حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أدونيس (علي أحمد سعيد أسبر)
Adonis
(1930-....)

أدونيس

تسجل هذه المختارات من شعر أدونيس فصولاً من مغامرته الشعرية التي زعزعت المستقر,

واستقصت موروث اللغة, وجدّدت ماء القصيدة وبناءها, وابتدعت فيها المعاني.

منذ أعمال أدونيس الأولى (1954) التي تتصدر هذه المختارات, يتبدى الحسّ الطاغي بالزمان. ومع توالي القصائد, تتصاعد حركة الزمن وتتأزم; حيث يصطرع الماضي ورؤى المستقبل, والذاكرة والخيال, على ساحة الخريطة العربية, ثم على الكوني.

لا تستريح القصيدة عند أدونيس في شكل مستقر; فقصائده تاريخ من البحث والتجاوز وإعادة النظر. والحداثة عنده ليست شكلاً يبلغه الشعر, بل مشروع تصور جديد للكون. وينهض الشاعر بمشروعه الكبير مستندًا إلى رؤية معرفية متكاملة للإبداع, ودوره في التاريخ, وموقعه من العالم.

اسمه علي أحمد سعيد إسبر, و (أدونيس) هو لقب اتخذه منذ 1948. ولد عام 1930 لأسرة فلاحية فقيرة في قرية (قصابين) من محافظة اللاذقية. لم يعرف مدرسة نظامية قبل سن الثالثة عشرة, لكنه حفظ القرآن على يد أبيه, كما حفظ عددًا كبيرًا من قصائد القدامى.

في ربيع 1944, ألقى قصيدة وطنية من شعره أمام رئيس الجمهورية السورية حينذاك, والذي كان في زيارة للمنطقة. نالت قصيدته الإعجاب, فأرسلته الدولة إلى المدرسة العلمانية الفرنسية في (طرطوس); فقطع مراحل الدراسة قفزًا, وتخرج من الجامعة مجازًا في الفلسفة.

التحق بالخدمة العسكرية عام 1954, وقضى منها سنة في السجن بلا محاكمة بسبب انتمائه -وقتذاك- للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تركه عام 1960. غادر سوريا إلى لبنان عام 1956, حيث التقى بالشاعر يوسف الخال, وأصدرا معًا مجلة (شعر) في مطلع عام 1975. ثم أصدر أدونيس مجلة (مواقف) بين عامي 1969 و 1994. درّس في الجامعة اللبنانية, ونال دكتوراه الدولة في الأدب عام 1973, وأثارت أطروحته (الثابت والمتحول) سجالاً طويلاً.

بدءًا من عام 1981, تكررت دعوته كأستاذ زائر إلى جامعات ومراكز للبحث في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة وألمانيا. تلقى عددًا من الجوائز اللبنانية والعالمية وألقاب التكريم. وترجمت أعماله إلى ثلاث عشرة لغة.

مختارات

لو أنّ البحر يشيخ

لاختار بيروت ذاكرة له.

كلّ لحظة

يبرهن الرماد أنه قصر المستقبل.

يسافر,

يخرج من خطواته

ويدخل في أحلامه.

كلما هذّبته الحكمة

فضحته التجربة.

يرسم خرائط

لكنّها تمزّقه.

أغلق بابه

لا لكي يقيد أفراحه,

بل لكي يحرّر أحزانه,

رماده يفاجىء النار

وناره تفاجىء الوقت.

ينكر الأشياء التي تستسلم له

تنكره الأشياء التي يستسلم لها.

الماضي بحيرة

لسابح واحد: الذكرى.

لا وقت للبحر لكي يتحدث مع الرمل:

مأخوذ دائمًا بتأليف الموج.

اليأس عادة, والأمل ابتكار.

للفرح أجنحة وليس له جسد,

للحزن جسد وليس له أجنحة.

الحلم هو البريء الوحيد

الذي لا يقدر أن يحيا إلاّ هاربًا.

الفكر دائمًا يعود

الشعر دائمًا يسافر.

السرّ أجمل البيوت

لكنه لا يصلح للسكنى.

يصدأ اللسان من كثرة الكلام,

تصدأ العين من قلة الحلم.

أنّى سافرت, كيفما اتّجهت:

أعماقك أبعد الأمكنة.

جُرحتُ باكرًا

وباكرًا عرفت:

الجراح هي التي خلقتني.

قرية صغيرة هي طفولتك

مع ذلك,

لن تقطع تخومها

مهما أوغلتَ في السفر.

مختارات

الحب جسد أحنّ ثيابه الليل.

للأعماق منارات

لا تهدي إلاّ الى اللجّ.

شجرة الحور مئذنة

هل المؤذّن الهواء?

أقسى السجون وأمرّها

تلك التي لا جدران لها.

كان أبي فلاّحًا

يحبّ الشعر ويكتبه,

لم يقرأ قصيدة

إلاّ وهي تضع على رأسها رغيفًا.

الحلم حصان

يأخذنا بعيدًا

دون أن يغادر مكانه.

قناديل

ما هذا الإنسان

الذي لا نعثر على اللاإنساني

إلاّ فيه?

أهواء الحكم

تفتح الأبواب واسعة

لحكم الأهواء.

بقدر ما تضيق رقعة القول

تضيق رقعة الوجود.

دليل للسفر في غابات المعنى

ما الغيب?

بيت نحب أن نراه,

ونكره أن نقيم فيه.

ما السر?

باب مغلق إذا فتحته انكسر.

ما الحلم?

جائع لا يكف عن قرع باب الواقع.

ما اليقين?

قرار بعدم الحاجة الى المعرفة.

ما القبلة?

قطاف مرئي

لثمر غير مرئي .

من فهرس لأعمال الريح 1998

***

مفرد بصيغة الجمع

1

لم تكن الأرض جرحًا كانت جسدًا

كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد

كيف تمكن الإقامة?

2

كان لإقامته بين الشجر والزَّرْعِ شحوبُ

القصب وسَكْرَةُ الأجنحة

تآصَرَ مع الموج

أَغْرى بِهدأة الحجر

أَقْنَع اللّغَة أن تؤسِّس حِبْرَ الخشخاش

وكان سُلَّمٌ يقال له الوقت يتكىء على اسْمِه ويصعد

نبوءةً

نبوءةً

من الأجنحة يخرج الأثير

من المصادفة يخرج الحتْم

لكن

أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني?

وجهٌ يجتمع بُحيرةً يَفْترق بجعًا

صدرٌ يرتعش قبّرةً يهدأ لُوتَسًا

حوضٌ يتفتّح وردةً ينغلق لؤلؤةً

تلك هي أدغال الهجرة وراياتُ القَفْر

وللنهار يدا لعبة

وللفَلكِ نَبرةُ المهرِّج

لكن

أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني?

يلبس الموتُ حالةَ البنفسج

يسكن النّرجس آنيةَ الثلج

يحلم أن الحبّ وجهٌ

وأنَّه مرآته -

الحجرُ برعمٌ, الغيمةُ فراشةٌ

وعلى العتبة جسدٌ - شرارَةٌ لقراءة الليل

ليس الموتُ عزلةَ الجسد

الموت عزلةُ ما ليس جسدًا

لكن,

أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني?

أَبحث عما لا يلاقيني

باسمه أنغرسُ وردةَ رياحٍ

شمالاً جنوبًا شرقًا غربًا

وأضيفُ العلوَّ والعمق

لكن, كيف أتجه?

لعينيَّ لونُ كسرة الخبز

وجسدي يهبط نحو داءٍ له عذوبةُ الزّغب

لا الحبّ يطاولني

ولا تَصل إليَّ الكراهية

لكن,

كيف أَتَّجه? وماذا تريدين مني

أيتها الشمس الشمس?

3

يمحو وجهه - يكتشف وجهه

يتقدَّم الخطف تلبسكِ فتنةٌ بفجرها الأول

يتقدّم الوقت أين المكان الذي تُزْمِنُ فيه الحياة?

تتقدَّم العتمة أيّة رَجَّةٍ أنْ أوزِّعكِ في كريّات دمي

وأقولَ أنتِ المناخُ والدّورة والكُرَة

أيّة زلزلة?

يتقدّم الضوء يُلْيِلُ في أنحائي

أنقطع أتَّصل

والوقتُ يأخذ هيئة البشَرة

يخرجُ من الوقت

وسقطَ

غزوكِ

عليّ

وشَهَقَتْ إليكِ أحوالي

لماذا حين دخلتِ أخَذَتِ الحقول تشتعل وكانت

يداي أوَّل النار,

ولماذا, كلّ ليلةٍ,

كنت أحمل زَغَب نهديكِ لليلةٍ مقبلة?

أُدخلي

وعلى ركبتيكِ

ترابٌ وفي الطريق إليك - إليّ

الجبالُ

وسَرْوُ المنحدرات

وشرْبينُ الأودية أقول نلتقي - نفترق

وأَستجمع أنحائي:

أيها الحَنْظَلُ المتناثر ملحًا على موائد الإباحة

أنت العذوبة وأمنحكَ طعميَ الأول.

جسدكِ التّيه أخرج

وأسفارُ خروجي أنتِ

آخذكِ أرضًا لا أعرفُها

تلالاً وأوديةً تغطّيها نباتاتُ البحث

امتدادات غامضةً

وآخذكِ واقفًا

قاعدًا

راقدًا

ولا أقنع بغيركِ

آخذكِ

في تنهداتي

في اليقظة والنوم

في الحالات الوسيطة

وفي ما يُعدّه لي الوقت

آخذكِ

ثنيّةً ثنيّةً

وأفتتح مسالكي

أتمدَّد فيكِ لا أصل

أتدوّر لا أصل

أتسلَّك أنتسجُ لا أصل

أصلُ من أقاصيكِ لا أصل

ما بعد المسافاتِ أنتِ ما بعد المفازات

أنتِ أين وهل وماذا وكيف ومتى وأنتِ

لا أنتِ

انْبسطي على جسدي وانْغرسي

خليّةً في خليَّة

عرْقًا في عِرْق

ولتخرجْ منكِ آلاف الشفاه

آلاف الأسنان

ولتكن غيرَ معروفةٍ لتكونَ على قَدْرِ حبِّنا

( ... )

وأكون علّقتُ صورتكِ بجميع الصور

ويكون جاءني الكشف وقلت:

هذا لقاؤنا الأخير

من أنتِ?

آخذكَ

حيوانًا

يضع السّمَّ في شفةٍ

والبلسمَ في شفةٍ

وكلّ ليلةٍ, أقول

هذا لقاؤنا الأول

أيها الأحد

ق

م

ر

ش ع ش ا ع

وليس لي معك غيرُ الهواتف

وغيرُ البوارق

وما يطوف

ويهتزّ جسدي بالكُنْهِ اللازمِ له

والملكاتِ الواجبة في أشيائه

وأصرخُ: أنتَ الهباءُ

وأنت القادِر

من أنتَ?

جسدٌ يكبَرُ في الخَزَام والخالدة

ينحدر يعلو يَسْتشرف

يجمع الضّفاف ويقرأ هذَيان القصب

جَسَسْتُكِ بِعينيَّ

رقصًا يتقدَّم في خطوات الفصول

تنهّدتُ في ناردينٍ

وأخذتْ أشكالٌ تروح وتجيء في لُججِ

الخاصرة يصطدم الغريق بالغريق

أخرج من الخيزران

أَدخل المِدقّة

أتغلغل في أخْبية القاعدة

حيث يكمن البيضُ وينتهي قَلَم السمَّة.

 

خالدة سعيد


.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri