حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

يانيس ريتسوس
Yiannis Ritsos
(1909-1990)

اعر الحرية والتفاصيل

ولد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس في الأول من أيار (مايو) عام 1909 في قرية "مونيمفاسيا" Monemvassia في جنوب شرق مقاطعة البيلوبونيز، جنوبي اليونان، وكان والده رجلاً ثرياً ولم يلبث أن فقد أمواله على طاولات القمار، وتلقى الطفل الصغير دروسه الأولى في مدرسة القرية، ومنذ عام 1917بدأ ريتسوس يكتب قصائده الأولى وراح يشغف بالموسيقى والرسم وهما هوايتان لم تفارقاه طوال حياته، وفي آب 1921 يموت شقيقه البكر بداء السل. وخلال أشهر ثلاث (تموت) والدته أيضاً في المرض نفسه الذي غزا القرية أنذاك تاركاً جثثاً كثيرة ومآسي، وعليه، فلا طفولة ـ إذن ـ ولا فراديس، بل تأرجح على حافة الحياة والموت، فقد كان على ريتسوس منذ نعومة أظفاره أن يجابه ـ مع السل ـ الخراب الناجم عن أب مولع بالقمار حد الجنون.

انتقل ريتسوس إلى أثينا التي تموج بالمهاجرين القادمين من آسيا الصغرى بعد أن أنهى دروسه الثانوية، وفي أثينا عرف حالة من الفقر نتيجة لضآلة رزقه. وقد اضطر أن يقطع دروسه ويعمل في مهن صغيرة حقيرة، ككاتب ينسخ الأوراق في نقابة المحامين، وراقص هامشي بإحدى الفرق الفنية، وممثل صامت، ثم مصححاً وقارئاً لبروفات الطباعة لدى أحد الناشرين، حتى حظي بوظيفة في "المصرف الوطني" لكنه في عام 1926 يصاب بداء السل، فيرجع إلى قريته النائية ويكتب ديوانه "منزلنا القديم"، وفي العام نفسه يدخل والده المأوى ولا يلبث هو أن يدخل أحد المصحات ليمضي ثلاث سنوات في العلاج البطيء، وفي المصح يقرأ ريتسوس كثيراً ويكتب كثيراً ويقيم علاقات أولى مع الوسط "التقدمي" وما أن يغادر الشاعر المصح إثر ثلاث سنوات حتى يدخل مصحاً آخر بعد أن عاوده المرض. وفي 1931 يرجع ريتسوس إلى أثينا ويلتحق بنادي "العامل" ويلتزم في أحد المسارح كممثل طمعاً بأجر يقيه الجوع.

وفي عام 1934 يصدر ريتسوس باكورة أعماله الشعرية وهي ديوانه الأول "تراكتورات"، ويليه بعد عام ديوانه الثاني "أهرامات"، اللذين كتب معظم قصائدهما في المصحة، وفي أيار 1934 تطلق الشرطة اليونانية النار على عمال التبغ المتظاهرين في مدينة تسالونيك فيقع ثلاثون قتيلاً وما يقارب ثلاثمائة جريح، فيغلق ريتسوس على نفسه غرفته ويكتب خلال ثلاثة أيام قصيدته الطويلة الشهيرة "أبيتافيوس" في ذكرى الضحايا، وهي قصيدة جنائزية تتكون من عشرين نشيداً أو ترنيمة مشدودة إلى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي والأسطورة الوثنية والطقس الأرثوذكسي، وهي بداية التحقق والحضور الحقيقي لهذا الشاعر، وفي الرابع من تموز يستأثر الجنرال ميتاكساس بالسلطة، ويصادر كتباً كثيرةً تقدمية التوجه ومنها كتاب "أبيتافيوس".

