ثم
إن مقالارت هذا العدد كتبت بلغات ثلاث، فتعكس مجتمعنا المتعدد
الثقافات. ونأمل بذلك أن نخاطب عداً كبيراً من قراء العربية والفرنسية
والإنكليزية على السواء. ولذلك ألحقنا كل مقالة بملخص في اللغتين
اللتين لم تكتب فيهما المقالة.
وفي
ترتيب مقالات المحور اخترنا أن ننتقل من الداخل إلى الخارج، أي
من الشهادات الشخصية التي تناولت علاقة الكاتبة بالكتابة، إلى
نصف الشخصية حيث تكلمت الكاتبة عن ذاتها لكي تحدد بعد ذلك مكانتها
بالنسبة لكاتبات معاصرات أخريات، وانتهينا إلى مقالات النقد الأدبي
الموضوعي، ولكن من غير أن نخرج على محورنا، أي المرأة-الكتابة.
بدافع
حماستي لمشروعنا منذ عدة أشهر كانت لي لقاءات مؤثرة مع بعض الكاتبات،
وقد أدهشتني قصة إحداهن:
كانت
أمها صماء، فكانت تكتب لهذه الأديبة حين كانت لا تزال طفلة ما
تريد أن تقوله لمن حولها، فما كان من الطفلة إلا أن تقرأ لهم ما
كانت قد كتبته الأم لتكتب لأمها بعد ذلك ما يكونون قد أجابوا.
توسلت
إلى هذه الأديبة أن تكتب لنا شهادتها ولكنها أجابت: "لست مستعدة،
لعد. إن ذلك يثير في ما لا أتحمل من الانفعالات. لست مستعدة، بعد،
للغوص في أعماق نفسي". إنها دخلت عالم الكتابة وسيطة بين الأم
والمجتمع، لسان حال غيرها منذ نعومة أظفارها؛ حتماً، للام تكن
الكتابة لعب أطفال لهذه الطفلة.
أما
الروائية هدى بركات فقد كلمتني عن الحجة الأدبية التي يشكلها بالنسبة
لها لاستخدامها راوياً ذكراً. ولكنها قالت إن روايتها التالية
سترويها أنثى. حينئذٍ تكون بركات مستعدة للكلام عن المرأة والكتابة،
على ما نظن.
تسكن
فينوس خوري-غاتا في باريس منذ اندلاع الحرب. وقد أخبرتني أنها،
منذ طفولتها، بدأت تبني وطناً من ورق قائماً على هذا الكذب-الصادق
الذي تمثله الكتابة. فيما تحتفل سميرة أغاسي بالكرنفال الذي تولده
الكتابة الشعرية في أعماق ذاتها، كتابة شعرية تدفقت فجأة تحت وابل
القنابل في بيروت.
أما
ميريام كوك فتكتب عن قوة الكاتبات العربيات؛ بينما تقرأ نهى بيومي
رواية أهل الهوى وكأنها بحث أنطولوجي عن الذات. الوجود هو الوجود
في الرغبة؛ وعليه فكيف نفهم صلة الأنا بالجسد وصلة الجسد بالمكان؟
صانعة
الكلمة كلير جبيلي ملتزمة التزاماً كاملاً في زمننا المضطرب وتضطلع
بوظيفتين لتعبّد واحد، تعبّد الكتابة. أما ليلى شيخاني-ناقوز فقد
كانت تكتب دائماً وتمزق ما تكتب. إن هذا الصراع ضد الكلمة ومع
الكلمة، لشاهد على ولادة الكلمة. وإيفلين عقاد تسبر أغوار سيرة
كاملة من خلال الكتابة، عائدة إلى الطفولة، إلى المراهقة، مسافرة
في أجواء أخرى. ومن خلال القصيدة والأغنية والرواية تكتشف عقاد
هويتها وانتمائها إلى العالم. أما بالنسبة لـجين سعيد مقدسي فإن
الكتابة تتدفق مدمرة. في البدء أرعبتها الكتابة ثم استخدمتها لتفهم
العالم وتجد مكانتها في قلبه. فيما تعي منى فياض الكتابة مقترنة
ببيئتها، وتببلغ سعاد جوزيف كامل نضجها حين يتفاعل في وئام تام
تدريبها العلمي المسمى "ذكورياً" وهويتها الأنثوية الخالصة.
وترى
يمنى العيد أنها تضع مرايا الكاتب الأدبي قبالة مرايا الناقد الأدبي،
وأنهما كليهما يعيدان بناء العالم حسب قراءتهما الشخصية الخاصة.
أما نازك سابا يارد فلا تحقق ذاتها كاملة إلا من خلال الكتابة،
مع أنها لا تنصرف إليها إلا بعد أن تقوم بكل واجباتها كامرأة وزوجة
وأم. وبالنسبة لسهام ناصر تمثل اللغة المسرحية الحياة نفسها. إنها
تكتب لتتخطى الكلمة لتجسدها في لغة الجسد، لتدخلها في كل صمت العالم.
أما ديزي الأمير فتتحدى إذ تحض العديد من الأفكار المسبقة حول
الكتابة. وكذلك تنبهنا أليز سالم منغانارو إلى خطر أن ندرس كتابة
النساء وحدهن، إذ لا يمكن في رأيها، أن نفصلها عن كتابة الرجال.
تحلل أمينة غصن أولى الروايات التي كتبتها الأديبة الجزائرية أحلام
مستغانمي باللغة العربية. في ذاكرة الجسد تصبح اللغة العربية لغة
الحي والمقاومة التي نجدها أيضاً عند ليلى بعلبكي التي تقدمها
أنيسة الأمين. فالكتابة بالنسبة لبعلبكي تمثل المقاومة والثورة
والتحرر. أما ايتيل عدنان فلا تأخذ إشكالية المرأة-الكتابة مأخذ
الجد. فلأنها تخطتها، على الأرجح، تكتب بفكاهة عن حب النساء للكلام.
عاشقة
الكلام أيضاً هي هندية المتصوفة التي يحدثنا عنها جاد حاتم. إنها
تتكلم، تقرأ وتظهر لها الرؤى، ولكنها لا تكتب. إنما يدون كتبة
رجال ما تملي هي عليهم. كذلك بقي حياً كلام بينلوبي الذي نقله
الشعراء المتجولون منذ عهد هوميروس وحتى يومنا هذا. وضاح شرارة
معجب بها إعجاباً شديداً. فبينيلوبي المتحكمة بالزمن، بالحياة
والموت، والشبيهة بشهرزاد وبمولي بلوم، تنسج بالكلمة ملحمة هوميروس
الخالدة.
تختلف
فيما بينها آراء الرجال الذين اشتركوا في عددنا هذا حول الكتابة
المسماة نسوية. إلا أن أنطوان بولس ليس أقل إعجاباً بماري شيلي،
رائدة رواية العلمي المتخيل، من شرارة بينيلوبي. وفيما "الكتابة
هي تعاطي الحب" بالمسبة لفيليب عرقتنجي، يحدثنا رفيق شيخاني عن
خنثوية الكاتب ويناقضه كل منن ابراهيم نجار وإليا حريق اللذين
يريان أن الكتابة لا جنس لها. أما منير شمعون فيتساءل عن هذا التاريخ
الذي فصّله الرجال على قياسهم، لماذا قاطع طويلاً نشر ما تكتبه
النساء. وفي نهاية المطاف يبين جورج خضر ما في المرأة من إنسانية
كاملة مؤكداً أن فرادتها وإبداعها يسهمان في خلق عالم أكثر إنسانية.
***
الآن،
وقد فرغت من قراءة الشهادات التي تضمنها المحور، أصل إلى اعترافاتي
أنا. فما كان دور الكتابة في حياتي أنا؟ لقد كتبت مذكراتي الشخصية
خلال حياتي كلها. وفي كل مرحلة هامة كنت أسجل اعترافاتي على الصفحة
البيضاء ، من غير مواربة أو خجل. كنت في الثانية عشرة من عمري
حين كلف والدي بمهمة رسمية في روسييا أيام ستالين. حملت معي دفتراً
جميلاً جديداً وبدأت أكتب انطباعاتي على ظهر السفينة التي أقلتنا
إلى باتوم على البحر الأسود. اكتشاف هذا العالم الشاسع، أولى إطلالاتي
على المجتمع، مشاعري، قراءة السرية لـ مدام بوفاري والجريمة والعقاب
وغيرهما، كلها جعلتني أحلم بأن أصبح كاتبة يوماً ما. فمن خلال
هذه الدفاتر، أصدقائي المخلصين، أقمت حواري الأول مع العالم.
وفي
وقت لاحق أحببت، وقررنا أن نتزوج، بسرعة أصبح رجل حياتي الإنسان
الثمين الوحيد في الدنيا. فبحت لدفتري بدهشتي. بحبي. وكانت الفضيحة!
أنا درزية وهو مسيحي. فامتصت الكتابة ما فاض من ثورة وغضب، ومن
حب أيضاً. عقد القران، وظلت الكتابة تعكس أفكاري، مشاعري. سمحت
لي بأن أندمج في عالم صنعته على قياسي. لها انتظمت تجاربي وتوضحت
رؤياي. أعجوبة إنجاب الأولاد، الألم الذي نحس به نتيجة صراع مع
المحبوب، الدفاتر الاثنا عشر التي قرأناها معاً قبل أن تُحرق،
قرباناً شبه ديني.
ثم
ملأت الكلمات حياتي مجدداً حين عدت فيما بعد إلى الجامعة، أكملت
دراستي الجامعية متخصصة في الأدب. قرأت، عطشى، الروائع الكلاسيكية
وبدأت أكتب من جديد. وفي سن الرشد اكتشفت القضايا الكبرى: الغربة
والظلم والبحث عن الهوية وأمثالها من القضايا التي وجدت صدى في
أعمق أعماقي.
ثم
نشبت الحرب وتزلزل العالم تحت أقدامنا. وفي الهزة العميقة التي
أصابتنا عشنا بدورنا ما كنت قد قرأت عنه في كتابة غيري. قاومت
بصمت التفتت الماساوي الذي أصاب البلد، تنقلت تحت القذائف كي أقوم
بوظيفتي في التعليم وتابعت كتابتي وأبحاثي.
فجأة
توقفت حياتي مع حياة رفيقي الذي قتل في بيتنا. في لحظة أُلغيت
حياة إنسان. وكتبت. ساعدتني الكتابة على الاستمرار.
قال
أندريه مالرو إن الفن يؤنس العالم. هذا ما فعلته الكتابة بالنسبة
لي. إنها وصلتني بالعالم. وهي التي تجعلني الآن أصفى ذهناً، أرهف
إحساساً، وتساعدني على وعي العالم الخارجي.
فما
مهنى هذا كله؟ إلام أهدف من خلاله؟
أريد
بكل بساطة أن أقول بأنني لست "نسوية"، وإنما إنسانية، مؤمنة إيماناً
عميقاً بكل فرد.
وإن
كان علي أن أتخذ موقفاً من إشكالية المرأة-الكتابة أقول أن الجميع،
رجالاً ونساء، يشعرون بالحاجة عينها إلى التعبير عن أنفسهم، إلى
من يسمعهم. أليس لدينا جميعاً رغبات وأحلام وأوهام.
أليس
بين شهادات هذا العدد ما يجد صدى في نفوس الكتاب الرجال؟ إنها
شهادات وجودية من صميم تجربة الكتابة وتعبر عن حقائق شاملة: اكتشاف
الأنا والعالم، الثورة، الغضب، التحرر.
صحيح
أن العقبات كانت قاسية بالنسبة للمرأة، وأنها لم تبدأ تتخطاها
إلا مؤخراً. ولكنها سريعاً ما تلحق، لاهثة، بإخوانها، لأنها تمحي
الفروقات ويبقى الصوت فريداً.
الكتاب الثاني: المرأة والكتابة 1995-1996
منى
تقي الدين أميوني - (تجمع الباحثات اللبنانيات)