذكريات الطفولة، التي تخفّف فنياً من وطأة
الاقتباسات الشعرية الكثيرة، ومن رصانة الذكاء الأكاديمي الموظّف
بحذر في خدمة الومضة الشعرية.
ولد بول مولدون في
ضاحية أرماغ الإيرلندية، عام 1952. تلقّى تعليمه في كلية القديس
باتريك في أرماغ، وجامعة كوين، في بلفاست. حصل على أول جائزة
أدبية في سن مبكّرة، وتتالت الجوائز الشعرية، كان من أهمّها
جائزة بوليتزر المرموقة للشعر عام 2003. عمل مولدون لأكثر
من عشر سنوات في إذاعة وتلفزيون بي بي سي، في بلفاست. في عام
1986 ترك عمله الإذاعي، وتفرغ للكتابة والتدريس في جامعتي
كمبريدج، وإيست أنجليا. بين عامي 1999 و 2004 عمل أستاذاً
للشعر في جامعة أكسفورد. من أهم كتبه: ديوانه الأول "طقس جديد"
الصادر عام 1973، "بغال" عام 1977، "لماذا غادرت بروان لي"
عام 1980، وغيرها، إضافة إلى أعماله الشعرية الكاملة التي
صدرت عام 2001 تحت عنوان "قصائد 1968ـ 1998". مجموعته الشعرية
العاشرة بعنوان "آفاق الخيول" سوف تصدر في بداية عام 2006.
وفيما يلي مختارات من قصائده:
القنفذ
تتحرّكُ البزّاقةُ مثل
عوّامةٍ مائيةٍ، تحملُها
وسادةٌ مطّاطية،
تقتسمُ سرّها
مع القنفذ. القنفذُ
لا يقتسمُ سرّه مع أحد.
نقولُ، يا قنفذ، اخرج من ذاتكَ،
وسوف نحبكَ.
نحن لا نضمرُ أذىً. نريد فقط أن
نصغي لما تريدُ أن تقول.
نريد
أجوبتكَ على أسئلتنا.
لا ينبس القنفذُ ببنتِ شفة،
هارباً من نفسِه إلى نفسه.
نتعجّبُ ما الذي يريد القنفذُ
إخفاءَه، ولماذا لا يثقُ بأحد.
ننسى الإلهَ
تحت هذا التاج من الشوك.
ننسى أنّ الإلهَ
لن يثق ثانيةً البتّة بهذا العالم.
نقلة أخرى
حين تحدّى عوليسُ البحرَ الداكنَ كالنبيذ
تركَ قوسَه مع بنيلوب،
التي لم تكن لتنحني لأحدٍ سواه.
أمرّرُ يدي فوق رفّ الكتب،
عابراً اللورد بايرون، و ريموند تشاندلر،
"هاورد هيوز"، و"السنوات الخبيئة".
عابراً "بلي باسكال"، المقيد إلى مخبئه، الذي
قدّسَ الفراغَ، بعدما قرّبهُ إلى جانبِهِ الأيسر.
تلك الكتبُ التي يظنّ المرءُ أنه يملكُها
تتحرّرُ من نفسِها وتهوي كالحجارة،
متدحرجةً نحو الأسفل
باتجاه هذا الخليج الواسع
الفاصل بيني وبين زوجتي الطيبة.
مدفأةٌ متحرّكةٌ، حقيبةُ نوم،
القوسُ الذي اشتريتُهُ، بمساعدة الكاتالوغ،
حين كنتُ في الثالثة أو الرابعة عشرة،
والذي كان ينحني، وينكسر، أمام الجميع،
طولُهُ الصبيانيُ، المصنوعُ من خشبِ القيقب،
لم يكن صلباً ولا مرناً.
لو أنني أمخرُ عبابَ ذاك البحر الداكن كالنبيذ،
كنتُ سآخذُ قوسي معي.
أغنية "فتاة أوغريم"
قرب أحد روافد الأمازون
يخرجُ صبيٌّ هندّيٌ
من قلبِ الغابة
ويبدأ العزفَ على الناي.
تخيّل فرحتي
حين كشطنا اللحاءَ الخارجي
واستطعتُ التعرّفَ على ألحانِ
أغنية "فتاة أوغريم".
أمّا يسوعُ فيشرحُ: "هو يأملُ
أن يسحرَ
السمكَ خارج الماء
بعيداً من رميمِ كاهنٍ
عادَ لتوّه
من مهمّةٍ طويلةٍ مهجورة".
الذراعُ اليمنى
كنتُ في الثالثة
حين حشرتُ ذراعي داخل جرةّ الحلويات
بحثاً عن آخر حبة "كاندي" مطعّمة بالثوم.
كنّا نملك متجراً إنكليزياً
يبيع الخبزَ والحليبَ والزبدةَ والجبنَ
والبيضَ واللحمَ والملحَ،
ويبيع، حتى هذه اللحظة،
الكاندي المطعّمة بالثوم.
كنتُ مستعداً لأن أبترَ ذراعي اليمنى
لأعرفَ لماذا اللغة الإنكليزية نفسها محاصرة
بين كلمتين، فرنسية ولاتينية،
وكلاهما تعنيان "كنيسة".
للسماءِ الإنكليزية قبتّها الزرقاءُ المطعّمةُ بالزّجاج
ولذراعي اليمني كُمٌّ من زجاجٍ
ما زال ينتظرُ أن يتهشّم.
العينُ المرحة
بعدما أصابني الملل من الفيلسوفين (أشام) و (زينو)
في محادثة خاصّة عن القوسِ الطويل،
خرجتُ إلى المرج الفسيح.
مستلاً القوسَ المنحني من قصبٍ أصفر،
رميتُ سهماً فوق المنزل
وجرحتُ أخي.
ذرفَ أخي تلك الدموعَ السوداء الكبيرة
حتى إنهّا صبغت نصفَ شعرهِ بالسّواد.
لم يكن للفيلسوف (زينو) أدنى فكرة
عن السّهم الطائر في حالة السّكون،
ولأنني محرومٌ من تقنية الإرجاع
في التصوير، ومن رؤية الطلقة
التي تتجمّدُ فجأةً،
أغوتني تلك العينُ العنيدةُ،
محولةً إياي إلى حجرٍ واقفٍ.
لطالما أحرقت العيونُ الشريرةُ
المحاصيلَ، ولم يزبدُ البشرُ
بعد كلّ رمشةٍ منها.
كانت العينُ أعمق من (بحيرةِ الشبان)،
بل ضاهت، في حملقتها، الشمسَ في السّماء.
وهاهي تطيلُ التحديق، بكلّ حرية، في عينٍ أخرى.
ترجمة: د. عابد اسماعيل