وفي عام 1937 يصدر ريتسوس كتابه "نشيد أختي" وفي ترجمات أخرى "أغنية أختي" فيحييه بطريرك الأدب اليوناني آنذاك (كوستيز بالاماس: 1859-1943) قائلاً: "إننا ننحني أيها الشاعر كي تمر". لكن ريتسوس لا يلبث أن يقع في مرض السل مرة جديدة. ولكنه في عام 1938 يصدر كتابه "سمفونية الربيع" ويصدر "مسيرة المحيط" في عام (1940)، وخلال سنوات الحرب ما بين 1940 و1944 تسوء حالته الصحية وسط أوضاع مأساوية تعانيها البلاد من جوع وفقر مدقع، ويكتب صحافي في إحدى الصحف اليونانية عن حالة ريتسوس منبهاً قراءه والمثقفين، فتجمع بعض التبرعات الوطنية التي لا يلبث أن يرفضها الشاعر ويطلب توزيعها على جميع الكتاب والشعراء المحتاجين، وهاهو طوال هذه السنوات يكتب، طريح الفراش ثلاثة كتب "مازوركا العجوز على إيقاع المطر"، "القرن الأخير قبل الإنسان"، "تجربة". والكتاب الأخير تمنعه سلطات الاحتلال النازي.

وفي عام 1945 يترك ريتسوس أثينا وكان قد شارك في مقاومة الاحتلال النازي، ويعمل في المناطق البعيدة. وفي بلدة كوزاني يؤسس مسرحاً شعبياً ويكتب مسرحيته "أثينا تحت السلاح" وقصيدة طويلة بعنوان "حاشية الانتصار" ثم يرجع إلى أثينا وخلال عامين يكتب مجموعتين: "يونانية" و"سيدة الكروم".

وفي عام 1948 يتم اعتقال ريتسوس من منزلـه في أثينا وسط حملات قامت بها الشرطة ويساق إلى مخيم للأسرى في جزيرة ليمنوس. وفي 1949 ينقل ريتسوس في عداد الأسرى إلى سجن "ماكرونيسوس" المعروف بأساليبه لإعادة التأهيل الوطني. غير أن خمسمائة سجين من مئة ألف يرفضون توقيع بيان يؤكد هجرهم المبادئ التقدمية، على الرغم من التعذيب الشديد الذي حل بهم. وقد كان ريتسوس واحداً من هؤلاء الخمسمائة. وفي السجن المرير كتب مجموعته "زمن الحجر" في غفلة عن الحراس وطمرها في التراب. وبعد سنوات وجدت الأوراق وطبعت.

في عام 1950 نقل ريتسوس إلى سجن آخر، وهناك يكتب: "رسالة إلى جوليو ـ كوري"، و"أزقة العالم"، و"النهر ونحن". يرسم ويلوّن ويحيي حفلات موسيقية في السجن، وفي بادرة من الشاعر الفرنسي لويس أراغون تأسست لجنة في أوروبا من شعراء ومثقفين راحت تطالب بحريته. وفي سنة 1952 يخلى سبيله ويكتب "الرجل ذو القرنفل". وفي عام 1954 يطبع كتابه "سهر" جامعاً بعض قصائده في السجن. ولا يلبث أن يتزوج الطالبة فاليستا جيورجياديس التي كان قد تعرف عليها خلال الحرب، وفي 1955 تولد ابنته "أري" التي يكتب لها "نجمة الصبح"، ويقوم ريتسوس في عام 1956 برحلة إلى الاتحاد السوفييتي ويكتب قصيدته الطويلة "سوناتا في ضوء القمر" وعبرها يبدأ ريتسوس مرحلة المونولوجات الدرامية ـ الشعرية وتنال هذه القصيدة الجائزة الوطنية الكبرى للشعر الهيليني سنة 1956. ثم توالت كتبه "وقائع"، "صفاء شتوي"، "مرمدة" وهذا الكتاب الأخير مستوحى من موت فتاة صغيرة، وفيه القصيدة المعروفة "شكل الغياب"، وفي عام 1958 يزور الشاعر رومانيا حيث يكتب "هندسة الأشجار"، وحينذاك يصدر كتابه "حين يأتي الغريب" ثم "مدينة لا تقهر" و"النساء العجائز والبحر" و"النافذة" و"الجسر" و"القديس الأسود" وهي قصيدة مهداة إلى المناضل الإفريقي باتريس لومومبا.

في عام 1961 يضع الموسيقى ميكيس تيودوراكيس لحناً لقصيدة "أبيتافيوس" والتي كان قد صادرها النظام العسكري الحاكم وأحالها إلى محرقة الكتب أمام أعمدة معبد زيوس، وتتوالى الألحان الأخرى بنجاح كبير ثم يكتب ريتسوس "البيت الميت" و"في ظل الجبل" مفتتحاً سلسلة من المونولوغات التي ترتكز على الأسطورة اليونانية القديمة.

وأما بالنسبة لأثر ريتسوس في أوروبا فإن القارئ الأوروبي لم يعرف ريتسوس شاعراً حق المعرفة إلا في مارس عام 1956 عندما نشر لويس أراغون في مجلة "الآداب الفرنسية" أول تعريف بهذا الشاعر اليوناني الكبير الذي وصفه بأنه "ارتجافة جديدة في الشعر الحديث"، وستتأكد هذه المعرفة بما سيترجم لـه في ما بعد من أعمال، فقد ترجمت معظم أشعاره إلى اللغة الفرنسية، ومن أهم مجموعاته الشعرية المترجمة:

البعد الرابع (1958)، شهادات (1966)، أحجار، إعادات، قضبان (1971)، الكترا (1971)، البيت الميت وقصائد أخرى (1972)، الجدار في المرآة (1973)، قبل الإنسان (1974)، و"ملاحظات على مجرى الأحداث"، و"تدريبات"، و"النافذة"، و"الجسر"، و"الوداع"، و"الشواهد".

في عام 1962 يزور ريتسوس براغ حيث يلتقي الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت، وفي عام 1963 يكتب: "شجرة السجن والنساء" و"اثنتا عشرة قصيدة من أجل كفافيس" ويصدر "شهادات" وهو كتاب يضم قصائده القصيرة المستلهمة من الحياة اليومية، وهي نصوص مكثفة تأخذ شكل الشذرات، تسعى إلى ابتعاث جزئيات الحياة وإلى التركيز على اللحظات المتعاقبة للنهار وهي قصائد مكتوبة خلال سنوات متباعدة، حيث يصدر في جزءين، عامي 1963 و1966 ثم: "ألعاب السماء والماء" في 1964 و"فيلوكتيت" عام 1965 و"أوريست"

عام 1966.

وحين يحل انقلاب نيسان ويعود الحكم العسكري من جديد في عام 1967 يلقى القبض عليه ويساق إلى السجن في جزيرة ياروس (جزيرة الشيطان)، في ظل حكم عسكري متشدد وهناك يمنع من الكتابة. ولا يلبث أن ينقل إلى مخيم آخر في جزيرة "ليروس"، حيث يسترجع إمكانية الكتابة والرسم. وفي آب 1968 يدخل ريتسوس قسراً جناح السرطان في أحد مستشفيات أثينا ثم يعاد إلى السجن في جزيرة "ليروس"، وبعد حملة واسعة للمطالبة بالإفراج عنه ضمّت أشهر الأدباء في فرنسا وإيطاليا وألمانيا والبلاد الأنجلوسكسونية وأسكندنافيا وبتحريض من الشاعر الفرنسي أراجون، يطلق سراحه في كانون الأول شرط أن يلتزم بيته العائلي في كارلوفاسي.

وخلال شهر ساءت حالته النفسية والجسدية، ولكنه لم يتمكن من الحصول على تصريح بالسفر إلى أثينا إلا بعد عام من الإقامة الجبرية حيث كانت هذه حقبة كئيبة انغرست أصداؤها في أعماقه وفي عام 1970 يسمح لـه بزيارة أثينا من أجل بعض الفحوصات الطبية. وفي المدينة التي أحب يكتب قصائد مجموعته "الممشى والدرج" وفي ترجمة أخرى لعنوان المجموعة "الممر والسلالم".

وفي عام 1972 ينشر مجموعات من شعره المهم وقصائده الطويلة ذات الطابع التراثي: "هيلين" "حجارة"، "إعادات"، "قضبان"، "هيلين"، "حركات"، "عودة ايفيجيني"، "كريزوتيميس"، "ايسمان"، "غراغندا". وفي عام 1973 تصدر مجموعة من القصائد والأعمال الشعرية في سفر ضخم بعنوان: "البعد الرابع" ويسقط النظام العسكري في عام 1974 ويصعد نظام "الوحدة الوطنية" ويتمكن الشعب اليوناني آنذاك من أن يعبّر عن إعجابه بشاعر الوطن اليوناني يانيس ريتسوس فتمنحه جامعة تسالونيك شهادة الدكتوراه الفخرية: "لكونه يشمخ منذ أربعين سنة كركيزة للأمة اليونانية وكصوت لها". ويحصل على الجائزة الدولية الكبرى للشعر والتي سبق منحها لأونجاريتي وسان جون بيرس، وأوكتافيوباث، وهو ما أفضى إلى ترشيحه إلى جائزة نوبل.

