جاك بريفير
Jacques
Prévert
(1900-1977)
جاك
بريفير.. بساطة كالعشب...
جاك بريفير “Jacques
Prévert” شاعر فرنسي شهير محليَّاً وعالميَّاً ولد في نويي
على نهر السين، وهي إحدى ضواحي مدينة باريس في سنة 1900، وعاش
في باريس ومقاطعة بريتايني، وتعلّم من الحياة والشارع والحياة
الشعبية أكثر مما تعلّم في المدرسة، وبدأ حياته بائعاً في
شارع رين في باريس، ثمّ التقى عدداً من الشعراء والرسامين
والأدباء الذين شكّلوا، فيما بعد، الحركة السريالية، فانتمى
إلى هذه الحركة، وكان عنصراً فعّالاً فيها، ولكنّه ظلّ من
أقرب الشعراء السرياليين إلى الشعب، ثمّ انصرف بعد أن حُلّت
هذه الحركة في عام 1930 إلى تلحين عدد من قصائده وأغانيه مع
الملحن جوزف كوزما “Kosma Jozsef”، فأحبّها الشعب الفرنسي
لقربها منه، ولأنّها تعبّر عن همومه اليومية، ثم انصرف بعد
ذلك إلى تأليف المسرحيات الشعبية والكتابة للسينما، لكنّه
لم ينقطع عن كتابة الشعر طوال هذه المدة. توفي جاك بريفير
في الحادي عشر من نيسان سنة 1977.جاك بريفير شاعر كبير، ولكنه
عمل في مجالات أخرى كثيرة، فهو نظم شعراً للأطفال وكتب لهم
كتابات أخرى، وهو كاتب للمسرح الشعبي وملحّن غنائي وكاتب سينمائي،
وقد عبّر في قصائده وأغانيه، وبخاصة في مجموعته "كلمات" 1946،
وفي مسرحياته وأفلامه عن موقفه تجاه الفقراء والمضطهدين، وتغنّى
بجمال الحياة، ولذلك كان أقرب الشعراء والمعاصرين إلى هموم
الشعب وبساطة الحياة في شعره، ولذلك أيضاً سنتوقف عند أهمّ
الخصائص التي جعلت شعره بسيطاً وقريباً من الشعب. من أهم أعماله
الشعرية: (كلمات-قصص-رقصة الربيع الكبرى- المطر والصحو.. إلخ).
1-الإيمان بالشعب وبقدرته
على التغيير: جاك بريفير شاعر الشعب دون منازع، وهو منحاز
إلى طبقة العمال والفلاحين بامتياز، ولا غرابة في ذلك فهو
قد خرج من صفوف الشعب، وكان أقرب الشعراء المعاصرين إلى اليسار
الفرنسي والعالمي، ثمّ إنّه استوحى موضوعات شعره من حياة الشعب
ويوميّاته، ونظم له قصائده الغنائية، والوقوف عند قصيدته "المشهد
المتبدّل" “Le Paysage Changeur” (كلمات 87-89) يقدِّم صورة
عن ذلك، فهو يركّز –مثلاً- على الشمس في مطلع القصيدة ونهايتها،
فهي في المطلع وسيلة لمعرفة واقع العمال والبائسين، وهي لذلك
شمس باهتة، وهي شمس العطش والغبار والعرق والقار، وهي وسيلة
أو منبّه لكي يعودوا إلى واقعهم الأسود، فمعاناتهم تتجدّد
مع شروق كلّ يوم، ويتكرّر المشهد بألوان سود قاتمة:
المشهد الكسوف/ المشهد
السجن/ المشهد دون هواء ودون نور ودون ضحكات ولا فصول.
المشهد المتجمّد لمدن
عمالية متجمّدة في قلب الصيف/ كما في قلب الشتاء.
المشهد المنطفئ/ المشهد
بلا أيِّ شيء/ المشهد المجوَّع المفترس المخفيّ.
المشهد الفحم/ المشهد
الغبار/ المشهد الشحم الأسود/ المشهد خبث الحديد.
المشهد المخصيّ الممحوّ
المسرح المنفيّ والملقى في الظلّ.
في الظلّ الأكبر/ ظلّ
رأس المال/ ظلّ الربح (ص 88).
ولذلك كانت هذه الشمس
زائفة شاحبة غاربة، وهي شمس المعاناة، ويتمّ من خلالها استغلال
عرق العمال والفقراء، ولذلك أيضاً كانت هذه الشمس كوكب الكوارث
والخبائث، وهي شمس ميتة، ولذلك ينتظر الشاعر ولادة شمس أخرى
مختلفة من رحم هذه الشمس العتيقة، وهي شمس العدالة والجمال
والخير:
لكن ستأتي الشمس الحقيقية
ذات يوم.
