حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أورهان باموق
Orhan Pamuk
(1952-....)

التركي أورهان باموق:
تحدّى الحكومة وربح رهاناً قديماً مع أمّه!

أثار الكاتب التركي أورهان باموق نقاشاً واسعاً بعد صدور روايته «ثلج»، وتصريحه بأن تركيا مسؤولة عن «إبادة مليون أرمني». وها هي الأكاديمية السويدية تمنحه جائزة نوبل للآداب، لأنه «نجح في ابتكار أشكال جديدة للتعبير عن الصراع والتداخل بين الحضارات، من خلال رصده للروح الحزينة التي تسكن مدينته حيث أبصر النور»

الإعلان عن فوز أورهان باموق بجازة نوبل للآداب لم يفاجئ أحداً. فقد توقعت مصادر عدّة أن تختار الأكاديمية السويدية هذا العام الكاتب التركي الذي أثار قضايا سياسية حساسة في بلاده. لكن أدب أورهان باموق (1952) هو في الحقيقة في مكان آخر، أكثر التباساً وتعقيداً وعمقاً من المعركة السياسية التي تخاض حوله باسم حرية التعبير وإعادة النظر في الرواية الرسمية للتاريخ التركي. إنه يطرح بأسلوب صعب وشائك، أسئلة فلسفية ووجودية تتخذ من التاريخ مادتها ومن اسطنبول، المدينة التي يحرّكها الشجن، ديكورها الأسطوري والواقعي في آن. إسطنبول بإرثها الثقافي المزدوج، وأرواحها الهائمة وخرافاتها الطالعة من أعماق البوسفور. إسطنبول التي خصّها بكتاب على شكل مذكرات عنوانه «إسطنبول: الذكريات والمدينة» (2003). إنه مسكون بالحنين الى أمجاد الامبراطورية الغابرة، الى طفولة بورجوازية في ضاحية نيشانتاس الراقية، يحتفظ منها برنين أواني الكريستال وآلات البيانو المنتصبة وحدها في الصالونات لا يعزف عليها أحد. الحنين الى الزمن الهارب الذي يحاول أن يضبطه في الكتابة.
كتابة باموق قائمة على وعي الشرخ بين أزمنة وأنماط ثقافية متنافرة، بين العالم الواقعي والعالم المتخيّل. إنه على الأرجح سرّ كل هذا الحزن الذي يتحدث عنه بيان الأكاديمية السويدية. يرشح الحزن من مكان خفيّ في نص أورهان باموق الذي شاء الإعلام لبرهة أن يحوّله رغماً عنه كاتباً سياسياً، مع أنه لم يتعامل مباشرة مع السياسة إلا في آخر رواياته «ثلج»، حيث تناول «الاسلام السياسي» والعسكر ومعاناة الأقلية الكردية.
الفتى الذي كان يريد أن يصبح رساماً، ثم مهندساً على خطى أبيه وجدّه... ضرب عرض الحائط بكل مشاريعه. خارجاً من مراهقة مترفة وصاخبة. انطوى على نفسه مرّة نهائية، وأصبح كاتباً في الثالثة والعشرين: «كي يتمكن من اقامة علاقات مع الفتيات». روايته الأولى «جودت بك وأولاده» (1982)، بقي سنوات يبحث عمن ينشرها حتى كاد ــ حسب مترجمه عبد القادر عبد اللي ــ يضع اعلاناً في احدى المجلات الأدبية: «رواية حازت جائزة برسم البيع».
يصحو باموق ويباشر بالكتابة، يشعر بأنّه موظف مكتب. لم يغادر إسطنبول إلا لماماً، أقام مرّة في نيويورك، ثم عاد الى حضن العاصمة الامبراطورية بحثاً عن أرواحها الهائمة. في مشروعه الأدبي يلتقي بروست وبرخيس، الزمن الضائع والعالم المشرّع على التهويمات الروحانية والفلسفية. يلتقط المعادلة الصعبة من طرفيها: الموروث من جهة، ومن الأخرى تحديات الثقافة الأوروبية الحديثة.

