أضواء
خافتة

احتفالات
مائية
في
الفيلم الاميركي "مدينة الملائكة" يقرر أحد الملائكة أحبّ امرأة
من البشر أن يتحوّل انساناً ليبقى معها. وفي مشهد معبّر عمّا يحسد
أهل السماء أهل الأرض عليه نشاهد الملاك المتجسّد (يؤدي الدور نيكولاس
كيدج) واقفاً تحت رذاذ مياه "الدوش"، مستمتعاً بما لم يكن اختبره،
متأمّلاً في ملامسة المياه الدافئة جسده المكتشف. ونراه في مشهد
آخر، مستسلماً لوسع المحيط يرتمي فيه ويسعد لإنه انسان، رغم ان المرأة
التي خسر الخلود من أجلها ماتت.
يقتحم
المشهد زجاج السيارة المبرّدة حين أراقب الأولاد المتسوّلين على
الطرقات الملتهبة بالحر والغبار، أو حين يستوقفني منظر سائقي الشاحنات
يستريحون الى جانب الطريق ويشربون الشاي الأسود على الإسفلت الأسود
قبل أن يتابعوا رحلة العمل والتعب على طرقات تهتزّ تحت ثقل مركباتهم،
قبل أن تستسلم امام بساطة أحلامهم. أعبر في سيّارتي الصغيرة وأفكّر
في أن لا شيء يمحو قسوة الطريق عن أجساد اولئك الصغار أو من عيون
هؤلاء السائقين إلا وقفة تحت رذاذ المياه النظيفة الدافئة.
قد
يكون حرمان الجسد من الاستسلام للمياه أقسى أنواع الفقر والتعذيب.
***
تشكو
الجنيّات من الوحدة والضجر. فمنذ وصلت المياه الى البيوت وغاب الناس
عن ارتياد الينابيع، جفّت العيون، وشحّت السواقي، وامّحت حكايات
الإغراء وبهتت حفلات الجنّ الصاخبة الماجنة المجانية، وصارت فتيات
ليل الينابيع عاطلات عن العمل، محرومات من المتعة. وأخذ الناس يبحثون
على شاشات التلفزيون أو في الملاهي عن الجنيّات حاملات السحر ومثيرات
الخيال. لكنّ المياه التي غارت في جوف الفراغ أخذت معها كل متعة
وغموض، فصارت حكايات السهر ثرثرة منثورة فوق تربة العمر القاحلة.
لم
تكن جنيّة المياه تظهر نفسها أمام الجميع. تختار معجبيها فتمنحهم
نعمة رؤيتها متلألئة حيناً بثيابها الزرقاء وتاجها المتوهّج، وطوراً
عارية تغسل عند ضفة النهر شعرها الطويل الأشقر - والجنيات شقراوات
دوماً في مخيّلة الناس المأخوذين بالغربة -. وبعد كل مرة تظهر فيها،
تتفجّر الرغبات المكبوتة حكايات لا يتعب أصحابها من سردها، ولا يضجر
المستمعون إليها من الاستسلام لها، وتتدفّق أنهار الكلمات جارفة
تعب النهارات ورتابة الهموم. وحين يلامس خدّ السهرة مخدّة الليل،
وتخرج الجنيّات من رحم المياه، يولد إنسان جديد أبوه الحلم وأمّه
الرغبة.
كانت
المياه. وكان رجل ينتظر عند بركة العين جنيّة المياه لتمدّ له يدها
وتدعوه الى اللحاق بها.
***
كانت
تحتفظ لي بحبّات الحلوى الملوّنة. تضعها في محرمتها وتخبئها في عبّها
وتقدّمها لي عندما أصل في محاولة منها لإغرائي بالاقتراب منها والسماح
لها بتقبيلي. ولم أخضع للإغراء يوماً. كانت شيخوختها السوداء تخيف
طفولتي الأنيقة، ولم أستطع أن أفهم عهدذاك رغبة والديّ في اصطحابي
معهما كلّما ارادا زيارتها. وكنت أصلّي كلما طرح والدي على والدتي
فكرة القيام بزيارة لقريبته، كي تكون العجوز مريضة في المستشفى أو
غائبة في زيارة أو يصل خبر وفاتها قبل صعودنا الى السيارة. بيد أننا
كنا نجدها دوماً جالسة على مقعدها الخشبي الواطئ كأنها على عرش حكمها
الأبدي، يداها تلوّحان في فضاء ممتلئ بالذباب، ورجلاها غارقتان في
مياه غسل الأرض. كانت تقوم بمهمات كثيرة في وقت واحد: تصرخ على الأولاد،
تؤنّب كنّتها، توزّع الأوامر، تسأل أهلي عن باقي أفراد العائلة،
تغلي القهوة على بابور كاز موضوع أمامها لا يجرؤ على الحراك. وفجأة
تقوم بما كنت أخاف ان تقوم به: تمدّ يدها الى صدرها، وتدفعها بين
ثيابها لتخرج المحرمة إياها، ثم تفتحها وهي تراقب أحفادها خشية أن
يروا كنزها الثمين، وتقرّب منّي يدها النحيلة وتقدم إليّ حبات الملبّس
الملونة. يومذاك، وقبل أن أمد يدي الخجلة حيال إصرارها ونظرات والدي
التي تؤنّب تردّدي واشمئزازي، تناثرت حبّات الملبّس في حفرة المياه
الوسخة عند نعليها العتيقين، فاختلطت الألوان وتداخلت وغاب الأزرق
في عبّ الزهري واختفى الأصفر في ثنايا الأبيض وتواريا معاً. وكادت
ابتسامة الخلاص ترتسم على وجهي لولا قيام العجوز بحركة سريعة جمعت
فيها الحبّات الباهتات، ومسحت عن وجوههنّ حبيبات المياه بأصابعها
الطويلة، وأعادت تقديمها إليّ كأن شيئاً لم يكن.
كانت
المياه. وكانت امرأة لا تشبه جنّيات الينابيع، تجلس على حافة عمرها
وتضع رجليها في مستنقع الموت وتنتظر أن أمد يدي لآخذ هديتها.
مشوار
الينابيع
|
1-
رجلان:
أحدهما
ينام مع جسدها
والآخر
ينام معه فكرها.
وفي
الحالتين لا تجد متعة.
2-
مزارعو الماضي
مثقّفو
الحاضر
خدم
المستقبل:
مختصر
دروس التاريخ.
3-
عندما تمرّ الشاحنة الكبيرة
تخاف
الشجرة وترتجف
وتصاب
أوراقها بغبار اللون.
4-
ليس إلا مشروع صداقة
يحتاج
الى الوقت كي ينفّذ. |
5-
لماذا الفعلة قليلون مع ان الحصاد كثير؟
لأن
جميع الذين في الحقل يريدون أن يكونوا
مناظرين
على العمّال.
6-
الينابيع الغبيّة
لا
تعرف أن مشوارها المتفجّر
سيكلّفها
حياتها.
7-
كنت مسرعة للقائه
فنسيت
نفسي في البيت.
وحين
لم ينتبه الى ذلك
أدركت
أن علاقتنا انتهت. |
ماري
القصيفي - النهار - الاثنين 7 تموز 2003