شمسٌ حقيقية صلبة وهي
ستوقظ المشهد الشديد الليونة.
وسيخرج العمال.
إذ سيشاهدون الشمس/
الشمس الحقيقية الصلبة الحمراء شمس الثورة (ص 89).
ولأن بريفير يؤمن بالشعب
وبقدرته على التغيير فإنه اعتنى بالتفاصيل التي استمدّها من
الحياة اليومية، وكانت هذه الحياة مصدراً ثرَّاً لتجربته الشعرية،
حتّى كانت بعض قصائده مؤلّفة من مشاهد متتابعة استطاع أن يرتفع
بها مصاف الواقع إلى مصاف المخيلة والشعر، ونقدّم مثلاً على
ذلك مقطوعته "اليوم الأول"، وهي تصف إطلالة الجنين إلى الحياة:
أغطية بيض في خزانة/
أغطية حمر على السرير
طفلٌ في بطن أمّه/ أمّه
في الآلام.
الأب في الممشى/ الممشى
في المنزل
والمنزل في المدينة/
المدينة في الليل
الموت في صرخة/ والطفل
في الحياة (كلمات ص 183).
2-الاحتجاج على القيم
البورجوازية ورفضها: لم يكن جاك بريفير بعيداً عن الشعب الذي
أحبّه وبادله حبَّاً بحبّ، ولذلك وقف هذا الشاعر منذ بداياته
إلى جانب طبقة الفقراء والعمال، ووصف معاناة هذه الطبقة التي
تقدّم كلّ شيء، ولا تأخذ سوى الفتات، ولم يكن وقوفه إلى جانب
هذه الطبقة إصلاحياً، وإنّما هو موقف المتمرّد الرافض للقيم
البورجوازية الفارغة والادعاءات الكبيرة التي تخفي وراءها
المصالح الجشعة واستغلال الناس البسطاء والمحتاجين، ولذلك
هو لا يكتفي بوصف هذه القيم، وإنما يدعو إلى الثورة عليها،
لتذهب مع رموزها وحماتها إلى الجحيم، فتشرق –برحيلها- الشمس
على العالم من جديد، وهذا ما يمكننا أن نتلّمسه في قصيدته
"أغنية قديمة “vieillé Chanson”:
أوّاه أنتم الذين تعرفون
إنكلترا/ أنتم لم تعرفوا كوزي كورنير/ كوزي كوزي.
ذات مساء خلف حظيرة
من قصب/ ذات مساء صيفي/ أحببتُكِ.
في وسط حطام من كسرات
قوارير خزفية/ كان شعرك الأشقر يلمع كالشمس
غنّام ضخم كان يترنّح/
بتؤدة في الضبابة/ بإشارة واضحة جنونية.
زوّجنا دون معرفة بنا.
* * *
ازدردوا سندويشاتكم
أيّها الرجال الأغنياء/ عبّوا جعتكم.
ازدردوا سندويشاتكم
أيّها الرجال الأغنياء/ وادفعوا ثمن كؤوسكم.
افتحوا الباب واخرجوا/
هذه التي أحببتُ قد ماتت/ كفاني ذلك.
قد ألقت بنفسها في النهر/
فتاة إنكلترا الأكثر جمالاً.
قد ألقت بنفسها في الماء
البارد/ فتوارَوُا.
* * *
أوّاه أنتم الذين تعرفون
إنكلترا/ هل عرفتم الشقاء.
كوزي –كوزي/ ألقيت بنفسك
في التايمز.
ذات مساءٍ شتائي/ في
السابعة عشرة من عمرك.
لم تكوني تملكين حتى
قميصاً/ كنت تنامين كلّ الليالي على المقاعد.
غالباً.. ما كنتِ تأكلين/
ذات يوم من أيام الشباب كنتِ مزعوجة من ذلك.
كوزي.. كوزي أنا أفهمك/
كان ذلك يوماً سعيداً جدّاً حقّاً.
* * *
ازدردوا سندويشاتكم
أيّها الرجال الأغنياء/ وادفعوا ثمن كؤوسكم.
افتحوا الباب واخرجوا/
هذه التي أحببْتُ قد ماتت/ كفاني ذلك.
قد ألقت بنفسها في النهر/
فتاة إنكلترا الأكثر جمالاً.
قد ألقت بنفسها في الماء
البارد/ فتوارَوْا.
* * *
تعصف العاصفة فوق إنكلترا/
الملك والملكة وكلّ النبلاء.
محسورو الرؤوس/ سقط
التاج على الأرض/ وتدحرج.
تدحرج تدحرجَ/ وثار
البحر على الشواطئ/ يزبد يغضب/ يشتم ملك إنكلترا.
بسبب موت طفلة/ كوزي
غرقت في السابعة عشرة من عمرها.
* * *
ازدردوا سندويشاتكم
أيّها الرجال الأغنياء/ عبّوا جعتكم.
ازدردوا سندويشاتكم
أيّها الرجال الأغنياء/ وادفعوا ثمن كؤوسكم.
افتحوا الباب واخرجوا/
هذه التي أحببتُ قد ماتت.
قد ألقت بنفسها في النهر/
فتاة إنكلترا الأكثر جمالاً.
قد ألقت بنفسها في الماء
البارد/ فتوارَوْا (قصص ص ص 45-47).
يأتي الاحتجاج على القيم
البورجوازية في شعر بريفير بألوان مختلفة، فهو يصرّح مرّة
بذلك، ويومئ إلى ذلك مرّة أخرى، وتنوّع الأسلوب جعل من شعره
مائدة عليها كلّ الأصناف، فهو قد يلتقط مشهداً لحالة إنسانية
في مكان ما، ليبيّن التناقضات التي يعيش الإنسان فيها، ففي
ساحة الكونكورد في باريس لقطة سريعة واقعية لمشهد يومئ إلى
معاناة الإنسان المعاصر في ظلّ القيم البورجوازية، وذلك في
قصيدته "نهاية الصيف" “La belle Saison”:
بلا طعامٍ، بلا دليل،
متجمّدة/ وحدها دون فلس.
فتاة ذات ستة عشر ربيعاً/
جامدة واقفة.
في ساحة الكونكورد/
في ظهيرة الخامس عشر من آب (كلمات 23).
ومن تلك القيم ما يحاول
الكبار أن يفرضوه على الصغار وحياتهم, وهم يستلبون عقولهم
وطرائق تفكيرهم، كما نجد في قصيدته الومضة "الرجل العظيم"
“Le Grand Nomme”:
لدى نحات أحجار/ حيث
التقيته
كان يقدّم قياساته/
للأجيال القادمة (كلمات ص 156).
وقد يجد المرء في بعض
قصائد هذا الشاعر جرأة من جهة وسخرية شافية من جهة ثانية،
فهو -مثلاً- في قصيدته "السلالات الرفيعة
" “Les belles Families”
يسخر من رجالات أهمّ الأسر التي حكمت فرنسا في التاريخ، فيقول:
لويس الأول/ لويس الثاني/
لويس الثالث/ لويس الرابع/ لويس الخامس
لويس السادس/ لويس السابع/
لويس الثامن/ لويس التاسع/ لويس العاشر (الملقب بالمحارب العظيم).
لويس الحادي عشر/ لويس
الثاني عشر/ لويس الثالث عشر
لويس الرابع عشر/ لويس
الخامس عشر/ لويس السادس عشر
لويس السابع عشر/ لويس
الثامن عشر/ وبعد ذلك لا أحد لا شيء.
وهؤلاء الناس/ الذين
لا يستطيعون/ أن يعدّوا إلى العشرين؟! (كلمات ص 159).
وهو ـ مثلاً- يتجرأ
بأمثلته على أصحاب المقامات التي يكرّسها النظام البورجوازي،
فهو يقول في قصيدته "أغنية لشهر أيار" “Chamson du moi de
mai”:
الحمار والملك وأنا/
سنكون غداً موتى/ الحمار من الجوع/ والملك من الخوف/ وأنا
من الحبّ
يخطّ إصبع من طبشور/
على لوح الأيام/ أسماءنا/ والريح في أشجار الحور
تسّمينا/ حماراً ملكاً
إنساناً
شمس خرقة سوداء/ الآن
أسماؤنا ممحوة/
ماء بارد للمراعي/ رمل
للساعات الرملية/ وردة لشجرة الورد الحمراء/ الطريق الأطول
الحمار والملك وأنا/
سنكون غداً موتى/ الحمار من الجوع/
والملك من الهلع/ وأنا
من الحبّ/ في شهر أيار
الحياة كرزة/ الموت
نواة/ الحبّ كرز (قصص ص ص 37-38).
3-الاحتجاج على الحرب:
إنّ إيمان بريفير بالشعب وبقدرته على التغيير من جهة، واحتجاجه
على القيم البورجوازية ورفضها من جهة أخرى جعلاه يرى أنّ الحرب
هي دائماً من صنع الكبار، وهي لا تخدم إلاَّ مصالحهم، ولذلك
تقوم الحروب هنا وهناك ليزداد الكبار طولاً وعرضاً ويزداد
جشعهم، ويظلّ الصغار صغاراً وتزداد معاناتهم وجوعهم نتيجة
لهذه الحروب الوحشية، وما الصغار فيها سوى دمى يحرّكها الكبار
وفق غرائزهم وأهوائهم، وإذا كانت السماء تُشفق على الإنسان
بالمطر الخصب، ليكون وجه الأرض جميلاً ومنعشاً فإنّ مطر الكبار
لا يكون إلاَّ فولاذاًليعمّ الجوع والخراب على وجه البسيطة،
إنّها الحرب التي لا تُبقي على شيء في مدينة بريست (Brest)
ولذلك يقرأ المرء في قصيدة "باربارة" “Barbara” الفروق بين
الحبّ والكراهية، وبين الحياة والموت، وبين عالم الكبار وعالم
النّاس البسطاء:
تذكّري يا بربارة/ بلا
انقطاع كانت تمطر يومئذ على بريست/ وكنت تسيرين باسمةً
متفتّحةً فرحةً مبلّلة/
تحت المطر
تذكّري يا بربارة/ بلا
انقطاع كانت تمطر على بريست/ وقد التقيتك في شارع "سيام".
كنتِ تبتسمين/ وأنا
كنتُ أبتسم أيضاً
تذكّري يا بربارة/ أنتِ
التي ما كنتُ أعرفها/ أنتِ التي ما كنتِ تعرفينني
تذكّري/ تذكّري مع ذلك
يومئذ/ ولا تَنْسَيْ/ رجلاً كان يحتمي في أحد المداخل
نادى باسمك/ بربارة/
فركضتِ نحوَهُ تحت المطر
مبلّلةً متفتحّة فرحة/
وارتميتِ بين ذراعيه
تذكّري ذلك يا بربارة/
ولا تغضبي إذا ناديتُكِ بلا كلفة
أخاطب بهذا الضمير المفرد
كلّ الذين أحبّهم/ وإن لَم أكن رأيتهم سوى مرّة واحدة
أقول: أنت. لكلّ الذين
يتحابون/ وإن لم أكن أعرفهم.
تذكّري يا بربارة/ ولا
تَنْسَيْ هذا المطر الهادئ السعيد/ على وجهك البشوش
على هذه المدينة السعيدة/
هذا المطر على البحر.
على مستودع السّلاح/
على مركب "أويسّان".
آهٍ يا بربارة/ أيّ
حماقة هي الحرب/ ماذا حلّ بكِ الآن
تحت هذا المطر الحديدي/
مطر النار والفولاذ والدّم
وذاك الذي كان يضمّك/
بشغف بين ذراعيه/ هل مات أو اختفى أو ما زال حيّاً
آهٍ يا بربارة/ بلا
انقطاع تمطر على بريست/ كما كانت تمطر سابقاً
لم يكن ذلك كما كان
وكلّ شيء إلى خراب/ إنّه مطر من حداد مخيف وفاجع
بل ليست هي العاصفة
نفسها/ عاصفة من الحديد والفولاذ والدم
بكلّ بساطة هي محض سحب/
تنفق مثل الكلاب
كلاب تتوارى مع خيط
مياه منهمر على بريست
وتمضي لتتفسّخ بعيداً/
في البعيد البعيد جداً من بريست
إذ لم يبق منها شيء
(كلمات ص ص 199-200).
4-البساطة والعمق والنّص
المفتوح: يتراءى لقارئ شعر جاك بريفير للوهلة الأولى أنّه
إزاء كلام نثري عادي يعرف، أو أنّه يقصّ عليه حكايات عادية،
ولا سيّما أن بريفير شاعر وكاتب للأطفال، ولكنّه يُفاجأ بعد
أن ينتهي من القراءة بأنّ هذا الكلام العادي ما هو إلاّ قناع
يُخفي وراءه إيقاعاً من الصمت مفتوحاً على الأعماق والآفاق
البعيدة، وهذه السمة التي نستطيع أن ندعوها "البساطة" هي أهمّ
سمة من سمات شاعرية بريفير، فهو يختلف عن شعراء الرمزية من
أمثال بودلير ورامبو ومالارميه وبول فاليري الذين يعشقون اللغة
ويتعاملون معها إيروسيّاً، ولكنهم يجنحون في شعرهم إلى الغموض،
وهو يختلف أيضاً عن شعراء السريالية الذين كان صديقاً لهم
في أنّه كان أبعدهم عن الكتابة الآلية وأقربهم إلى الاهتمام
بالطبقات الفقيرة، ولذلك لم يكن نصّ بريفير مجانيّاً، وإنّما
هو يحمل في ثناياه همَّاً إنسانيّاً كبيراً، فالحرية مثلاً
قيمة كبرى من قيم الإنسانية، ولا يكون الإنسان إنساناً دون
أن يكون حرَّاً، ومن لا يكون حرَّاً لا يستطيع أن يحبّ لأنّه
لا يمتلك إرادته، ولذلك هو يبحث عن المرأة الحرّة لتكون حبيبته
في قصيدته القصيرة "لأجلك يا حبيبتي" “Pour toi mon amour”
ذهبتُ إلى سوق الطيور/
وابتعتُ طيوراً/ لكِ/ يا حبيبتي
ذهبتُ إلى سوق الأزاهير/
وابتعتُ أزهير/ لكِ/ يا حبيبتي
ذهبتُ إلى سوق الخردة/
وابتعتُ سلاسل/ سلاسل ثقيلة/ لكِ/ يا حبيبتي.
ثمَّ ذهبتُ إلى سوق
العبيد/ وبحثْتُ عنكِ/ لكنّني ما وجدتُكِ/ يا حبيبتي (كلمات
ص 41).
وإذا كانت البساطة سمة
عامة في شعر بريفير فليس معنى ذلك أنّه يتقصّدها، وإنما هي
أسلوبه الشعري الذي ينطلق منه للبحث عن القيم الإنسانية في
عالم بدأ يتحلّل منها ويبحث عن مصالحه الخاصة، ولذلك كان الشاعر
ـ منذ أن كان الشعر- باحثاً عن إنسانية الإنسان، وهو يوازن
في ثنائياته بين الماضي والحاضر والطبيعة والمدينة والزيف
والصدق والخصب والعقم لبيان وجه الجمال في هذه الحياة، ومن
هذا المجال يستطيع المرء أن يقرأ شعر بريفير، فوراء كثير من
قصائده قيم إنسانية، ففي قصيدته الشهيرة "وجبة الصباح" “Déjeuner
du Matin” تقصّ علينا هذه المرأة التي جلست إلى جانب رجل دون
أن يعيرها أيّ اهتمام هذه الواقعة اليومية في عالم غدا أقرب
إلى الآلية في سلوكه:
وضع القهوة/ في الفنجان/
وضع الحليب في فنجان القهوة
وضع السكر/ في القهوة
بالحليب/ حرّكها/ بالملعقة الصغيرة
شرب القهوة بالحليب/
وضع الفنجان/ دون أن يكلّمني
أشعل سيجارة/ نفث دوائر/
من دخانٍ/ ألقى الرماد
في المنفضة/ دون أن
يكلّمني، دون أن ينظر إليّ
نهض/ وضع قبّعته على
رأسه/ ارتدى معطف الشتاء
لأنّ المطر كان يهطل/
وانصرف تحت زخّات المطر
دون كلمة/ دون أن ينظر
إليّ
وأنا وضعتُ/ رأسي بين
يديّ
وبكيتُ (كلمات ص ص 144-145).
إنّ هذه النصوص الشعرية
البسيطة وأمثالها كثير في شعر بريفير ليست مقتصرة على ما تقول
بنيتها السطحية، وإنّما هي مفتوحة النهايات على قول لا بدّ
من أن يقوله القارئ، إنّها مفتوحة على مساحة كبيرة من الصمت،
وهذه المساحة متروكة للقارئ، وإذا كان القرّاء يختلفون في
أمزجتهم وثقافاتهم وسلوكهم، فإن هذه المساحة تصبح بؤرة إشعاعية
للتأويل، ويظلّ المعنى مؤجّلاً، لأن الشاعر أو المتكلّم لم
يطلق نصه على معنىً محدّد يراه هو، ومن هنا تكون البساطة قشرة
ظاهرة للعيان، ولكنّها تخفي تحتها توهجّاً يحتاج إلى القراءة
ويتجدّد بتجدّدها.
5-قصيدة المشهد السينمائي:
عمل جاك بريفير مع شقيقه بيير بريفير في مجال السينما، ومن
أشهر الأفلام التي شارك في صنعها "ميناء الضباب" و"أطفال الفردوس"
و"أبواب الليل" و"عشاق فيرونا"، وشعره متأثر بالفنّ السينمائي
وتقاناته، وكثير من قصائده تُشبه اللقطات السينمائية السريعة،
لاعتمادها على إظهار الصورة واختفائها تدريجياً، كما يجد القارئ،
ذلك في قصيدته "مدرسة الفنون الجميلة" “L’école des Beaux-Apts”:
من علبة قشٍّ مجدول/
يختارُ الوالد كرةً من ورق/ ويُلقيها في الحوض.
أمام أطفاله المذهولين/
تنبعث حينئذٍ/ الوردةُ اليابانية الكبيرة.
النيلوفر الذي يدوم
لحظة/ متعدّدة الألوان
والأولاد يصمتون مذهولين/
ولا تقدر هذه الوردة أن تذبل
أبداً فيما بعد في ذاكرتهم/
هذه الوردة الفجائية
مصنوعة لهم/ لدقيقة
أمامهم (كلمات ص 160).
صارت اللقطة الشعرية
عند بريفير صورة متحركة تنبض بالحياة البصرية، وهي شبيهة إلى
حدّ ما بلقطة الكاميرا ذات العين النفّاذة إلى باطن الأشياء
وجمالياتها، عين تنتقي من الطبيعة منظراً خلاَّباً، كما يلتقط
الشاعر من الواقع حادثة يبني عليها قصيدته، ويمكننا أن نتوقّف
هنا عند مقطوعته "النهر" “La Riviére”:
نهداكِ الفتيّان يلمعان
تحت القمر
لكنّه قد ألقى/ الماسة
المتجمّدة/ صخرة الحسد البارد
على بريق بهائك/ الذي
كان يرقص عارياً
على النهر/ في أبّهةِ
الصيف (المطر والصحو ص 47).
وإذا كانت عين الكاميرا
تبحث عن الجسدية والصور المحسوسة ذات التفاصيل فإنّ هذه الصور
قد انتقلت هي الأخرى إلى شعر بريفير، وبخاصة مقطوعاته، ففي
قصيدته "أليكانت" “Alicante”:
برتقالة على الطاولة/
فستانك على السّجادة/ وأنتِ على سريري
عذبة.. هدية الحاضر/
دفء حياتي (كلمات – ص 24).
فلنلاحظ كيف يسلّط الشاعر
عين الكاميرا الشعرية على الصور المثيرة، فيبدأ أولاً من صورة
شهية محسوسة "البرتقالة على الطاولة"، وهذه الصورة تمهيدية
بالرغم من أن القصيدة لا تتضمن سوى ستة أبيات قصيرة، ثمّ ينتقل
الشاعر إلى صورة أكثر إثارة ودلالة، وهي صورة فستان مرميّ
على السجادة، فالأنثى قد رمت بفستانها على السجّادة، وهذا
يعني أنّها راغبة في ذلك، فهي في لحظة الفعل الجنسي تتجرّد
من ملابسها تماماً، ثمّ إنّها لا تهتمّ بما سيجري لهذا الفستان
من قذارة أو دعك أو ما شابه ذلك، وكأنّ لحظة الفعل الجنسي
هي كلّ ما تستهدفه من هذه الحياة، ثمّ هي مشدودة إلى هذا الفعل
وهذا العاشق أكثر مما هي مشدودة إلى الجماليات الخارجية، ثمّ
تنتقل عين الكاميرا إلى الجسد الأهمّ أو إلى الموضوع الرئيس:
الأنثى على السرير.. ولم يشأ الشاعر أن يدخل هنا في التفاصيل.
لم يقل إنّها عارية تماماً، وإن كان قد مهّد لذلك بالصورة
السابقة، وكأنّه ترك لعين الكاميرا الشاعرة الحديث والوصف
والبلاغة، فهذه اللحظة إشراقية لا يستطيع الكلام إلاَّ أن
يقف إزاءها عييَّاً صامتاً، والبلاغة هنا هي بلاغة الصمت،
ثم كان المشهد الأخير، وهو صورة الرجل العاشق السعيد أو المفعم
بالحبور من جرّاء هذه اللحظة الإشراقية، أما العنوان فبالعودة
إليه يدرك القارئ مباشرة أنه كان يريد أن يصف نوعاً من النبيذ
الرائع المنسوب إلى مقاطعة اليكانت، ولكن الشاعر وصف كلّ شيء،
ولم يأتِ على ذكر النبيذ، وكأنّ الصلة منقطعة بين العنوان
والمتن، ولكنّ نظرة قصيرة إلى هذا الجسد الأسطوري الذي ارتمى
على السرير، وهو ينتظر لحظة الفعل كان هو النبيذ الأسطوري.
6-التكرار: إنّ التكرار
الموظّف بأنواعه سمة من أهمّ سمات الشعرية قديماً وحديثاً،
فهو مفتاح من أهمّ مفاتيح القصيدة وبؤرة من أهمّ بؤرها ومحطّة
انطلاق تنطلق منها الأشياء يميناً ويساراً، شرقاً وغرباً،
شمالاً وجنوباً، إلى الأعلى وإلى الأسفل، لتعود إليها، فالشاعر
لا يقول سوى عبارة واحدة تذهب وتعود كالموجة على الشاطئ تتردّد
دائماً بألوان مختلفة وحركات متفاوتة، ففي مقطع من إحدى قصائد
الشاعر بريفير "في باريس" A Paris” يردّدا الشاعر مرات "الطفل
يكلّم":
في شوارع باريس/ الطفلُ
يكلّم الزنجي الطويل والبدين القصير.
الطفل يكلّم الشمس/
الطفل يكلّم الأعاجيب.
الطفل يكلّم الصمت/
الطفل يكلّم الضجيج.
الطفل يكلّم البؤس/
الطفل يكلّم الرعب.
الطفل يكلّم البهاء
والمكر والآلام والنزوات.
الطفل يكلّم الحبّ/
الطفل يكلّم السعادة.
الطفل يكلّم الرغبات/
الطفل يكلّم الجوع والعطش والرقاد
الطفل يكلّم الهذيان
ومشكلات الأسرة.
الطفل يكلّم الصورة
الكئيبة والأحزان الكاذبة.
الطفل يكلّم الكلب المدرّب
والببغاءالعليمة والصينيّ المتكتّم.
الطفل يكلّم الفضيحة
والمشفى والكرنفال والانقلاب العالمي.
الطفل يكلّم ما هو محزن
يكلّم ما هو محيّر.
الطفل يكلّم اللغز وما
هو مزعجٌ ومكروه.
الطفلُ يكلّم ما هو
غير لائق/ في جسده المحرّم.
في شوارع باريس/ الطفل
يكلّم المتنكّر بثياب النساء/ والعاري.
يكلّم روث الحصان والكُزاز
والدراجة/ الطفل يكلّم الشيطان.
الطفل يكلّم الكريه/
الطفل يكلّم الحلم ويكلّم الحقيقة ويكلم الحسن.
ويكلّم الرديء ويكلّم
الحديد ويكلّم النار (رقصة الربيع الكبرى ص ص 58-59).
إنّ الطفل هنا هو مركز
العالم، وهو يمثّل الشاعر أو ما شابهه، والكلام هو محور العالم،
وهو وسيلة اتصال به، ويتكرّر الكلام هنا وهناك، مع هذه الجهة
أو تلك دون أن يأخذ جهة محدّدة، فمرّة يحمل الكلام سعادة وإعجاباً،
ومرّة يحمل بؤساً وشقاءً، إنّه شبيه بالحياة التي تحتوي على
هذا وذاك، وقد يكون التكرار لولبيَّاً متتالياً رمزيَّاً ليصل
إلى نهاية محدّدة، كما في قصيدته "أغنية صيّاد الطيور" “Chanson
de L’oiseleur”:
الطائر الذي يرفّ رفّاً
هادئاً/ الطائر الأحمر والفاتر كالدم/ الطائر بهذا المقدار
من الحنان.
الطائر الساخر/ الطائر
الذي باغته الهلع فجاءة/ الطائر الذي يصطدم فجاءة.
الطائر الذي يودّ لويفرّ/
الطائر الوحيد المذعور/ الطائر الذي يودُّ أن يعيش.
الطائر الذي يودّ لو
يغنّي/ الطائر الذي يودّ لو يصرخ/ الطائر الأحمر والفاتر كالدم.
الطائر الذي يرفّ رفَّاً
هادئاً/ هذا هو قلبُكِ يا طفلتي الجميلة.
قلبك الذي يرفّ بجناح
من الكآبة/ على نهدك الشديد القساوة الناصح البياض (كلمات
ص 150).
وقد يكون التكرار سؤالاً
مفتوحاً على الزمن والنهاية، وهو سؤال يتكرّر ويتوالد مع قفزات
في الزمن باتجاه الأمام دائماً، ومن أمثلة ذلك في شعره مقطوعته
"الباقة" “Le Bouquet”.
ماذا تفعلين هنا أيتها
الطفلة/ بهذه الأزاهير المقطوفة قبل قليل؟
ماذا تفعلين هنا أيتها
الصبية/ بهذه الأزاهير الجافّة؟
ماذا تفعلين هنا أيتها
السيّدة الحسناء/ بهذه الأزاهير التي تذبل؟
ماذا تفعلين هنا أيتها
العجوز/ بهذه الأزاهير التي تموت؟
إنّني أنتظر المنتصّر
(كلمات ص 198).
7-القصيدة الومضة: جاك
بريفير شاعر القصيدة الغنائية وشاعر الأغنية، وهذا يعني أن
القصيدة ينبغي أن تكون قصيرة إلى حدّ ما، وأحياناً قصيرة جدَّاً
وخاطفة كالومضة، فلا تحتمل القصيدة الغنائية الطول، وإن كان
مفهوم القصر أو الحجم بتفاوت بين قصيدة وأخرى، ولكنّ الملاحظ
أن بريفير يركّز في مجموعاته الشعرية على القصيدة الومضة التي
لا تزيد أحياناً على أربعة أو خمسة أبيات، وهي تمثّل فكرة
أو مشهداً أو موقفاً من الحياة اليومية أو ما شابه ذلك، وهذا
كثير في مجموعته "كلمات" “Paroles” ومنها مقطوعته "الطريقة
المستقيمة" “Le Droit Chemin”:
في كلّ كيلو متر/ في
كلّ عام/ يدلّ شيوخ بجبهات قليلة الاتساع/
الأطفال على الدرب/
بإيماءة من الإسمنت المسلّح (كلمات ص 155).
ومن ذلك مقطوعته "باريس
في الليل"“Paris at night”:
ثلاثة أعواد ثقاب واحداً
فواحداً مشتعلة في الليل.
الأول لمشاهدة محياك
كاملاً/ والثاني لمشاهدة عينيكِ/
والأخير لمشاهدة ثغرك/
والظلمة كلّها لتدعوني.
لأضمّك فيها بين ذراعيّ
(كلمات ص 197).
ومنها أيضاً مقطوعته
"أغنية" "Chanson":
في أيّ يوم نحن/ نحن
في جميع الأيَّام يا حبيبتي/ نحن كلّ الحياة يا حبّي.
نتحابُّ ونحيا/ نحيا
ونتحاب/ ولا نعرف الحياة/ ولا نعرف ما اليوم/ ولا نعرف ما
الحبّ (كلمات 177).
ومن مجموعته "المطر
والصحو" “La Pluis et le beau temps” مقطوعة لا تزيد على ثلاثة
أبيات، وهي بعنوان "العشّاق الغدّارون" “Les Amoureux Trahis”:
أنا كنت أمتلك المصباح/
وأنت الضوء/ فمن الذي قد باع الذبالة؟ (المطر والصحو ص 48).
ومن ذلك قصيدته "توجيه"
“Droit
de Regard”:
أنتِ/
أنا لا أراكِ/ حياتي كذلك لا تراكِ/ أحبّ ما أحبّ.
وذاك
الوحيد يراني/ ويشاهدني.
أحب
الذين أحبّهم/ أشاهدهم/ في مواجهة ما يقدّمون لي (المطر والصحو
ص38).
ومن
مجموعته "قصص" “Histories” عدد من المقطوعات القصيرة التي
يشكّل كلّ منها مشهداً أو موقفاً، ومن ذلك مقطوعته "الوجبة
الخفيفة" “Le Lunch”:
مالك
الفندق الأسود/ مشدود إلى ما بعد الثريا/ جسور يلقي نظرة
في
الفستان المكشوف الرقبة والكتفين/ لربة المنزل (قصص ص 52).
ومن
مقطوعاته في هذه المجموعة "لبوتي الصغيرة" “Ma Petite Lionne”:
يا
لبوءتي الصغيرة/ ما كنتُ أحبّ أن تخدشيني/ وأنا قد سلّمتك
إلى المسيحيين.
ومع
ذلك فأنا كنت أحبّك جيداً/ وكنت أرغب أن تسامحيني.
يا
لبوءتي الصغيرة (قصص ص 53):
ومن
ذلك مقطوعة "حكمة الأمم" “La
Sagesse
des Nations”:
منيرفا
تبكي/ يندفع ضرس عقلها/ والحرب تُستأنف دون توقّف (قصص ص 59).
ولـه
مقطوعة ومضة بعنوان "حلم اليقظة" “Réverie”.
مسكين
يا لاعب كرة القرن، بماذا تفكّر.
أفكّر
بالفتيات بألف باقة/ أفكّر بالفتيات بألف مؤخّرة جميلة (قصص
ص 65).
ومن
ذلك أخيراً هذه المقطوعة بعنوان "قرع" “On Frappe”:
من
هناك/ لا أحد/ هذا ببساطة قلبي يدقّ.
يقدّ
بشدة بالغة/ بسببك/ لكن خارجاً/ القبضة الصغيرة البرونزية
على الباب الخشبي
لم
تحرّك/ لم تُهَزّ/ لم تحرك فقط طرف الخنصر (قصص ص 96).
*
* *
هكذا
صار علينا الآن أن نحطّ الرحال بعد هذه الجولة مع شاعر البساطة
والشعب جاك بريفير شاعر فرنسا الأكبر الذي وهب حياته للشعر
ولأمّته وللعالم، وهو من الشعراء الكبار المعروفين في أرجاء
المعمورة، وقد غادرنا إلى العالم الآخر قبل ربع قرن تقريباً..
المصادر
والمراجع:
1-
جاك بريفير، كلمات، طبعة غاليمار-1949 (سلسلة كتاب الجيب 230)
1970.
2-
جاك بريفير، قصص، طبعة غاليمار 1963 (فوليو 119) 1979.
3-
جاك بريفير، المطر والصحو، طبعة غاليمار 1955 (سلسلة كتاب
الجيب 847) 1968.
4-
جاك بريفير، رقصة الربيع الكبرى، طبعة غاليمار 1976 (سلسلة
فوليو 1075) 1978.
5-
جان روسيلو، معجم القصيدة الفرنسية المعاصرة، مكتبة لاروس
1968.
6- د.عبد الغفار مكاوي، ثورة الشعر الحديث،
الهيئة المصرية العامة للكتاب-جزءان.
د. خليل الموسى