نصوصه خلاصة أبحاث تاريخية وأرشيفية مضنية، يبث فيها عناصر أوتوبيوغرافية، وتطفو على وجهها بين حين وآخر ذكريات آتية من بعيد. الواقعيّة تتوارى خلف عالم من الفانتازيا. فنان منمنمات يقتل أواخر القرن السادس عشر، لأنه يحاول اعتناق الرسم الأوروبي وقواعد المنظور. في «اسمي أحمر»، الرواية التي فتحت امامه ابواب الشهرة عالمياً، يستثمر كل خبرته التشكيلية، ليصور لحظة الصراع الحاسم بين فنون النهضة الأوروبية، والتقاليد الاسلامية المهددة. وتدور «القلعة البيضاء» حول قصة عالم ايطالي يخطفه قراصنة عثمانيون ويبيعونه الى عالم تركي في القرن السابع عشر. من خلالها يستعيد العلاقات الشائكة بين الشرق والغرب، بين «تصادم وتشابك»، تفاعل وتكامل ومواجهة، في لحظة مفصلية من تطور أوروبا والشرق الإسلامي.
يعيش أورهان باموق فيلماً بالأبيض والأسود، شاهده ذات حياة، ولم يخرج منه حتّى اليوم. «منذ سنوات طويلة، في زاوية من زوايا عقلي، تمتد حتى الطفولة، يعيش أورهان آخر، هو توأمي ومثيلي في كل شيء، في بيت يشبه بيتنا، وفي مكان ما من أزقة إسطنبول». وهذا الطفل هو الذي فاز أمس بجائزة نوبل. لقد ربح أورهان الصغير رهانه، وأثبت لأمّه البورجوازية، التقليدية، أن الأدب الذي كانت تعتبره هدراً للطاقة ومضيعة للوقت، «يمكن أن يوصل الى نتيجة»!

لقطات

· ولد في 7 حزيران 1952 في كنف عائلة ميسورة، ودرس الهندسة قبل أن يدخل جامعة إسطنبول وينال إجازة في الصحافة عام 1977.

· صدرت روايته الأولى عام 1982 بعنوان “جودت بيك وأولاده” ونال عليها جوائز عديدة وأصبحت مع بعض الروايات الأخرى سبباً في شهرته، فتُرجمت إلى 34 لغة.

· أعلن عام 2005 لمجلة سويسرية ان «مليون أرمني و30 ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك”.

· أُحرقت كتبه في تركيا بعد تصريحاته في شأن المجزرة الأرمنية، ولم تتوان كبرى الصحف التركية عن وصفه “بالمخلوق الدنيء”.

· صرّح عام 2005 “ضقت ذرعاً بالأفكار الكبرى في بلادي المسيّسة. كان الأدب ردة فعلي. أرغب في القول للقارىء: “لا تأخذ الأمور على محمل الجدّ. أليست الحياة رائعة؟”

· وصفه الرئيس الأميركي جورج بوش بـ “الكاتب العظيم” الذي مدّ جسوراً بين الشرق والغرب. فردّ باموق أنّ بوش وسّع الهوة بين الشرق والغرب، واصفاً احتلال العراق بالهمجي.

· أول كاتب في العالم الاسلامي يدين علناً الفتوى التي صدرت عام 1989 ضد الكاتب سلمان رشدي وساند زميله ياسر كمال حين استُدعي للمثول أمام القضاء عام 1995.

· باموق طويل القامة وعصبي، مطلّق وله ابنة ويقيم في اسطنبول. لا يظهر إلا نادراً في المناسبات العامة ويفضّل مكتبه على الأضواء.

الأعمال:

· “جودت بيك وأولاده” ــ منشورات وزارة الثقافة ــ دمشق ــ 1989. تغوص الرواية في التحولات السياسية والثقافية في تركيا خلال سبعينيات القرن المنصرم.

· “اسمي أحمر” ــ دار المدى ــ دمشق ــ 2000. تتناول الرواية التاريخية الفن التشكيلي الإسلامي.

· “القلعة البيضاء” ــ دار ورد ــ دمشق 2000. قصة ايطالي يقع في أيدي الأتراك في اسطنبول.

· “ الكتاب الأسود” ــ دار المدى ــ دمشق 2003. حادثة اختفاء صحافي على خلفية انقسام الهوية بين ضفتي البوسفور.

· “الحياة الجديدة” ــ دار نينوى ــ دمشق ــ 2004. يصوّر باموق رحلتين قام بهما إلى الأناضول حيث اندثار الأشياء في عصر استهلاكي بامتياز.

· “ثلج” ــ دار الجمل ــ (ألمانيا) ــ 2005. قصة مغترب، يعود إلى بلاده ليكتشف مجازر الأرمن وحياة الأقلية الكردية.

· “اسطنبول: الذاكرة والمدينة” ــ سلسلة الكتاب الشهري ــ منشورات وزارة الثقافة السورية 2006.

بيار أبي صعب

(الأخبار اللبنانية)

 

باموك... الأديب الكوزموبوليتي

الجمعة, 13 أكتوبر, 2006

حسناً فعلت الأكاديمية السويدية في منحها الجائزة الأدبية للتركي أورهان باموك. فهذا الروائي الذي حصل على جوائز كثيرة في حياته، كان الصوت الصارخ في الدفاع عن قضية "الأرمن"، اذ أثار جدلا عندما قال لصحيفة سويسرية: "مليون أرمني قتلوا في تركيا ولا يجرؤ أحد غيري على اثارة هذا الموضوع". وقال الكاتب: "علينا نحن الأتراك ان نكون قادرين على التحدث عن كل ما حصل للأرمن في عهد الإمبراطورية العثمانية. انها مشكلة تركية بالمقام الأول أكثر من كونها مشكلة دولية. انها مشكلة تتعلّق بحرية التعبير والديمقراطية والمجتمع الليبرالي". لكن ليس علينا ان نضع تصريحاته عن مجازر الأرمن كـ "كليشيه" للكتابة عنه، فهو روائي مميّز وصاحب باع في هذا الشأن. نشأ في مدينة اسطنبول، ومنذ طفولته وحتى عامه العشرين كان مولعاً بالرسم، ولطالما قالت له أمه ان كتاباته لا معنى لها، وان عليه أن يستمر في الرسم. بعد دراسته الجامعية للهندسة، اكتشف أنه من غير الممكن أن يصبح رساماً ومهندساً معمارياً، فتخلى عن كليهما، لينتقل الى دراسة الصحافة التي سرعان ما تخلى عنها أيضاً. وبعد عيد ميلاده الـ 23 قرر باموك أن يغلق الباب على نفسه، وأن يباشر كتابة الروايات. كان عليه ان يواجه الصعاب ليصل الى مراده، فغداة بدء نشر جريدة "ميلليت" روايته "جودت بك وأولاده" في حلقات متسلسلة، بدا للقارئ التركي ان باموك يتدرّب على نسخ الكتابة التقليدية للروائي يشار كمال. لمع فور دخوله عالم الأدب فلفت الأنظار إليه بقوة اثر صدور روايته الاولى التي ذكرناها. مع "منزل الصمت"، رواية باموك الثانية، سيكتشفه الغرب مترجما الى الانكليزية. في هذه الرواية يدخل في لعبة الترميز والمرايا. وبعد روايته "القلعة البيضاء" وضع مجموعة روايات منها "الكتاب الأسود" التي تعتبر أهم رواياته. "الحياة الجديدة" (1994) ترجمت الى العربية و"اسمي أحمر" ترجمت لدى "دار المدى". يعشق باموك مدينته اسطنبول ويحكي قصص حاضرها وماضيها. ويجمع في رواياته