ولابدّ من القول أن ريتسوس عمد إلى فن تقل فيه إن لم تنعدم النزعة العاطفية التي استنفدت أغراضها من قبل في شعر "المدرسة الأثينية الجديدة" وتلامذة بالاماس (1859-1943) ومقتفي أثره، كما أنه رفض الانجراف إلى شعر فولوكلوري سطحي، ولكنه في الوقت نفسه لجأ مثل أبناء جيله، مثل سفيريس وجيل الثلاثينات إلى استنباط روح الأغنية الشعبية وجوهرها، فمضى النبض الشعبي على الأخص كامناً في قصائده الأولى دون أن تدخل في عداد التقليد الحرفي الأعمى للأغاني الشعبية أو كل ما هو فولكلوري. ولقد احتفظ فن ريتسوس في النهاية بنضارة كل ما هو حي، وبعمق كل ما هو تليد، وبغرابة كل ما هو مؤرق ومحير، ولقد وقف قراء قصائده المجازية المقتضبة، المحتملة لأكثر من معنى، والتي تصب على أرواح الناس طوفاناً من التأثير العميق وتبث فيهم قدرة أقوى على الصمود، والتي كتبت في أحلك الساعات من حياته، وتحكي عن ألاعيب الحكمة والحماقة بأسلوب حيادي، كما لو كانوا يقفون عند حدود منطقة محظورة.

إن ريتسوس كان يبحث دائماً عن الحرية في الشعر نفسه وفي الحياة نفسها أيضاً، وسواء وجد الحرية أم لم يجدها. فإنه لم يكن ينثني في البحث عنها، عن صورتها المطلقة وحجمها الأرقى، ولا غرابة أن توازي الكتابة فعل "البحث عن النهار" في تجربة شاعر عانى ظلمة السجن مراراً وغربة المنفى سنوات طويلة، ولعل قول يانيس ريتسوس الرائج "أكتب ليشرق النهار" يجسد حالة الحنين الصاخب إلى الضوء والحرية، إن نهاراته التي كان يحلم بها تجسد الحرية المطلقة لأنها نهارات الإنسانية كلها، النهار الذي يحرر الإنسان من أسر التاريخ والواقع.

أما الشاعر فلقد تواصل عطاءه من القصائد المجازية المركزة منذ عام 1967، وتطلبت هذه القصائد من القارئ إلماماً بحقائق ومعارف في مجالات أخرى غير الشعر، وبعبارة أخرى فلقد أوصلت هذه القصائد الناس إلى نوعية أخرى من التذوق الشعري، ولذلك فقط ظل القارئ التقليدي يحس بالغربة إزاء القصائد الحديثة لريتسوس، فقد كانت مقومات تذوق هذه القصائد خارجة عن مجرد نطاق النص الشعري، وتحتاج إلى إلمامة عميقة بمجريات أحداث اليونان المعاصرة، ولئن كانت ستظل هناك فجوة بين قصائد ريتسوس هذه وبين جماهير القراء العريضة، إلا أن ذلك يدل على السمة الطليعية المستقبلية في شعر ريتسوس. إن قصائد ريتسوس تنطوي على محاورات درامية في مسرح يتخذ لـه من عتبات الدنيا خشبة، تتلاقى عليه أشد الشخصيات تبايناً، تتبادل الإيماءات من قصيدة إلى أخرى، ولنذكر في هذا المقام على سبيل المثال العجائز في قصيدة "البيت الميت"، والأم الكليمة في"، "الجناز" والبنائين والمهرجين والنكرات من عابري السبيل وغيرهم من الشخصيات في قصائده النابضة بالحياة، حيث يتحدث إلينا كل من هؤلاء بإصرار ويقين عن "الإنسانية التي هي ملك للناس أجمعين".

ولابد من القول أن الشعر بالنسبة لريتسوس ليس معادلاً موضوعياً للحياة والعمل فحسب، بل هو حالة من الوجد والتبتل والعبادة، حيث يقول عن نفسه "لم أعرف كيف أجني ثروة من أشعاري، ولكن أينتظر الكائن الإنساني مكافأة عندما يتوصل إلى الله؟ وإني أكتب الشعر في الحقيقة كما لو كنت أصلي. وإذا كنت أرفض استخدام الآلة الكاتبة في الكتابة فلأنني لا أريد شيئاً وسيطاً بين أصابعي وصفحة الورق، إنني أحتاج إلى تحسس ملمسها كما أتحسس مادة حية".

وريتسوس الذي كتب خلال السنوات الثمانين التي عاشها حوالي مائة مجموعة شعرية، وترجم العديد من شعراء العالم إلى اليونانية، وحصل على شهادات دكتوراه فخرية من جامعات مختلفة في العالم، كما حاز على جوائز شعرية مختلفة، وحول الموسيقي اليوناني الشهير ميكيس ثيودوراكيس بعضاً من أشعاره إلى أغان معروفة يغنيها الناس على إيقاع الآلات الموسيقية الشعبية اليونانية، قد كتب عن كل شيء، وأحب الحياة بكل طاقته وقدرته على الحب، ولم يمنعه من الحب شيء في هذه الحياة، لا السجن ولا المنفى، وهو بذلك يعتبر أكبر شاعر يوناني معاصر، وهو امتداد لأساطير التفرد والإبداع في الحضارة اليونانية، وهو يرى أن العمل سمة من سمات الطبع اليوناني، وليس بوسع المرء أن يكون يونانياً وكسولاً في آن واحد، وعلى حد قوله فقد سيطر الإغريق على الطبيعة والتاريخ من خلال العمل.

وتلقي ذكريات ريتسوس وأحاديثه عن كتاباته وأفكاره وفلسفته في الحياة أضواء ساطعة عليه كإنسان وأديب، وهو يقول عن نفسه: "لم يكن لدي ناشر أول الأمر، فكان علي أن أموّل مؤلفاتي بنفسي، وكنت ما أن أستعيد جزءاً من التكاليف، بعد بيع كتاب، حتى أدفع الثاني إلى المطبعة، ولم يتسن لي الحصول على شروط عمل ملائمة إلا عند بلوغي التاسعة والأربعين من عمري، أما قبل ذلك فقد عملت مجرّد مراجع في إحدى دور النشر، ولكن ذلك أفادني كثيراً، فقد قرأت وأعدت قراءة دوستويفسكي وغيره من الأعلام. وفي وقت سابق عملت في المسرح، وكانت مهنة شاقة، وفوق ذلك كان علي أن أهتم بأسرتي، كنت أحتاج إلى نوم عميق، لكنني في تلك الفترة لم أستطع ذلك حتى نشرت "سوناتا في ضوء القمر" ونلت الجائزة الوطنية للشعر، فتحسنت أحوالي. وفي بداية عام 1956 وقعت عقداً مع دار "كيذروس" التي رغم ظروف عديدة لم أتخل عنها قط، إن الإخلاص خصلة مهمة في نظري".

وفي أعوامه الأخيرة كان يقول عن نفسه: "أحس بأنني طفل يافع وأن عمري يمتد إلى ملايين السنين. أنا شيخ شاب، وطفل عجوز وأنا أغتني بما أفقد، وكل عام يمر، أزداد فتوة بما أكسب، أي بما أفقد".

ويحدث عن نفسه بقوله (حينما كنت في الثالثة والعشرين، كتبت: عندما أستيقظ كل صباح، أرى من خلال النافذة المفتوحة السماء المزهرة في البحر، أشعر أني أبدية أصغر من البارحة، والآن، وبعد كل هذه الأعوام، كم من الأبديات أحمل فوق أكتافي وفي جسدي وروحي، لقد عبرت ميتات كثيرة، وسأموت في النهاية وأنا أحمل بعض الأبدية، أجل أنا متفائل، لقد خرجت من أحلك الظلمات، خرجت حياً من الأمراض، ومن جلسات التعذيب، ويمكنني القول إنني خرجت من أغوار الموت، التفاؤل ليس سهلاً، وليس وسيلة سهلة لتجاوز صعوبات أو تجاهلها. تفاؤلي لا يتزعزع، وهو راسخ لأنه ينجم ـ تحديداً. عن اليأس".

وقد تم تناول ريتسوس نقدياً بشكل رائع، ولقد أصدر الناقد "بيتر بن" أكثر من دراسة حول شعره ويقول عن: "رستسوس اشترى السلام بالشعور ودافع عن السلام بقصائده وأظافره وعيونه، إنه الشاعر الساحر الذي حوّل الكلمات اليومية عبر قلمه إلى أوصاف ترتقي بما هو عادي إلى مستوى غير متناهي"، وكتب الناقد الشاب "فيرتوس جبري" سلسلة مقالات يتناول فيها عدّة مواضيع شغلت ريتسوس كثيراً وبحث العديد من القضايا في شعر ريتسوس مثل طول أو قصر القصيدة وكذلك موضوع السلام وفهمه عند ريتسوس".

أما الشاعر الفرنسي الكبير لويس أراغون فيقول عن ريتسوس بعد أن قرأ أعماله: "من أين يأتي هذا الشعر؟ من أين يأتي حس الرعشة هذا؟" ولم يلبث أراغون صاحب مجموعة "مجنون إلسا" أن وصف ريتسوس بأنه "أحد الكبار النادرين بين شعراء اليوم".

أما الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف، الذي قام بترجمة عدد من قصائد ريتسوس إلى العربية فيقول عن ريتسوس: "لقد أحسست دائماً وأنا أقرأ ريتسوس أن وراء قصيدته جهداً عظيماً وروحاً مصفاة، أوصلت قصيدة الحياة لديه، إلى هذه القطعة الغريبة من البلور".

وأما الشاعر المصري والمترجم المعروف رفعت سلام، أحد أهم الذين قاموا بترجمة ريتسوس إلى العربية فيقول عنه: "لم يعد بحاجة إلى تعريف، بل إلى اكتشاف دائم، وإعادة اكتشاف. فما ترجم منه إلى العربية ـ حتى الآن ـ لا يزيد عن شذرات، قياساً إلى ما أبدع. قارة شعرية كاملة لها جغرافيات وتواريخ وشعوب ومناخات، تتجلى فيما يزيد على الثمانين ديواناً، لا يشبه أحدها الآخر. كل ديوان بلد شعري بكامله، لـه دروبه المرئية وسراديبه السرية".

وأما عبده وازن، الشاعر والمترجم اللبناني الذي ترجم هو الآخر بعضاً من قصائد ريتسوس إلى العربية فيقول عن ريتسوس في مقال لـه بعنوان (يانيس ريتسوس: الظل والضوء): "كلما قرأنا قصيدة لريتسوس أدركنا كم أن العالم الواقعي بأشيائه الملموسة وتفاصيله، قادر على أن يكون مادة للإستيحاء الشعري الخالص، ففي شعر ريتسوس تمتزج الأبعاد الواقعية بالنفحات الرثائية والتأملات الوجودية. دون أن يبدو لقاء التناقضات هذا حدثاً مفتعلاً، فالشعر هنا يحاول أن يكتسب صفة النتاج "الأوبرالي" الصامت والمتنافر، الواسع الفضاء والمترامي الأطراف. صور خاطفة، لقطات وصفية، مجازات هاربة، أشياء يومية تنتحل ظلالاً سرية، ثقوب في جسد القصيدة، تمزقات، تقطعات هازئة تحل فجأة، فإذا الجنون يحاذي السخرية في نفس شعري حيادي، لا مبال، وإذا المقاطع الشعرية تتابع في إطار الصخب والصمت الأفعال اليومية الغريبة. كأن الشعر يتحاشى الحقيقة كي يقولها، بل كأنه ينظر إليها من ناحية أخرى غير مألوفة".

إن قصيدة ريتسوس كما يرى عبده وازن "تقترب من السرد ولا تقع فيه، تلامس حدود الغنائية ولا تسقط في امتدادها الوجداني، تجاور الوصف ولا تدخل مداه المغلق، كأن قصيدته حالة ملتبسة بين توجه تصويري مادي تفجر نفسي عميق وتخييل وهمي رحب".

أما عن تأثير ريتسوس على الشعر العربي فقد أصدر الناقد فخري صالح في عام 1998 كتاباً مهماً بعنوان "شعرية التفاصيل ـ أثر ريتسوس في الشعر العربي المعاصر" وقد صدر الكتاب عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في مائة وسبع وعشرين صفحة من القطع المتوسط، تعقب فيه أثر هذا الشاعر اليوناني في نتاجات مجموعة من أهم الشعراء العرب المعاصرين مثل: "سعدي يوسف، عباس بيضون، أمجد ناصر، نوري الجراح، لينا الطيبي، ووليد خازندار".

حيث يرى فخري صالح: "أن تأثير ريتسوس قد أصبح كبيراً إلى الدرجة التي يمكن أن نتحدث فيها بيقين تام عن ولادة نسل لريتسوس في الشعر العربي المعاصر "ويضيف في مكان آخر: "إن التحول الجذري للشعر الجديد وولادة قصيدة التفاصيل اليومية، وكذلك خفوت النبرة الشعرية في القصيدة العربية الجديدة، وامتزاج الواقع بالكابوس وحضور السرد في الشعر ليست سوى بعض فضائل القصيدة الريتسوسية".

ولكن رأي الناقد فخري صالح في كتابه المذكور أعلاه لم ينل الرضى المطلق من البعض، فيرى الشاعر يوسف أبو لوز في مقال لـه بعنوان "ريتسوس والشعر العربي" أن التطبيقات التي أوردها فخري صالح على عدد محدد من الشعراء العرب المعاصرين قد لا تكفي فثمة شعراء عرب آخرون تأثروا بريتسوس لم يتطرق الناقد إليهم، كما وأن الفضل في الانتقال إلى قصيدة التفاصيل أو القصيدة اليومية على حد قول ـ يوسف أبو لوز ـ "يعود أيضاً إلى الشاعر الفرنسي الكبير جاك بريفير"، ويرىأبو لوز أن النفس الشعري الموجود عند ريتسوس موجود بقوة أيضاً عند كل من: الإيطالي "أونغاريتي" واليوغسلافي "فاسكو بوبا" والتشيكي "فلاديمير هولان" والسويدي "غونار أكيلوف"، وهؤلاء قام بترجمتهم سعدي يوسف في عام 1981 عن دار ابن رشد أي بعد سنتين فقط من ترجمته لـ"ريتسوس" الذي من خلال هذه الترجمة العربية تعرف الشعراء العرب عليه وأصبح "ظاهرة" مؤثرة في الشعر العربي المعاصر" وبخاصة في شعر النثر "بحسب رأي فخري صالح" والكلام هنا ليوسف أبو لوز.

ويرى أبو لوز أن الشعراء العرب استفادوا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من حركة الترجمة النشطة والواسعة للشعر بالذات، ولقد كان الشعر العربي المترجم إلى العربية في معظمه شعر تفاصيل يشبه إلى حد كبير شعر ريتسوس، وعليه فإن الشعراء العرب المعاصرين كما يرى أبو لوز استفادوا أيضاً من الألماني "جورج ماورر" واستفادوا من الشاعر الروسي الكبير "سيرغي يسينين" كما استفادوا من الشاعر المؤثر والكبير "بورخيس" ومن الشاعر الأمريكي "والت ويتمان" في مجموعته "أوراق العشب" واستفادوا كذلك من شعر الهايكو الياباني والذي يحتوي على قصيدة التفاصيل أو قصيدة اللقطة.

وأنا أرى أيضاً أن الشعراء العرب المعاصرين استفادوا كذلك من تجربة الشاعر الإسباني الكبير والمؤثر فيدريكو غارسيا لوركا ومن تجربة الشاعر الروسي العملاق ماياكوفسكي وآخرين قد لا يتسع المجال لذكرهم. وهنا لابد لي من القول بأني أتفق تماماً مع ما جاء به الشاعر يوسف أبو لوز في مقاله من حيث أن "ريتسوس ليس سوى" جزئية "صغيرة من السياق العام في حركة الشعر العربي التي بدأت تلقائياً في السبعينيات بالتحول إلى قصيدة التفاصيل متخلصة بذلك من المنبرية والشعاراتية وذلك بسبب من التحولات الفكرية والسياسية والأسلوبية العامة وليس لأن ريتسوس هو "عراب" هذا التحوّل، فالشعراء السبعينيون من تلقاء أنفسهم اتجهوا إلى القصائد الموجزة، والمكثفة والمشحونة بأقل الكلمات والتي تعتمد على نهايات إيقاعية ذات مفارقة نتيجة لخفوت الصوت الشعري العالي بعد هزيمة حزيران، وبالطبع فقد كان لريتسوس أثر في هذا التحوّل ولكن ليس لـه كل الأثر بحيث أنه هو الوحيد الذي تسبب في هذه الإنعطافة الموضوعية في الشعر العربي المعاصر، إن ريتسوس مجرّد حالة شعرية اقترب منها عدد من الشعراء العرب لكنه لم يترك آثاراً جوهرية مثل (ت.س.إليوت) مثلاً، فلقد بقي تأثيره محدوداً في قلة من الشعراء العرب، وهذه القلة لا تمثل تياراً ولا موجة عريضة من الناس.

إن ما يستوقفنا في ريتسوس على الأخص هو تلك الرصانة في التعبير، والقناعة البلاغية مع ثراء المحتوى الشيئي، فقد حفلت قصائده بالعديد من الجمادات مثل النوافذ والأبواب والمرايا والثياب وشتى الأدوات. وقد نفخ في هذه الماديات الصغيرة التي لا تستغني عنها حياة البشر العادية، من روح الشعر، ما ارتقى بها إلى مستوى يجعل منها شركاء في مأساة لا تعنيها.

وقد كانت السياسة نسيج حياة ريتسوس أيضاً، كالشعر، وقد اكتوى بنارها مراراً، دخل السجون، وزجّ به في المعتقلات، وعانى من تحديد الإقامة بسبب آرائه السياسية، لاسيما في ظل نظام الكولونيلات، وهو يقول: لا تقل السياسة أهمية في حياتي عن الشعر. إن أصل أسطورة ريتسوس إن كان هناك مثل هذه الأسطورة لا تكمن في أشعاري فحسب، بل وفي حياتي كمناضل سياسي، وعن علاقة القصيدة بكل من الإبداع والالتزام يقول ريتسوس: بالنسبة إلي ليست هناك قصيدة ملتزمة وأخرى غير ملتزمة. توجد القصيدة أو لا توجد أبداً.

ويقول: "لا ينبع عالم الشاعر من الأيديولوجيا، ولا يمكن أن تكون المسألة في الشعر حدود الإلتزام"، وأما عن مواقفه السياسية والإنسانية فلابد من أن نشير في هذا الشأن إلى أن ريتسوس قد دافع مراراً عن القضية الفلسطينية. وعاش فترة من الزمن في السجن، لأنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، وهو أولاً وأخيراً شاعر طليعي يصعب حصر عالمه الشعري في ملامح محددة، حيث أن لـه لغة خاصة لم تكن مألوفة في السابق لا في مفرداتها ولا في تراكيبها النحوية ولا في دلالالتها الإيحائية، وإن بدا شعر ريتسوس سهلاً في بعض جوانبه فإنه يخفي وراء سهولته نوعاً من الامتناع الشعري غير المتاح إلا للشعراء الأصيلين، وهو يخبئ خلف بساطته الظاهرة تجربة جوهرية عميقة.

مراجع الدراسة:

1. يانيس ريتسوس، مجلة شؤون أدبية، السنة الثانية، العدد5، ربيع 1988، مجلة ثقافية فصلية يصدرها اتحاد كتاب الإمارات، ملف عن الشاعر من إعداد عبده وازن، ورفعت سلام. ص(209-218).

2. مسيرة المحيط، شعر: يانيس ريتسوس، ترجمة وتقديم: رفعت سلام (من مراجع الإنترنت).

3. قراءة في كتاب شعرية التفاصيل/ دراسة ومختارات، د. محمد شحادة عليان، الرأي، ملحق الرأي الثقافي، الجمعة 29/5/1998، ص(21).

4. ريتسوس والشعر العربي المعاصر، جريدة الدستور، يوسف أبو لوز: أبواب، صفحة فضاءات، ص(30)، تاريخ 30 أيار 1998م.

5. الشعر العالمي، إعداد سليم مكرزل، طبع في مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر (بيروت- لبنان)، طبعة عام 1981، ص(223).

6. ريتسوس والسلام، الرأي الثقافي، الجمعة 22/10/1993، (اسم مؤلف المقال مفقود).

 

نضال القاسم


.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri