صوفيا
دي ميللو
Sophia De Mello Breyner Andresen
(1919-2004)
الأوراق تقول
الواحدة للأخري سرّكَ!
مختارات للشاعرة
البرتغالية صوفيا دي ميللو براينر اندرسن:
في مكتبةٍ بطنجة، عثرتُ
علي "عَرَاءِ الحيَاةِ" للشاعرة البرتغالية صُوفْيا دي ميللُّو
بْرَايْنَرْ أَنْدرِيسَّنْ (1919-2004). كنتُ برفقة صديقي
الشاعر عبد القادر وساط قد اعتدنا أَن نتردد علي طنجة، قادمَيْن
من مدينةِ أصيلة القريبة حيث دَأَبْنَا علي أن نقضي عطلتنا
الصيفية فيها. ولا أبالغ إنْ قُلْتُ بأَنَّ عَدَداً من الأَعمال
الشّعْرية الأَثيرة لديَّ، خصوصاً منها تلك التي نُشِرت في
سلسلة (شِعْر) البيضاء الصغيرة الودودة التي تُصْدِرُهَا دار
النشر الفرنسية "غَالِيمَارْ"، اقْتَنَيْتُها من تلك المكتبة
الجَمِيلَة في طنجة (كانت جميلةً في الحقيقة وأَضحت الآنَ
تعيشُ لحظة تَراجُعٍ مُحزنةٍ).
"عَرَاءُ الحَيَاةِ"،
كِتَابٌ شِعْري يحتوي مُنْتَخَباتٍ من الأَعمال الشِّعرية
لصوفْيا أعدَّها وترجَمها إلي الفرنسية ميشال شَانْدِينيْ*.
وواضح أَن المترجم الذي عُرف بترجماته الجِدِّية والمواظِبَة
عن البرتغالية إلي الفرنسية اصْطَفَي عدداً من النصوص التي
تُكَثِّفُ وتُقَدِّم تجربةً شِعْريةً غنية ووازنة لشاعرة برتغالية
كبيرة تظل صعبة عن كُلِّ تكثيفٍ أو اختزال. ونحن نجد نصوصاً
من دواوينها الشعرية: أشعار I، يومُ البحر، مرجان، في الزَّمَنِ
المُوَزَّع، الكتاب السادس، جغرافيا، مَثْنَوِيَّة، اسْمُ
الأَشياء، إِبْحَارات، جُزُر. وكذا من حَرَكَاتِها: الأولي،
والثانية، والثالثة. كما نجد نَصّاً موازياً شفيفاً للشاعر
والناقد البرتغالي ?َاسْكُو غْرَاسَّا مُورَا يُقَدِّم الشِّعْر
والشَّاعِرَة بمحبةٍ لهما، وبِرؤيةٍ نَفَّاذَةٍ آثَرتُ أَنْ
أُعَرِّبَه للاستئناس.
والحقيقة أنني لم أكنْ
أَعْرِفُ الشاعرةَ صُوفْيا من قبل. اكْتَشَفْتُها هكذا كقارئ،
مصادفةً، فيما كُنْتُ أبحث بين أرفُفُ الكتُب باحثاً عما أَقرؤه
خلال عطلة الصيف 2003. ولم أَكُن أعرف الكثير من الأسماء الشعْرية
البرتغالية فأضَفْتُ اسْماً جديداً ومهمّاً إلي الذاكرة. طبعاً،
تعرفتُ علي صديقنا جميعاً فرناندو بّْسُوَّا الذي اكتَشَفْنَاهُ
كظاهرة أندادٍ متعددين لشخص واحد، قبل أن نُحِبَّه ونتعلق
بأفقه كشاعر عظيم. وقرأتُ قليلاً من ساراماغو كشاعر، إضافة
إلي كونه كاتباً روائياً كبيراً. كما قرأت القليل من أنطونيو
راموس روزا، أوجينيو دي أَنْدرَادِي الشاعر الذي يُعْتَبر
أكثر شعراء البرتغال الذين تُرْجِمُوا إلي اللغات الإنسانية
بعد بّْسُوَّا. كما تعرفتُ مباشرة علي بعض الشُّعَراء البرتغاليين
مِمَّنْ جمعَتْنِي بهم مهرجانات ولقاءات شِعْرية عالمية أو
استضفنا بَعْضَهُم في المغرب، ضمن تظاهراتنا الشِّعْرية، من
أمثال بَّاوْلُو تِيكْسِيرَا، دِي برِيطُّو، والشاعر الصديق
نُونُّو جُوديسْ الذي قرأتُه من بعيد فأحببْتُ صوته وتجربته
الشعرية والجمالية، وسعيتُ إلي لقائه والتعرُّف عليه. وأتَحْنا
لأنفُسنا أن نلتقي في المغرب أو في البرتغال، وأَن نعمق صداقَتَنا
بنَفْسِ القَدْر الذي عَمَّقْنا به معرفتَنَا المتبادلةَ بِشِعْريْنَا
معاً. بل كان لقاؤنا الأَول في "كَازَا مَاتْيوسُ" (شمال مدينة
بُّورطُو البرتغالية) فرصة أخري لأحْظَي بإِحاطةٍ كريمة من
بعض الشعراءِ البرتغاليين، في ورشة مفتوحة لترجمة مجموعة شعرية
لي إلي البرتغالية ؛ وكان بينهم، إضافةً إلي نونو جوديسْ ودانييل
جُونَاسْ وأنطونيو مانويل بِّيرْسْ كابرَالْ، الشاعرة ماريا
أَنْدرِيسَنْ إبنةُ شاعرتنا الكبيرة صوفيا دي ميللُّو بْرَاينَرْ
أَنْدرِيسَنْ. ولذلك، استثمرتُ الوقت الذي كان متاحاً لنا
خلال الاستراحات السريعة بين جلسة وأخري من العمل اليومي المتواصل
لأحادِثَ ماريا عن والدتها، وليحدثني نونو عَنْها أَيضاً.
طبعاً، كنتُ قبل ذلك اللقاء بسنتَيْن قد ترجمتُ "عَرَاءَ الحَيَاة"
عن الفرنسية إلي العربية، وأصبحتْ لي دراية لا بأس بها بالفضاء
الشعري والجَمَالي لصوفيا. ولذا كنتُ في حاجةٍ لأَعرفَ أكْثَرَ
عن حياتها وتجربتها الإنسانية والنضالية. وهو جَانبٌ ظَلَّتْ
ماريا متحفظةً جدّاً عن الخَوْضِ فِيهِ.
حين عثرتُ علي "عَرَاءِ
الحَيَاة"، وقَرأْتُه وأكملتُ ترجمته إلي العربية، كانت صوفيا
ما تزال قَيْدَ الحياة. وأحببتُ شِعْرَها، وشرعتُ في تعريبه
(عبر لغةٍ ثالثةٍ وسيطةٍ، هي الفرنسية) بدون أيِّ حِسَابٍ
شخصي غير حساب الشّعْر وروح التعلُّم. لكن لا أخفي سعادتي
الشخصية حين عرفْتُ بعض الخطوط العامة من مسار حياة هذه الشاعرة
الكبيرة، خصوصاً التزامها السياسي ومواقفها الاجتماعية والحقوقية
الصلبة والمُؤَثِّرة.
وُلدَتْ صوفيا سنة 1919
بمدينة بورطو من عائلةٍ أرستقراطيةٍ انحدرت سُلاَلتُها من
الدانمارك. التزمَتْ سياسياً في إطار اليسار، ضمن الحزْبِ
الاشتراكي البرتغالي الذي كان يرأَسُه المناضل الكبير مَارْيُوسْ
سْوَارِيسْ. فساهمت في كل المعارك التي خاضها الشعب البرتغالي
ضد الديكتاتورية العسكرية، في أفقِ تحقيقِ الحياة الديمقراطية.
ورغم أُصُولها الاجتماعية الأرستقراطية، فإنها بفضل التزامها
ومواقفها التقدمية ومكانتها الشعرية والأدبية أساساً أضحتْ
وَجْهاً شعبياً محبوباً في بلادها. وبفضل هذه المكانة المتميزة،
رَشَّحَها حِزْبُها للانتخابات التشريعية، ففازت وأصبحت عضوا
في البرلمان البرتغالي. وظلت تسكن في حي غراسا بلشبونة، حيث
حظيت بكل أَنواع التقدير الشعبي والرمزي إلي أن تدهور وضعها
الصحي، لتسلم الروح - بعد مصارعة للمَرَض - في 2 يوليوز 2004.
اعتُبِرَتْ صُوفْيا
(كان الجميع ينادونها بهذا الاسم فقط) "السيدة الأولي" للحياة
الأَدبية والشعرية في البرتغال. وتَوَّجَتْ مَسَارَها بحصولها
علي جائزة كَامْوِيشْ (1999)، وهي أعلي تتويج يمكن أن يحظي
به شاعر برتغالي أو غير برتغالي يكتب باللغة البرتغالية. وقد
عَبَرَتِ القَرْنَ العشرين بقُوةٍ شِعْريةٍ، بقوةِ إرَادَةٍ،
وبقوةِ حضورٍ إنساني ونضالي مُشِع. وكل الذين تعرفوا عليها
عَنْ كَثَبٍ، نَقَلُوا عنها صورةَ امرأةٍ رقيقةٍ، ووديعةٍ،
ومُتَوهِّجةٍ.. فكراً وممارسةً. فلم تخفض جَنَاحَها للواقع
الذي كان سائداً، ولا للسلطة الاستبدادية في بلادها، بل التزمَتْ
في مقدمةِ جبهاتِ الصراع، وفي زمنٍ كان قد "أخذ الرجَالُ يتَخلَّون
فيه".
ورغم موقعها السياسي
والاجتماعي، فإنها كانت حريصة أولاً وبالأَساس علي موقعها
كشاعرة، ثم ككاتبة مبدعة لقصص وحكايات الأَطفال. وعُرفت بِشِعْرٍ
يمتلك عيناً فاحصةً، ويعرفُ كيف ينفتح علي الماضي المتَعدّد
حيث ظلالُ التاريخ والأسطورة والأمكنة الإغريقية المُتَبقّية،
وحيث الاستِحْضَارُ المُدَاوِم للتمثالِ اليوناني بكُلِّ حُمُولته
ولصورة المَسِيح، وأَيضاً الاستعادة الخَلاَّقَة لصورة وتفاصيل
حياة بّْسُوَّا، الشاعر البرتغالي الذي تحول بدوره إلي أسطورة
معاصرة. كما اغْتَنَتْ شِعْرياً من استيائها من الأجواءِ الرَّقَابية
التي كانَتْ سائدَةً في بلادها، واستثمرتْ لاَحِقاً التزامَها
السياسي التقدمي في ترميم الثَّرَاءِ اللاَّزَمَني للحقيقي
والملموس، وللإيماءات البسيطة للناس، ولذاكرة القرون التي
ترافِقُنا من خلال الآثار والمَعَالِم، مما كان يُصِيبُها
بما أسْمَاهُ بعض النقاد الفرنسيين (كلود ميشال كلوني في مجلة
Lire، ماي 2000) بـ"سَوْرَةِ المَرْئي".
سيكون من الصعب أن أَتحدث
عن شِعْرِها من خارج لغته الأَصْلية، إذْ لم أقرَأْهُ إلاَّ
باللغة الفرنسية. لذلك، آثرتُ - كما سَلَفتِ الإشارة - أن
أعرِّبَ كلمةَ الشاعِرِ والناقِدِ ?َاسْكُو غْراسَّا مورا
التي قَدَّمَ بها منتخبات الشاعرة بالفرنسية. ومع ذلك، فإن
شعر صوفيا في الفرنسية لم يفقد قُوَّتَهُ وجَلاَلَهُ وجَمالَهُ،
وتميز فضاءاته الساحرة. وسواء في الفرنسية أو في العربية،
يمكننا أن نُصَاحِبَ عملاً شعرياً مضيئاً، تملأ شفافيتُه القارئَ
بِالحُلْمِ والاستيهامِ الجميل بلحظات الحياة التي غَطَّتْها
ظلالُ الأَزمنة. ولعل قوة المترجم الكبير ميشال شانْدينيْ
منحتْ حضور هَذَا النص البرتغالي في الفرنسية بعضاً من الأَنفاس
التي يحتاجُها قارئٌ عابرٌ ليتوقف. وقد تَوقفتُ فعلاً لأتَغَذَّي
ولأَتعلَّم.
في شعْرِهَا، ثمة الكثيرُ
من الضوءِ والْتِمَاعِ مِيَاهِ البَحْر علي الرمال. ثمة أيضاً
ذلك "الانْتِشَاءُ الشَّمْسِي" (L'extase solaire)، ذلك الاحتفاء
بنَهَار البَحْر وبالعناصر العضوية للطبيعة، خصوصاً كُلَّ
عنصرٍ مضيءٍ أو مُضَاءٍ رغم بعض الظلال التي تُلْقِي بِنَفْسِهَا
أحياناً علي أَطْرَافِ المَشْهَد الشِّعْرِي، وكُلُّهَا تُغَذِّي
أَحَدَ أجْمَلِ الآثار الشِّعْرية الإنسانية التي بقدر ما
كانت جَسُورةً وقويةً وصَلْبَةً، كانت لا تَخْلُو من بعضِ
الهَلَع علي مَصِيرِ الذَّاتِ المُتَكَلِّمة أو علي مصائِرِ
الناس أو مصير العَالَم العُضْوِي نفْسِه. ففي شِعْر صُوفْيَا،
الإنسانُ هو مِعْيَارُ القصيدةِ ومُرتَكَزُها، هو منطلَقُها
ومَوْئِلُها.
شاعرة تصطفي أمكنَتَها
الشِّعْريةَ برؤيةٍ بصريةٍ عميقة، فيها حِسُّ الجَمَال وعمقُ
المعرفة وذكاءُ النظرةِ والخبرةِ الشخصيةِ التي تجعل من حَرَكَةِ
الشَّاعِرَةِ أَمَامَ المَشْهَدِ رَقْصَةَ كَائِنٍ بِدَائيٍّ
أَمام النَّار أو أَمَامَ البَحْرِ. ما يُشْبِهُ رقْصَةَ طَقْسٍ
روحي أو حركة تَعَبُّدٍ وَثَنيةٍ مخصوصة وأنيقة.
والآن، إذ أنْقُلُ هَذِهِ
المنْتَخَباتِ إلي العربية (عن الفرنسية للأسف، وليس عن اللغة
البرتغالية مُبَاشَرَةً) أُحِسُّ بغبطة أن أُقَرِّبَ شِعْراً
عميقاً إلي القراء العرب. وفي الترجمة، في كل ترجمة وخصوصاً
ترجمة الشعْر، دائماً هناك اجتهاد للمكوث قريباً من النص الأَصلي،
ومحاولة لتلميع المعني الشعْري وترصيعه في هجرته إلي لغةٍ
جديدةٍ، بالرغم مما قد يَلْحَقُ أَضْلُعَ جَسَدِ الشَّاعِرِ
مِنْ بَرْيٍ خَفِيفٍ.
إنَّ تَرْجَمَةَ الشِّعْرِ
هي علي الدَّوَامِ مُتَفَاوِتَةٌ مع مَرْجِعِهَا، مع النَّصِّ
الأصلي، قد تَصْعَدُ نبرَتُهَا قليلاً.. أو تَنْخَفِضُ قليلاً
عن النَّبْرةِ الأولي للقصيدة، وعن معناها الأوَّل. ولكنَّ
القَصيدَةَ المُمْتَلِئةَ بالشِّعْر وبأنْفَاسِ الشَّاعِرِ
وبتجربته الإنسانية، تَتَخَطَّي ما قد يَلْحَقُهَا من "تَحْوِيلاَتِ"
أو "تَصدُّعَاتِ" التَّرجَمة.. وتَصِلُ.
وينبغي أن نُدْرِكَ
دائماً، وأنْ نَعْتَرِفَ أيْضاً، بصدد الترجمة (ترجمة الشّعْر
أساساً) أن لاَ مَعْني للحديث عن "تَرْجَمةٍ أَمِينَةٍ". إِن
"الأمانة" التي يُلَوِّحُ بها بعضُ التقليديين شعاراً ضد حرية
التحويل في الترجمة وحداثة رؤيتها (نموذج علي اللواتي الذي
هاجَمَ مرةً أدونيس بخصوص ترجمة سَانْ جَانْ بِّيرسْ) ليست
إلاَّ سماً آخر يُطلقُ علي نَقْصٍ يَرْفُضُ ذِكْر اسْمِهِ
الحقيقي، تَقْليدَانية التعبير والرؤية. ويبدو لي أَن أحسن
الترجمات للشعْر، لو قُمْنا بفحصٍ تفصيلي شامل لبعض نماذجها
في اللغات الإنسانية، كانت دائماً - وفي الغالب الأَعم - هي
تلك التي أنجزها شعراء أَقدموا علي ترجمة شعراء آخرين أحَبُّوا
شِعْرَهُمْ ودَخَلُوا مَعَهُ في صُحْبةٍ وعِشْقٍ متَبَادَلَيْن.
وذلك بالأَخص، حين يُقْدِمُ الشَّاعِرُ علي الترجمة، لا من
بابِ التَّخصُّصِ بالضرورة، وإنما من باب الإِحساس بالمتعة
الشخصية، متعة أَن يُوَرِّط مشروعَهُ الشعْرِيَّ في مشاريعَ
شعريةٍ أخري ليتَعَلَّمَ شعْرياً.. ولِيَنْدَسَّ أكثر في مِيَاهِ
اللغة الأخري، ومتعة أن يُشْرِكَ الآخرين مَعَهُ في ضَوْءٍ
صَغيرٍ يَوَدُّ أَن يَسْتَبْطِنَهُ. والنتيجة في النهاية أَن
مغامرةَ الترجمة، تظل إِحدي أجْمَلِ المغامراتِ الأدبية المُنْتِجة
الخَلاَّقَة.
لقد ترجمتُ عدداً من
النصوص الشعرية ظللتُ أَتَهَيَّبُ من نَشْرِها، تجنُّباً لتعميم
الهشاشة الأولي للمعرفة باللغات الأُخري أو تجنُّباً لعُنْفِ
الملاحَقَة التي يَحتَرِفُها طيشُ المقارَنَات بين الترجمة
وأَصلها بحثاً عن بَكَارة رمزية يُخْشَي علي عُذْريتها! ومع
ذلك، تجرأتُ أَحياناً. فَنَشَرتُ قصائد هَايْكو للياباني القديم
ريُّوكَانْ (99 قصيدة هايكو)، وبعضاً من شذرات قصيدة "عن الضيعة"
للفرنسي غيللفيكْ، والمجموعة الشعرية الصغيرة الرائقة "علي
وَتَرٍ" لليوناني يَانِيسْ ريتْسُوسْ، وبعض قصائد الإيطالي
أونغاريتي. كما ترجمتُ القليل من شعراء آخرين، بعضُهُ نُشِرَ
وبعضُهُ لم يُنْشَر، ومنه أشعار ليونار نُولَنْسْ، دانْيِيلْ
بُولاَنْجي، فيليب جَاكُّوتِي، بِرْنَارْ نُوِيلْ، سَانْدْرُو
بيِّنَا، لاَلاَّ رُومَانَا، إِي?َانْ بِّلاَتْنِي، أَنَّا
اخْمَاتُوفَا، تيتُوسْ بَّاتْرِيكْيُوسْ، أنْدرِي ?ِيلْتَرْ،
نُونُو جُودِيسْ (أَشْعَارٌ قد أعودُ إِليها، وشعراء قد أُجَدِّدُ
صحبتي لهم في منشوراتٍ خاصة).
والآن، أضاعفُ الجرعةَ
لأتجرأَ قليلاً وأنْشُرَ هذهِ المختاراتِ للشاعرة البرتغالية
صوفْيا دي ميللُّو بْرَاينَرْ أَنْدرِيسَنْ. وإِذا ما صدَّقْتُ
نَفْسِي، وأَسْعَفَتْني مَسَالِكُ ومُسْتَلْزَمَاتُ النَّشْرِ،
يمكِنُني أنْ أُوَاصِلَ مَشْرُوعَ ترجمةٍ مُنْتَظِمَةٍ، إِنجازاً
ونَشْراً. وذلك لحاجتي المتواصلة لأقْرأَ شُعَراءَ العَالَمِ
أكثر، ولأَتَعَلَّمَ أكثر، ولأَقْتَسِمَ مع الآخرين متعتي
الصغيرة الناعمة في التَّجْوال الهادئ المُتَفَحِّص، عبر خرائط
وجغرافيات القصيدة الإنسانية. ذلك سلوكٌ شِعْريٌّ بامتياز،
نَهَجَه عَدَدٌ من كبار شُعَراءِ العَالَم وفي العَالَم العَرَبي
بينَهُم أَدُونيسْ وسَعْدي يوسف مثلاً. كما نَهَجَه بعضٌ مِمَّنْ
يقتفي آثارَهُمْ، مِثْلي، ومِمَّن يَهُمُّه أَن يُعَمِّقَ
خِبْرَتَه الشعْرية والجمالية ويطوّر إِمكاناتِهِ اللغوية
باستمرار.
ولا أزْعُمُ بهذا العَمَل
أَنني أُحَقِّقُ فَتْحاً مُبِيناً، لكنَّنِي أَسْعَدُ بأَنْ
أنْتَسِبَ إلي سلالةِ الشعراء العرب المعاصرين الذين اعتبروا
ويعتبرون ترجمة الشِّعْر جزءاً من عملهم الشعري، ومظهراً من
مظاهر انتصارهم لحداثَةِ الشِّعْر والحياة، وأَستَسْمح أنْ
أَذكُر بينهم الشعراء الأَصدقاء كاظم جهاد، المهدي أخريف،
محمد عفيفي مطر، محمد بنِّيسْ، خالد النَّجارْ، بُّولْ شَاوولْ،
عيسي مخلوف، عَبْدُه وَازِنْ، جُمانَة حداد، سر?ون بُولصً،
خالد مطاوع، عبد القادر الجَنَابي، مُنْصِف الوْهَايْبِي خالد
الرَّيْسُوني... وآخرين.
حقّاَ، إنَّ الترجمةَ
خيانةٌ Traduore - traditore. ولكنـها خيانَةٌ ضرورية، خيانةٌ
جميلة. وما أَظن أنَّ هناك قَدْراً من المحبة والشغف والوفاء
لشاعرٍ آخر، في لغةٍ أخري، أكثر مما في هذه الخيانة الرائعة،
الترجمة. وكأنني هُنَا خُنْتُ صُوفْيا، الشاعرةَ الجميلةَ
ذاتَ النظاراتِ السوداء التي كثيراً ما وصفوها بـ"غْرِيتَا
غَارْبُو" البرتغال، لأَزداد محبَّةً لها ووفاءً لأفقها الشِّعْري
والإنساني.
طوبَي لمنْ يَخُونُ
خيانَةً كهذِهِ. إنَّه أكثَرُ وفَاءً مِنْ غَيرِهِ!
بَحْر
مَا بَيْنَ كُلِّ أمكِنَةِ
العَالَمِ
أحِبُّ فِي الحُبِّ
الأَقْوَي وَالأَعْمَقَ
هَذَا السَّاحِلُ المُنْتَشِي
وَالعَارِي،
حَيْثُ أَذُوبُ فِي
البَحْرِ، فِي الرِّيحِ وَفِي القَمَر.
المَدِينَة
أيتُهَا المَدِينَةُ،
الإشَاعَةُ، الذَّهَابُ الإيَّابُ الدَّؤُوبُ لِلشَّوَارِعِ،
أيَّتُهَا الحَيَاةُ
القَذِرَةُ، العِدَائيةُ، المُبَدَّدَةُ بِلاَ جَدْوَي،
لِتَعْرِفِي أنَّ هُنَاكَ
بَحْراً وَشَوَاطِئَ عَارِيةً،
جِبَالاً بِلاَ اسْمٍ
وَسُهُولاً أكْثَرَ رَحَابَةً
أكْثَر شَسَاعةً مِنَ
الرَّغَباتِ،
وَأنَا سَجِينَتُكِ
وَلاَ أرَي
إلاَّ الجدْرَانَ وَالوَاجِهَاتِ،
وَلاَ أرَي
لاَ صُعُودَ البَحْرِ
وَلاَ تَحَوُّلاَتِ القَمَر.
لِتَعْرِفِي أنَّكِ
صَادَرْتِ حَيَاتِي
وَأنَّكِ تَسْحَبِينَ
إلَي ظِلِّ حِجَارَتِكِ
رُوحِيَ التِي نُذِرَتْ
لِلأَمْوَاجِ البَيْضَاءِ
وَلِخُضْرَةِ الغَابَاتِ.
مَنْظَر طَبيعي
فَجْأَةً، مَرَّتْ طُيُورٌ
فِي الهَوَاءِ،
كَانَتْ رَائِحَةُ الأرْضِ
مُرَّةً وَغَائِرَةً،
وَفِي البَعِيدِ كَانَتْ
كَوْكَبَةُ فُرْسَانِ البَحْرِ الصَّاعِدِ
تَنْفُضُ عَلَي الرَّمْلِ
أَعْرَافَ خَيْلِهَا.
كَانَتِ السَّمَاءُ
الزَّرْقَاءُ، الحُقُولُ الخَضْرَاءُ، الأرْضُ المُعْتِمَةُ،
كَانَ لُبُّ الشَّجَرِ
اللَّدِنُ وَاليَابِسُ،
كَانَتْ قَطْرَاتُ الصَّمْغِ
الدَّامِيَةُ
وَالأوْرَاقُ التِي
يَتَفَسَّخُ الضَّوْءُ عَلَيْهَا.
كَانَتِ السُّبُلُ وَمِشْيَتُهَا
البَطِيئَةُ،
كَانَتِ الأيَادِي الغَامِضَةُ
لِلرِّيحِ.
كَانَ النِّدَاءُ الحُرُّ
وَالشَّفِيفُ
لِلجَنَاحِ الشَّارِدِ
لِلْفَضَاءَاتِ الهَائِلَةِ.
كَانَتْ دَوَالِي النَّبِيذِ
التِي تَحُطُّ عَلَيْهَا السَّمَاءُ،
كَانَ ثِقْلُ وَلَوْنُ
كُلِّ شَيْءٍ،
سَكِينَتُهُمَا، الحَيَّةُ
بِشَكْلٍ سِرِّي،
وَتَبَخُّرُهُمَا الذِي
يُشَيِّدُنِي
كَانَتْ حَقِيقَةُ وَقُوَّةُ
البَحْرِ الفَسِيحِ
الذِي يَعْلُو صَوْتُهُ
حِينَ تَنْكَسِرُ الأمْوَاجُ،
كَانَ العَوْدُ الأَبَدِيُّ
وَجَلاَءُ
الشَّوَاطِئِ حَيْثُ
تَعْدُو الرِّيحُ مُسْتَقِيمَةً فِي رِكَابِهِ.
إيُِوِي بَاخُوسْ
طَعْمُ الشَّمْسِ وَالنَّبِيذِ
وَسَرِيرَةٌ مُضَاعَفَةٌ
سَمَاوِيَّةٌ.
أيُّهَا اللَّيْلُ
أَيُّهَا اللَّيْلُ،
[وَ] الزَّهْرَةُ المُلْهِبَةُ، التِي تَصْطَحِبُكَ؟
هَلْ أنَا التِي أسْلِمُ
نَفْسِي لِكَيْ أتَعَتَّمَ فِيكَ،
أمْ أنَّهَا الإِيمَاءَةُ
الوَاضِحَةُ التِي تَصْطَفِيكَ
فِي زَهْرَةِ كَائِنٍ
آخَرَ؟
فِي الـمَوْعِدِ
عِنْدَ الحَدِّ الذِي
يَتَقَاطَعُ فِيهِ
الصَّمْتُ وَالعُزْلَةُ
مَعَ اللَّيْلِ وَالبَرْدِ،
انْتَظَرْتُ كَمَا نَنْتَظِرُ
عَبَثاً،
مَا إِذَا كَانَ الفَرَاغُ
صَافِياً وَمُكَثَّفاً.
نَهَارُ البَحْر
يَاقُوتِيَّةٌ بَرّيَّة
مِنْ أَجْلِكَ كَانَتْ
تَتَنَازَعُ آلِهَةٌ فَظَّةٌ.
وَقَدْ رَأَيْتُكَ عَلَي
شَاطِئٍ، مُهْمَلاً
فِي الضَّوْءِ، وَقَدْ
فَسَّخَتْكَ الرِّيَاحُ،
وَأطْرَافُكَ وَقَدْ
دَحْرَجَتْهَا المُحِيطَاتُ.
دْيُونِيسُوسْ
بَيْنَ الأشْجَارِ الدَّاكِنَةِ
وَالخَرْسَاءِ
تَحْتَرِقُ سَمَاءٌ
مُحْمَرَّةٌ،
وَإذْ يُولَدُ مِنَ
اللَّوْنِ السِّرِّي لِلْمَسَاءِ
يَعْبُرُ دْيُونِيسُوسْ
فَوْقَ غُبَارِ الطُّرُقَاتِ.
بَذَخُ فَوَاكِهِ سِبْتَمْبَرْ
يَسْتَقِرُّ فِي وَجْهِكَ
وَفِي كُلِّ جَارِحَةٍ.
فِي هَذِهِ القَدَاسَةِ
الحَمْرَاءِ المُطْلَقَةِ،
هَذِهِ الهَالَةُ المُضْطَرِمَةُ
الرَّائِقَةُ
التِي كَانَتْ تُمَيِّزُ
الآلِهَةَ عَنِ المَوْتَي.
الآلِهَةُ
وُلِدَتْ، كَفَاكِهَةٍ،
مِنْ مَنْظَرِ الطَّبِيعَةِ.
نَسِيمُ الحَدَائِقِ،
ضَوْءُ البَحْرِ،
بَيَاضُ الزَّبَدِ وَضَوْءُ
القَمَرِ،
بِانْتِشَاءٍ تَسْكُنُ
صُورَتَهُمْ.
عَرَفْتُكَ ثَانِيَّةً
I
تَعَرَّفْتُكَ عَلَي
الفَوْرِ وَأنَا مُحَطَّمَةٌ
دُونَ أنْ أقْوَي عَلَي
النَّظَرِ إلَيْكَ لأَنَّكَ كُنْتَ
قَلْبَ حَيَاتِي بِالذَّاتِ
وَقَدِ انْتَظَرْتُكَ
الانْتِظَارَاتِ كُلَّهَا
II
عَرَفْتُكَ، عِشْتُكَ
عَبْرَ كُلِّ آلِهَةٍ
وَإنَّهُ لَثِقْلُكَ
فِيَّ مَا جَعَلَنِي حَزِينَةً
مُنْذُئِذٍ. وَفِيمَا
بَعْدُ لَمْ تَتَحَرَّكْ إلاَّ لِتُحَطِّمَنِي
بِخُطْوَاتِكَ الأكْثَرِ
وُثُوقاً مِنْ خُطْوَاتِي.
مرجان
السيَّارَاتُ تَمُرُّ
تَمُرُّ السيَّارَاتُ،
التِي تَرُجُّ المَنْزِلَ،
المَنْزِلُ حَيْثُ أُوجَدُ
وَحِيدَةً.
الأشْيَاءُ كُنَّا قَدْ
عِشْنَاهَا مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ ؛
هُنَاكَ فِي الهَوَاءِ
فَضَاءَاتٌ مُتَوَفَّاةٌ
الشَّكْلُ المَحْفُورُ
فِي الفَرَاغِ
أصْوَاتٌ وَإِيمَاءَاتٌ
كَانَتْ مِنْ قَبْلُ هُنَا.
وَلاَ تَسْتَطِيعُ يَدَايَ
أنْ تُمْسِكَا بِشَيْءٍ.
مَعَ ذَلِكَ أنْظُرُ
إلَي اللَّيْلِ
وَلِي حَاجَةٌ إلَي
كُلِّ وَرَقَةٍ.
سِرْ [بِسَيَّارَتِكَ]،
حَوِّلْ حَيَاتَكَ فِي الهَوَاءَاتِ،
بَعِيداً عَنِّي...
وَحَتَّي أُدَارِي هَذَا
الوَجَعَ بِأَلاَّ تَكُونُ،
أحْتَاجُ إلَي أنْ أَكُونَ
وَحِيدَةً.
بِالأَحْرَي وَحْدَةُ
الانْصِرَافَاتِ الأَبَدِيَّةِ
[حَيْثُ ثَمَّةَ] مَشَارِيعُ
وَأسْئِلَةٌ،
مَعَارِكُ مَعَ الثِّقْلِ
مَا لاَ يُمْكِنُ إطْفَاؤُهُ
مِنَ المَوْتَي وَالمَرَاثِي.
أوْ بِالأحْرَي الوَحْدَةُ
لأَنَّهَا مُكْتَمِلَةٌ.
أُومِنُ بِعَرَاءِ حَيَاتِي.
إنَّ كُلَّ مَا يَحْدُثُ
لِي ثَانَوِيٌّ.
وَلَيْسَ لِي إِلاَّ
إِحْسَاسٌ وَاحِدٌ يَنْفَصِلُ عَنِ الجَمِيعِ
مَعَ الأبَدِيَّةِ التِي
تُرَفْرِفُ فَوْقَ الجِبَالِ.
البُسْتَانُ، البُسْتَانُ
المَفْقُودُ،
جَوَارِحُنَا تَكْتَنِفُ
غِيَابَكَ...
الأوْرَاقُ تَقُولُ
الوَاحِدَةُ لِلأُخْرَي سِرَّكَ،
وَإنَّ حُبِّيَ لَمَحْجُوبٌ
مِثْلَ الخَوْفِ.
تَخْطِيطَاتْ
I
مُنْحَنَي الفَضَاءَاتِ،
مُنْحَنَيَاتُ الخُلْجَانِ الصَّغِيرَةِ،
الحَيَاةُ التِي لَيْسَتْ
حَيَاةَ الإِيمَاءَاتِ العَبَثِيَّةِ،
مَنْ يُعَزِّينِي فِي
جَسَدِي المُكَفَّنِ؟
II
اكْشِفُوا لِي شَقَائِقَ
النُّعْمَانِ، المِدُوسَاتِ وَالمَرْجَانَ
مِنْ قَاعِ البَحْرِ.
لَقَدْ وُلِدْتُ مُنْذُ
لَحْظَةٍ فَقَطْ.
III
المَرْأَةُ البَيْضَاءُ
التِي تَحْمِلُهَا الظُّلْمَةُ فِي بَطْنِهَا
كَانَتْ صَاعِدَةً عَلَي
سَطْحِ المَاءِ وَمَاتَتْ بِسَبِبٍ مِنْ ذَلِكَ.
IV
أَصِلُ إلَي الشَّاطِئِ
وَأَرَي أنَّنِي أنَا
النَّهَارُ الأَبْيَضُ.
V
أُومِنُ بِعَرَاءِ حَيَاتِي.
رُعْبُ أنْ أُحِبَّكَ
مُرْعِبٌ أَنْ أُحِبَّكَ
فِي مَوْضِعٍ هَشٍّ كَالعَالَمِ.
مُؤْلِمٌ أنْ أُحِبَّكَ
فِي مَكَانِ الشُّبْهَةِ هَذَا
حَيْثُ كُلُّ شَيْءٍ
يُهَشِّمُنَا وَيُخْرِسُنَا
حَيْثُ يَفْتَرِي عَلَيْنَا
الجَمِيعُ وَيَفْصِلُ مَا بَيْنَنَا.
عَرَّافَاتْ
عَرَّافَاتٌ بِدَاخِلِ
الكُهُوفِ المُجَمَّدَةِ
مَحْرُومَاتٌ مِنْ كُلِّ
حُبٍّ وَعَمْيَاوَاتٌ.
يُغَذِّينَ الفَرَاغَ
مِثْلَ نَارٍ مُقَدَّسَةٍ
بَيْنَمَا الظِّلُّ
يُذِيبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
فِي ضَوْءِ الرُّعْبِ
المُتَجَرِّدِ نَفْسِهِ
لِنَنْزَعْ مِنَ المَتَاهَةِ
النَّدَي الهَائِلَ
وَمِنَ اللَّيَالِي
البَاطِنِيَّةِ، الرَّشْحَ
قُويً رَاسِيَّةً مِنْ
نَفْسِهَا
عِنْدَمَا تَخْفِقُ
الكَلِمَاتُ عَلَي الجُدْرَانِ
تُحَلِّقُ التَّحْلِيقَ
العَالِيَ الأَعْمَي لِطُيُورٍ سَجِينَةٍ
وَلْيَدُقَّ الرُّعْبُ
الصَّارُّ بِامْتِلاَكِ أَجْنِحَةٍ
مِثْلَ سَاعَةٍ فِي
الفَرَاغِ.
اغْتِيَالُ سِيمُونِيطَّا
ِيسْبُّوتْشِي
رَجَالٌ
فِي مَظْهَرِ الغُرَفِ
المُتَنَكِّرِ
فِي زَوَايَا الظِّلِّ
وَالضَّوْءِ القَاتِلَةِ
أُنْظُرْ كَمْ هِيَ
المُدْيَاتُ تُولَدُ بَدِيهِيَّةً
دُونَ أَنْ يَسْحَبَهَا
أَحَدٌ - فَجْأَةً.
أُنْظُرْ كَيْفَ تَنْحَتُ
الإِيمَاءَاتُ
هَنْدَسَةَ المَصَائِرِ
الدَّقِيقَةَ.
أُنْظُرْ كَمْ يُصْبِحُ
الرِّجَالُ وُحُوشاً
وَكَمْ تَغْدُو الوُحُوشُ
مَلاَئِكَةً
وَيَنْبَثِقُ أَحَدٌ
مَّا وَيَدَعُ خَلاَيَاهُ تَتَفَسَّخُ.
أُنْظُرْ كَيْفَ تَتَمَوَّجُ
العَيْنَانِ كَثِيراً
المُتْرَعَتَانِ بِالنُّسْغِ،
المُفْعَمَتَانِ بِالأَنِينِ
لامْرَأَةٍ مُخْتَنِقَةٍ
فِي شَعَرِهَا.
وَالغُرْفَةُ كُلُّهَا
مَالَتْ إِلَي الإِهْمَالِ،
يَمْلَؤُهَا الرُّعْبُ
وَتَسُودُهَا الفَوْضَي.
وَظَلَّتِ الأَبْوَابُ
مُشْرَعَةً،
مُشْرَعَةً عَلَي الطُّرُقِ،
التِي يَهْرُبُ مِنْهَا
الرِّجَالُ،
فِي صَمْتِ الفَضَاءَاتِ
المُتَنَكِّرِ،
فِي زَوَايَا الظِّلِّ
وَالضَّوْءِ القَاتِلَةِ.
الطُّيُورُ
أَيَّةُ طُيُورٍ غَرِيبَةٍ
أَسْمَعُهَا فِي اللَّيْلِ
لاَبِثَةً قُرْبَ نَافِذَتِي:
طُيُورٌ لَهَا اسْتِغَاثَاتٌ
أَكْثَرُ حِدَّةً وَمُتَوَحِّشَةٌ
لِصَدْرِهَا لَوْنُ
الفَجْرِ، وَالمِنْقَارُ بَنَفْسَجِيٌّ،
تَتَكَلَّمُ فِي اللَّيْلِ،
جَاءَتْ تَحْمِلُ
هَاوِيَّاتِ اللَّيْلِ
الثَّابِتِ المُتَبَاطِئِ
أَحَادِيثَ صَارَّةً
وَفَظَّةً.
تَغْرِزُ مَخَالِبَهَا
فِي ضَوْءِ القَمَرِ
وَلَهَثُ الذُّعْرِ
يَنْحَدِرُ
مِنْ أَجْنِحَتِهَا
الثَّقِيلَةِ.
نَارْدِينْ
نَارْدِينٌ
مُتَثَاقِلٌ وَمُكَثَّفٌ
ثَخِنٌ وَأَبْيَضُ
يَمْنَحُ تَنَفُّساً
مُبْهَماً
وَهَدْهَدَةً لَيْلِيَّةً.
بِّيدُورَاسْ
مُشْرِقَةٌ هِيَ الأَيَّامُ
اللاَّغِيَةُ
حِينَمَا كَانَتِ الظَّهِيرَةُ
تَفْتَرِسُ ظِلَّ الأَعْمِدَةِ
وَكَانَتْ زُرْقَةُ
السَّمَاءِ تَسْحَبُ إِلَيْهَا الأَرْضَ
السَّاكِنَةَ فِي جَلَبَةِ
الأَوْرَاقِ وَالآلِهَةِ.
بَعِيدَةٌ وَمَضْبُوطَة
بَعِيدَةً وَمَضْبُوطَةً
تَتَوَجَّهُ الطُّرُقُ
فِي مُغَامَرَةٍ ضَلِيلَةٍ.
وَالنَّسِيمُ البَحْرِيُّ
يَقْتَرِبُ
وَيَنْتَشِرُ فِي الهَوَاءِ.
إِنَّهُ الأَزْرَقُ
وَالأَخْضَرُ وَنَدَاوَةُ عَصْرٍ
مَيِّتٍ يَعُودُ
عَلَي أَحْصِنَتِهِ
الكْرِيسْطَالِيَّةِ المُضِيئَةِ
لِيَتَقَصَّفَ فِي الأُفُقِ.
هَبْ لِي الشَّمْسَ
هَبْ لِيَ شَمْسَ المِيَاهِ
الزَّرْقَاءِ وَالمَدَارَاتِ
عِنْدَمَا يَمْتَلِئُ
العَالَمُ بِمَنْحُوتَاتٍ جَدِيدَةٍ
وَتَنْقَضُّ الأَمْوَاجُ،
مُطَأْطَأَةَ الرَّأْسِ،
مِثْلَ أَحْصِنَةِ الأُسْطُورَةِ
البَيْضَاءِ ذَاتِ القَرْنِ.
شَاطِئٌ
الصَّنَوْبَرَاتُ تَنُوحُ
حِينَ تَعْبُرُ الرِّيحُ
الشَّمْسُ تَخْبِطُ
الأَرْضَ وَتَحْتَرِقُ الحِجَارَةُ.
بَعِيداً تَتَرَجَّلُ
آلِهَةُ البَحْرِ العَجِيبَةُ
لَهَا بَيَاضُ المِلْحِ
وَلَمَّاعَةٌ مِثْلَ الأَسْمَاكِ.
فَجْأَةً، طُيُورٌ ضَارِيَّةٌ
مَرْمِيَّةٌ فِي الوَمْضِ
مِثْلَ حَصيً.
تَصْعَدُ وَتُنْفِقُ
عَمُودِيّاً فِي السَّمَاءِ
وَالفَضَاءَاتُ تَتَشَبَّثُ
بِجُسُومِهَا.
تُسْرِعُ الأَمْوَاجُ
وَهْيَ تَنْكَسِرُ فِي الضَّوْءِ
تُزَيِّنُ جَبْهَتَهَا
الأَعْمِدَةُ
وَثَمَّةَ حَنِينٌ جِدُّ
قَدِيمٍ إِلَي الصَّوَارِي
يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ
أَشْجَارِ الصَّنَوْبَرِ.
السُّفُن
عَلَي الشَّاطِئِ تَرْقُدُ
سُفُنُ الصَّيْدِ.
جَامِدَةٌ لَكِنْ مُفَتَّحَةُ
الأَعْيُنِ،
أَعْيُنِ التَّمَاثِيلِ
التِي لَهَا
وَمُنْحَنَي مِنْقَادِهَا
يَقْضُمُ العُزْلَةَ.
نَحْنُ نَتَحَقَّقُ
نَحْنُ نَتَحَقَّقُ
مِنْ كَذِبِ الحُلْمِ.
إِذَا كُنْتَ تُرِيدُهُ
هَكَذَا، يَا إِلَهِي.
سَنَكْسِرُ زُجَاجَ
السَّرَابِ،
سَنَكْسِرُ قَوْسَ قُزَحِ
الارْتِبَاطِ بِالوَرْدِ.
أَيُّهَا الشِّعْرُ
- كُلُّ مَا كُنْتُ طَلَبْتُهُ مِنْكَ
أَيُّهَا الشِّعْرُ
- كُلُّ مَا كُنْتُ طَلَبْتُهُ مِنْكَ!
أَرْضٌ لِلاَ أَحَدٍ،
وَهَا هِيَ ذِي حَيْثُ أَحْيَا
وَلاَ أَعْرِفُ مَنْ
أَكُونُ - أَنَا التِي لَمْ أَمُتْ
عِنْدَمَا كَانَ المَلِكُ
قَدْ مَاتَ وَانْقَسَمَتِ المَمْلَكَةُ.
فِي الزَّمَنِ المُوَزَّع
قَصِيدَةُ حُبٍّ لأَنْطوَانْ
وَكْلِيُوبَّاتْرَا
بِيَدَيْكَ قِسْتُ العَالَمَ
وَعَلَي المِيزَانِ
الدَّقِيقِ لِكَتِفَيْكَ
وَزَنْتُ ذَهَبَ الشَّمْسِ
وَشُحُوبَ القَمَر.
سُونِيتَة لأُورِيدِيسْ
أُورِيدِيسْ الضَّائِعَةُ
التِي فِي الرَّائِحَةِ
وَفِي أَصْوَاتِ البَحْرِ
تَبْحَثُ عَنْ أُورْفِيُّوسْ :
الغِيَّابُ الذِي يُعَمِّرُ
السَّمَاءَ وَالأَرْضَ
وَيَسْتَعِيدُ العَالَمَ
كُلَّهُ مِنَ الصَّمْتِ.
هَكَذَا تَجَرَّعْتُ
صَبِيحَاتِ الضَّبَابِ
وَتَوَقَّفْتُ عَنْ
أَنْ أَكُونَ حَيَّةً وَأَنْ أَكُونَ أَنَا نَفْسِي
بَاحِثَةً عَنْ وَجْهٍ
كَانَ وَجْهِي،
وَجْهِي السِّرِّي وَالصَّحِيح.
مَعَ ذَلِكَ حَتَّي
فِي المَدِّ وَالجَزْرِ، حَتَّي فِي السَّرَابِ،
لَمْ أَلْتَقِ بِكَ.
وَحْدَهُ كَانَ قَدْ أَشْرَقَ
الوَجْهُ الأَسِيلُ
وَالصَّافِي لِمَنْظَرِ الطَّبِيعَةِ.
ثُمَّ صِرْتُ بِبُطْءٍ
شَفَّافَةً
مِثْلَ مَنْ وُلِدَ
مَيِّتاً عَلَي صُورَتِكَ
وَبِأَمْرٍ مِنَ العَالِمَ
عَقِيمَةً وَشَارِدَةً.
بَحْرٌ جَدِيد
تَأَمُّلُ دُوقْ غَانْديَا
حَوْلَ مَوْتِ إِيزَابِيلا البرتغالية
أَبَداً
لَنْ يَكُونَ وَجْهُكِ
صَافِياً رَائِقاً وَحَيّاً
وَلاَ مِشْيَتُكِ مِثْلَ
مَوْجَةٍ هَارِبَةٍ
مُشْتَبِكَةٍ مَعَ خُطْوَاتِ
الزَّمَن.
وَأَبَداً لَنْ أَمْنَحَ
لِلزَّمَنِ حَيَاتِي.
أَبَداً لَنْ أَخْدُمَ
إِلَهاً يُمْكِنُهُ أَنْ يَمُوتَ.
إِنَّ ضَوْءَ المَسَاءِ
يُظْهِرُ لِي خَرَائِبَ
وُجُودِكِ. وَالعَفَنُ
قَرِيباً
سَيَبْتَلِعُ عَيْنَيْكِ
وَعِظَامَكِ
وَقَدْ وَضَعَ يَدَكِ
فِي يَدِهِ.
أَبَداً لَنْ أُحِبَّ
خَلِيقَةً لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعِيشَ
عَلَي الدَّوَامِ،
ذَلِكَ لأَنَّنِي أَحْبَبْتُ
[هُمْ] كَمَا لَوْ كَانُوا خَالِدِينَ :
المَجْدَ، الضَّوْءَ
وَوَمْضَ وُجُودِكِ،
أَحْبَبْتُكِ بِالفِعْلِ
وَفِي شَفَافِيَّةٍ،
وَلَمْ يَبْقَ لِيَ
عَلَي الأَقَلِّ إِلاَّ غِيَّابُكِ،
إِنَّكِ وَجْهُ الغَثَيَانِ
وَالإِنْكَارِ،
وَسَأُغْلِقُ عَيْنَيَّ
لِكَيْ لاَ أَرَاكِ.
أَبَداً لَنْ أَخْدُمَ
إِلَهاً يُمْكِنُهُ أَنْ يَمُوتَ.
الجُنْدِيُّ الـمَيِّتُ
السَّمَاوَاتُ اللاَّنِهَائِيَّةُ
تُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ
المُطْلَقِ وَالأَعْمَي
وَهَوَاءُ البَحْرِ
يُدَغْدِغُ الآنَ فَمَهُ
الذِي سَوْفَ لاَ يَمْنَحُ
لأَحَدٍ قُبْلَةً.
وَمَا زَالَتْ لَهُ
يَدَانِ خَاوِيَّتَانِ
مِنْ كُلِّ امْتِلاَكٍ،
وَانْدِفَاعٍ، وَوَعْدٍ.
وَمِنْ كَتِفَيْهِ يَلْمَعُ
انْتِظَارٌ
يَتَوَزَّعُ، مُتَشَظِّياً،
فِي المَسَاءِ.
وَالضَّوْءُ، السَّاعَاتُ،
الرَّوَابِي
تَتَصَرَّفُ مِثْلَ
دَمْعٍ حَوْلَ وَجْهِهِ
لأَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ
وَكَانَ قَدْ شَرَدَ
وَفِي السَّمَاءِ كَانَتْ
تَعْبُرُ طُيُورٌ قَلِيلَةٌ.
سيرة
كَانَ لِي أَصْدِقَاءٌ
ظَلُّوا يَمُوتُونَ، أَصْدِقَاءٌ ظَلُّوا يُغَادِرُونَ
آخَرُونَ كَانُوا يَكْسِرُونَ
وَجْهَهُمْ بِاتِّجَاهِ الزَّمَنِ.
كُنْتُ أَكْرَهُ مَا
كَانَ سَهْلاً
وَبَحَثْتُ عَنْ نَفْسِي
فِي الضَّوْءِ، فِي البَحْرِ، فِي الرِّيحِ.
الكِتَابُ السَّادِس
عَرُوسُ الشِّعْر
عَرُوسَ الشِّعْر عَلِّمِينِي
الإنْشَادَ
الجَلِيلَ العَتِيقَ،
الإِنْشَادَ مِنْ أَجْلِ
الجَمِيعِ،
الشَّامِلَ لِكُلِّ
شَيْءٍ
عَرُوسَ الشِّعْرِ عَلِّمِينِي
الإِنْشَادَ
الشَّقِيقَ الحَقَّ
لِلأَشْيَاءِ
مُلْهِبَ اللَّيْلِ
وَالسِّرَّ فِي المَسَاءِ
عَرُوسَ الشِّعْرِ عَلِّمِينِي
الإِنْشَادَ
حَيْثُ أَنَا نَفْسِي
أَتَبَدَّلُ
بِلاَ تَبَاطُؤٍ وَدُونَ
تَهَوُّرٍ
فَأُصْبِحُ نَبَاتاً
أَوْ حَجَراً
أَوْ جِدَاراً أَيْضاً
لِلدَّارِ البِدَائِيَّةِ
أَوْ هَدِيراً
لِلْبَحْرِ الذِي كَانَ
يُحْدِقُ بِهَا
(أَتَذَكَّرُ الأَرْضِيَّةَ
ذَاتَ السَّقِيفَةِ
المَغْسُولَةِ
وَرَائِحَتَهَا
التِي كَانَتْ تَخْتَرِقُنِي)
عَرُوسَ الشِّعْرِ عَلِّمِينِي
الإِنْشَادَ
حَيْثُ يَتَنَفَّسُ
البَحْرُ
مُزَيَّناً بِالالْتِمَاعَاتِ
عَرُوسَ الشِّعْرِ عَلِّمِينِي
الإِنْشَادَ
مِنَ النَّافِذَةِ المُرَبَّعَةِ
مِنَ الغُرْفَةِ البَيْضَاءِ
لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ
أَقُولَ كَيْفَ
لَمَسَ المَسَاءُ هُنَا
المَائِدَةَ وَالبَابَ
المِرْآةَ وَالجَسَدَ
وَكَيْفَ اسْتَعَادَهُمْ
لأنَّ الوَقْتَ يَبْتُرُنِي
يَقْتَسِمُنِي الوَقْتُ
يَجْتَازُنِي الوَقْتُ
وَيَفْصِلُنِي حَيَّةً
عَنِ التُّرَابِ وَعَنِ
الجِدَارِ
فِي الدَّارِ البِدَائِيَّةِ
عَرُوسَ الشِّعْرِ عَلِّمِينِي
الإِنْشَادَ
الجَلِيلَ العَتِيقَ
لِكَيْ أَلْتَقِطَ وَمْضَ
ذَلِكَ الصَّبَاحِ الصَّقِيلِ
الذِي كَانَ يَضَعُ
بِهُدُوءٍ
أَصَابِعَهُ فَوْقَ
الرَّابِيَّةِ
وَيَمُرُّ ثَانِيَةً
بِالجِيرِ عَلَي جُدْرَانِ
الدَّارِ النَّظِيفَةِ
البَيْضَاء
عَرُوسَ الشِّعْرِ عَلِّمِينِي
الإِنْشَادَ
الذِي يَذْبَحُ لِي
الحُنْجُرَةَ
ترجمة: حسن نجمي