الثقافة الشرقية (ابن العربي و"الف ليلة وليلة") والغربية (بورخيس وكالفينو وفلوكنر) ولا يتردد في اختبار مختلف وسائل الكتابة، مثل لصق الحكايا التاريخية او الأسطورية، سواء أكانت تلك المستعارة من النصوص القديمة ام تلك وليدة خياله الخارق. ويشكل خلط الأساليب في روايات باموك لوحة من الفسيفساء المترعة الثراء، او هي الحبكة الشهرزادية، اذ يروي في "القلعة البيضاء" حياة عالم ايطالي من القرن السابع عشر يخرج في رحلة بحرية من البندقية الى نابولي فيقع في قبضة القراصنة العثمانيين الذين يسوقونه الى اسطنبول ويبيعونه لعالم تركي يعامله معاملة حسنة خاصة بعد اكتشافه انه يمكن الاستفادة من خبرته. في تلك الاثناء وحين يشعر السيد بنوع من الانسجام الروحي مع عبده الإيطالي الذي أمده بالتقدم التكنولوجي، يطمح هذا السيد الى تقمص شخصية عبده وتنتهي الحكاية بأخرى يتحوّل فيها القارئ مستطلعاً لنمط الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاط السلطان العثماني حيث يعرف المزيد من اسرار القصر وممارسته غير الحضارية. وفي معمل العالم التركي، ينكب البطلان على اختراع دواء ضد السل، فينجحان في اكتشافهما هذا مما يغبط السلطان، الذي يطلب منهما تصميم سلاح حربي لمواجهة الاعداء. وبعدما يخترعا مدفعا، يحاول السلطان تجريبه في احدى معاركه ضد البولونيين للاستيلاء على "القلعة البيضاء" فتبوء التجربة بالفشل. وخوفا على نفسه يهرب العالم التركي ليعيش في البندقية حيث يتحول عبدا في منفاه في حين يبقى العالم الايطالي في السلطنة العثمانية. "الحياة الجديدة" في "الحياة الجديدة" نقرأ عن اسطنبول الآن وزمن العولمة وباصات تقطع البر الأناضولي وتربط مدناً حديثة بقرى نائية ما زالت تقيم في العصور الوسطى. تبدو الرواية أشبه بقصة فيها التحري عن شخص غامض شأن العولمة نفسها. في "الكتاب الأسود" يعمل بطل الرواية غالب محامياً، ولا يستطيع العيش الا مع زوجته التي يحبها ومع صديقه الوفي جلال. يعود ذات مساء الى منزله، فلا يجد زوجته التي تختفي في شكل غامض ولا تترك وراءها سوى رسالة صغيرة من 19 كلمة. هل تكون قد اختبأت في منزل جلال (شقيقها) الصحافي الأشهر في تركيا، بفضل مقالاته اليومية منذ اكثر من ثلاثين عاماً والتي تتطرق الى جميع الموضوعات؟ لكن جلال يختفي بدوره. فأين ذهبا؟ وبعدما اقتنع بالرابط بين اختفاء الاثنين، يقرر غالب اعادة قراءة جميع مقالات جلال القديمة، ويبدأ البحث عنهما في المدينة الكوزموبوليتية. رحلة البحث عن جلال تصنع الرواية التي كتبها حين صحب زوجته الى الولايات المتحدة حيث كان يدرس في جامعة كولومبيا للحصول على درجة الدكتوراه. وقد قال باموك: "لا يوجد ما هو مذهل كالحياة، ولا يوجد الا الكتابة، الا الكتابة، الا الكتابة!". الكتابة هي "عزاء الروح" او هي الوجود، بالنسبة الى الكاتب. "تحت الماء" اذا كانت اسطنبول تحضر بقوة في روايات باموك حيث يمثل البوسفور محوراً رئيسياً في مخيلته ايضاً، يكتب جلال (بطل الرواية) قبل اختفائه الغامض، نصاً تأملياً عن جفاف البوسفور في زمن آت، حيث يزعم انه قرأ في مجلة فرنسية مختصة بالجيولوجيا أن مياه البوسفور تتراجع وأن المضيق مقبل على الجفاف بعد سنوات. ويكتب ايضاً أنه نزل الى المرفأ وقابل صياد سمك أخبره أن القارب بات يعلق في أماكن من البوسفور كانت قبل زمن قصير بعيدة الغور. يستطيع جلال أن ينظر الى مياه البوسفور وهي تلمع فضية تحت نور القمر، وأن يراها تتبخر وتتلاشى وتهبط الى ان يظهر قاع المضيق الذي يعطي اسطنبول الحياة. يجف البوسفور فيظهر التاريخ السري لهذا العالم المكتنز بالأخبار والحكايات والحوادث المدفونة... "اسمي أحمر" أما رواية "اسمي أحمر" فهي جدارية تاريخية دينية، بوليسية، تتضافر فيها قصص الاغتيالات والمؤامرات والدسائس بين رسامي المنمنمات الاسلامية في البلاط العثماني في القرن السادس عشر. يعود باموك مرة اخرى الى الرواية التاريخية متناولا موضوعا مثيرا هو "الفن التشكيلي الاسلامي" او الحياة السرية للفن. يستمد عنوانها من اللون الأحمر الأكثر استخداما في الرسم الاسلامي. في روايته "ثلج" (ترجمت عن دار الجمل)، يبدو انه عاد الى مناخات يشار كمال الريفية. فبطل الرواية "كا" شاعر تركي يعود من المانيا الى تركيا بعد أكثر من عقد امضاه في المنفى. وبعد اربعة ايام فقط في البيت ينطلق "كا" الى مدينة قارص الحدودية لكتابة تقرير عنها. انها بقعة منسية لا يفطن اليها أحد من ابناء العاصمة. ما ان يدخل "كا" المدينة حتى ينهمر الثلج. وفي الرواية يغادر باموك المدينة الى الريف حيث يغطي الثلج كل شيء. ما يشغل باموك هنا في "ثلج" هو الهم السياسي، الثقافي عوضاً عن التمركز حول المكان وربما كانت العلاقة القوية التي تربطه باسطنبول هي ما يربطه بجغرافيا كاملة تتناغم في أجزائه بغض النظر عن تمسكها بتقاليد الكتابة الكلاسيكية. أما "كا" بطل الرواية فهو ابن الطبقة المتوسطة الذي تتحوّل عائلته نحو الفقر رغم أنها تعيش في حي نيشان طاش متشبثة بأصوله الراقية. وفي كتابه "اسطنبول: ذكريات مدينة" يقدم مزيجا من المذكرات الشخصية والتاريخ الثقافي، كما يحاول المؤلف من خلال رؤيته تفسير سبب الاختلاف في الرؤى بين الرحالة الأوروبيين. هذا عن روايات باموك، أما عن الجائزة فسيقول كثيرون انه نالها لأسباب سياسية... وهل ثمة مشكلة في ذلك؟

نوبل باموق... صفعة لبلاده ؟

نال أورهان باموق جائزة نوبل. هذا خبر مفرح للأتراك، لأنها المرة الأولى التي تعترف فيها الأكاديمية السويدية بلغتهم. لكن يبدو أن الخبر السعيد لن يمر من دون منغصّات. فالأتراك مرشحون اليوم لتكرار ما فعلناه نحن عام 1988 عندما فاز نجيب محفوظ بالجائزة.
حينها استهجن كثيرون قرار الأكاديمية السويدية، وقالوا إن الجائزة مُنحت له بسبب تأييده العلني لاتفاقية كامب ديفيد. كان محفوظ يستحق الجائزة بالطبع (بعضنا بالغ في ذلك وعدّه أكبر من الجائزة؟) لكن الجائزة، المتهمة أساساً بتدخّل الاعتبارات السياسية فيها، فُسّرت سياسياً، وكان ما كان. والأرجح أن التاريخ سيعيد نفسه. فرغم الفوارق الكثيرة، هناك تشابه بين حيثيات حصول محفوظ وباموق على الجائزة: ممارسة روائية ناجحة ومواقف سياسية مثيرة للجدل.
وإذا عدنا إلى باموق، سنجد أنه في السياسة يكاد يحتل المساحة عينها التي يحتلها كروائي. بل إن اسمه كان يحضر في نشرات الأخبار، بقدر ما كانت رواياته تلقى رواجاً وإقبالاً لدى القارئ، وبالقدر عينه، راح يتصدر قائمة المرشحين لنوبل في الآونة الأخيرة. وقبلها، اختارته مجلة “تايم” الأميركية واحداً من أهم مئة شخصية في العالم هذه السنة. كما حصل في العام الماضي على جائزة السلام التي يمنحها معرض فرانكفورت الدولي للكتاب. والأهم أن كل ذلك حصل بعد الدعاوى التي رفعت ضده بسبب انتقاداته الحادة للأخطاء التاريخية التي ارتكبتها تركيا والمتمثلة في مجازر الأرمن وقمع الأكراد. كان باموق مهدداً، ولا يزال، بالسجن في هذه القضية. وقد ساهمت الضغوط الأوروبية خصوصاً، في تأجيل محاكمته أكثر من مرة. بل إن باموق استُعمل في مفاوضات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى درجة أن المفوض الأوروبي لشؤون توسيع الاتحاد، أولي ريهن رأى وقتها أن محاكمة باموق ستكون اختباراً حاسماً لتركيا في سعيها للانضمام إلى أوروبا، ورأى أن تركيا هي التي ستُحاكم وليس باموق.
لقد بدا في بعض الأحيان أن سيرة الرجل، المعارض للذاكرة التركية، تسبق سيرته العادية لكونه روائياً. والأرجح أن ذلك ساهم في رواج أدبي ونقدي إضافي كان باموق يستحقه لاعتبارات أدبية وجمالية، بسياسة ومن دونها. فهذا الكاتب ناضل بنبرته الروائية ليراكم ثقة قرائه في تركيا والعالم برواياته. لكن حصوله على نوبل بالتزامن مع ملاحقته قضائياً ومشكلات تركيا مع نفسها ومع أوروبا، كل هذا سيثير شبهات وعلامات استفهام حول الجائزة .بالنسبة إلى أتراك كثر، قد يبدو الأمر على هذا الشكل: نوبل تمنح الجائزة لكاتب تركي وتوجّه صفعة لبلاده!

حسين بن حمزة

الأخبار

 

جائزة للأدب التركي أم ضده؟

محمد نور الدينأورهان باموق... أيقونة الأدب التركي الحديث وفتاه غير المنازع. هو الأكثر شهرة والأكثر مبيعا والأغزر انتاجا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة. حمل الرواية التركية الى العالم، فحمل معها الثقافة التركية و<صورة> تركيا المتنازَع عليها. لكنه مع ذلك يبقى ذاك الذي قال ب<الإبادة الأرمنية>، ولا يمكن لأحد ألاّ يربط بين موقفه هذا ونيله جازة نوبل، فقط بعد ساعات وربما دقائق قليلة من سنّ البرلمان الفرنسي امس الخميس قانونا يجرّم منكر الإبادة بالسجن سنة مع غرامة 45 الف يورو.
ان مجرد الربط بين الحدثين جعل الحدث يقع مزدوجا على الفرد التركي بين الفخر بنيل اول تركي، باللغة التركية، جائزة نوبل، وبين كون الدوافع التي املت منحه الجائزة ليست ادبية بالكامل.
في السنة الماضية كان باموق على رأس المرشحين لنيل الجائزة. وفي خطوة غير مسبوقة اجّلت الأكاديمية السويدية اعلان الجائزة اسبوعا بالكامل رضوخا لضغوط هائلة قيل ان تركيا مارستها على السويد وعبر واشنطن لمنع منح الجائزة لباموق الذي كان سيحاكَم بتهمة الافتراء على العرق والتاريخ التركيين، عندما صرّح لإحدى الصحف السويسرية ان مليون ارمني قتلوا في تركيا.
هذه السنة كان الأتراك كلهم، سلطة ومعارضة ورأيا عاما، منهمكين في مكان آخر وقضية أخرى، وان تكن ليست ببعيدة: نيّة البرلمان الفرنسي اقرار مشروع قانون يعاقب من ينكر حصول ابادة ارمنية. حتى ان احتمال منح باموق جائزة نوبل مر، خلاف السنة الماضية، في الصحف التركية بصورة خاطفة.
يمكن القول ان الأكاديمية السويدية <فاجأت> الأتراك كما لو انه امر <دُبّر في ليل>. والمؤكد ان فرحتهم ليست عارمة بل لعلها <مُرّة>... عسل بطعم الحنظل.
غالبا ما كان يرافق منح الجائزة اشكالات وخلافات. اورهان باموق لا يزال <صغيرا> عليها. هو في الرابعة والخمسين من العمر ولا يزال في عز عطائه، لكن لم يدخل بعد مرحلة <الاختمار> الذي يطبع مسيرة الأدباء الكبار. بمعنى ان باموق روائي مشهور وجيد لكنه لم يصنف بعد في عالم الكبار. هو، مثلا، ليس ياشار كمال ولا عزيز نيسين ولا فاضل حسني داغلرجه، عميد الشعر التركي المعاصر. اما إذا عرجنا على ناظم حكمت فسيُظلم اورهان باموق كثيرا. وهؤلاء كلهم عاشوا في <عصر نوبل>، ومع ذلك لم ينالوها. هو مثلا ليس ادونيس الذي اكتملت <رؤيته> المتجدّدة باستمرار. وجائزة نوبل تمنح عادة على مجمل اعمال ومسيرة اديب ما، وليس على عمل معين وفي فترة مبكرة من عطائه. من هنا اتسعت التساؤلات والالتباسات حول اورهان باموق، وأخذ نيله الجائزة أبعادا غير ادبية.
مع ذلك، اورهان باموق هو اليوم احد ابرز الأصوات التركية (لا ننسى ابدا وجود ياشار كمال) في عالم الأدب والرواية تحديدا.
هو ابن اسطنبول وحكواتيها. اعطاها نبض طفولته، هو الذي لا يزال يعيش حتى اليوم في البيت الذي وُلد فيه عام 1952 في منطقة نيشان طاش. وهو حكواتي المدينة بتحولاتها الاجتماعية والثقافية. وهو راوي المجتمع التركي بصدامات طبقاته وأطيافه.
لم يبدأ باموق كاتبا، بل بدأ رساما. رسم بغزارة حتى سن الثانية والعشرين، وكان يقول انه سيتفرغ للرسم. تابع في جامعة اسطنبول التقنية، الهندسة المعمارية. لكنه بعد سنة اتخذ قراره: لا للرسم ولا للهندسة المعمارية. وتحوّل الى الصحافة حيث تخرّج من المعهد العالي للصحافة في جامعة اسطنبول لكنه لم يمارسها ابدا.
في الرابعة والعشرين من عمره انغلق باموق على نفسه في البيت وقرّر: سأكون روائياً (وليس اي شيء آخر).
بقرار سيتحول اورهان باموق الى اشهر روائي في الداخل والخارج. وبأسلوبه السهل المستقى من الواقع اليومي المعاش والمعطوف على ذاتية حميمية تلامس وتدغدغ افئدة الجيل الشاب، وصل باموق الى اوسع قطاع من القراء، فيما كانت ترجمات كتبه الى الإنكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات تذكرة مروره الى العالم.
ترك باموق كل شيء وتفرّغ للكتابة فقط وفي عمر مبكر. في العام 1979 كتب روايته <العتمة والنور>، ونال عليها جائزة صحيفة <ميللييت> للرواية.
في العام 1982 كتب روايته الشهيرة <جودت بك وأبناؤه> التي تروي قصة ثلاثة اجيال من عائلة اسطنبولية غنية وتعيش في نيشان طاش (مثل باموق نفسه)، التي نال عليها بعد سنة جائزة <اورهان كمال للرواية>.
في العام التالي، كتب رواية <المنزل الصامت> ونال عليها بعد ترجمتها الى الفرنسية جائزة <الاكتشاف الأوروبي> الفرنسية عام .1991
روايته <القلعة البيضاء> التي كتبها عام 1985 حلقت به في عالم الشهرة اذ ضمّنت له الشهرة العالمية بعد ترجمتها الى الإنكليزية ولغات اخرى عام 1990 وما يليها. وهي تحكي علاقة التوتر والصداقة بين عبد من البندقية وعالم عثماني.
في العام نفسه (1985) ذهب وزوجته الى الولايات المتحدة الأميركية وعمل كباحث زائر في جامعة كولومبيا لمدة ثلاث سنوات، وهي السنوات التي كتب فيها معظم روايته <الكتاب الأسود> التي تحكي، بلسان محام باحث عن زوجته الضائعة، شوارع اسطنبول وازقتها وماضيها وكيمياءها. وقد نشرت الرواية في تركيا عام ,1990 ومع ترجمتها الى الفرنسية نال عليها جائزة France culture التى اضحى بسببها اكثر شهرة وعلى لسان الجميع داخل تركيا وخارجها. اي ان شهرة باموق لم تتشكل اولا في الداخل لتنطلق منها الى الخارج، بل كانت تتسع بالتوازي بين الداخل والخارج في نفس الوقت، وهذه مفارقة نادرة.
في العام ,1994 نشر واحدا من اكثر الكتب قراءة في الأدب التركي الحديث: <الحياة الجديدة> التي تحكي حياة شبان جامعيين. وفي العام 1998 نشر رواية <اسمي الأحمر> ونال عليه جائزة <افضل كتاب اجنبي> الفرنسية وجائزة grinzane cavour الإيطالية عام ,2002 واخرى ايرلندية عام .2003
في التسعينيات بدأ باموق بكتابة الكثير من المقالات السياسية التي ينتقد فيها الدولة التركية في مجالات حقوق الإنسان والحريات الفكرية. لكنه لم يهتم كثيرا بالسياسة في رواياته. روايته السياسية الأولى والأخيرة كانت بعنوان <ثلج> عام ,2002 وتروي النزاعات والعنف والتوترات في مدينة قارص في شرقي الأناضول بين الإسلاميين والجيش والعلمانيين والأكراد والقوميين. وكان نشر عام 1999 كتاب <الألوان الأخرى> وهي مزيج من المقالات المنشورة والنصوص من دفاتره الشخصية.
كتاب اورهان باموق الأخير صدر عام 2003 بعنوان <اسطنبول>، وهو عبارة عن ألبوم من النثر الشعري مرفقا بصور طفولته حتى سن ال22 وصور اسطنبول في تلك السنوات.
باستثناء سنواته النيويوركية الثلاث، أمضى باموق كل عمره في اسطنبول. وهو الآن يعيش في المنزل نفسه الذي وُلد فيه.
ثلاثون سنة لم يفعل خلالها باموق سوى كتابة الروايات التي ترجمت الى اكثر من ثلاثين لغة آخرها اليابانية.
تفاوتت ردود فعل زملائه من النقاد والأدباء الأتراك على نيله نوبل للآداب. الناقد الشهير دوغان هزلان وصف الجائزة بأنها للأدب التركي كله وبأن نيل كاتب جيد باللغة التركية هذه الجائزة امر مفرح جدا وسيساهم في اسماع الأدب التركي للعالم عبر ترجمات لأدباء آخرين. الكاتبة المعروفة عدالت آغا أوغلو قالت انه خبر مفرح بعدما اسفنا لقرار البرلمان الفرنسي. الكاتب طغرل اريلماز قال انه كاتب ناجح بكل المقاييس تقرأ بفرح روايته المشغولة بتكنيك رفيع. واذا لم تعط الجائزة له فلمن ستعطى؟
لكن الشاعر اليساري المعروف اوزديمير اينجه كان له رأي آخر اذ قال ان باموق كاتب هامشي وليس اساسيا، والجائزة لم تمنح للأدب التركي، بل لأورهان باموق شخصيا. ان باموق الذي نال جائزة نوبل هو الذي قال بحصول ابادة ارمنية. هذا شيء مهم الى اقصى حد. لقد بيعت تركيا وبيع التاريخ التركي. لذلك اشعر بالخجل من منحه الجائزة. يجب قول ذلك.
اما اورهان باموق نفسه فقد حاول ربما تهدئة ردود الفعل السلبية المتوقعة ضد نيله الجائزة بقوله لمحطة cnn turk انه لم يهتم ابدا بالجائزة ولم يسعَ اليها وليست حتى مثاراً للهفة!.
اورهان باموق في <جنة> نوبل: انتصار لمن؟ لتركيا أم لأوروبا؟

السفير


.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri