البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

الملتقي الدولي الثالث للمرأة والكتابة:

مداخلات وشهادات حول الذات والهوية والإبداع النسائي

اختتمت يوم السبت 12 تموز (يوليو) 2003، أشغال الملتقي الدولي الثالث للمرأة والكتابة الذي ينظمه المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب بتنسيق مع فرع الاتحاد باسفي ودعم من جهة دكالة عبدة. هذه الدورة التي اختير لها موضوع الذات والهوية، كمحور للمداخلات النقدية والشهادات، وتكريم الفنانة التشكيلية الشعيبية طلال. ومعلوم أن الدورة الأولي نظمت تحت محور المرأة والكتابة والمجتمع مقاربات وتجليات 2001 أما الدورة الثانية فقد فتح اتحاد كتاب المغرب نوافذ الندوة مشرعة علي الجانب المتوسطي والتي نظمت تحت محور ذاكرة مكان ليتعزز الملتقي الثالث بحضور وإشعاع دولي، مكن هذا التقليد الثقافي أن يؤسس الأبدي بمدينة اسفي الساحلية، هذه المدينة التي ظلت علي الدوام سؤالا مشرعا مسكونا بقلق الهوية، والذات.
الجلسة الافتتاحية التي ترأسها الناقد عبدالرحيم العلام، أكد رئيس اتحاد كتاب المغرب الشاعر حسن نجمي أن الملتقي فرصة للتداول حول العلاقة بين الذات والهوية وعلاقتهما بالتجربة الإبداعية النسائية، مؤكدا علي البعد الروحي والصوفي للمدينة. الباحث المسرحي سالم اكويندي كاتب فرع الاتحاد باسفي قدم نصا طقوسيا استطاع عبره أن يصوغ ذات اسفي وهويتها في تجلي سحري رابطا ذلك بذاكرة هذه المدينة الناطقة دوما، مما يؤهلها أن تظل خزانا لا ينضب للمخيل الإبداعي.

الذات والهوية: مداخلات

تعددت الجلسات المتعلقة بمحور الندوة، إلي الحد الذي تحول معه الملتقي إلي طبق دسم للبحت والتأويل.. فالجلسة الأولي التي أدارها الناقد والقاص عبدالنبي دشين والتي أكد في مستهلها علي فشل كل عمليات تكميم الأفواه، فمحور الندوة لم يختر عبثا بل كان مركزا وضروريا. الجلسة طرحت العديد من الأسئلة المتعلقة بالموضوع، سواء الناقد أيت لعميم محمد في مداخلته سرد الذات والهوية المفتقدة الناقدة التونسية فوزية الصفار، الكويتية ليلي محمد صالح، الناقد المغربي بشير القمري والناقد هشام العلوي. فإذا كان سؤال الهوية قد ظل مهمشا بالنسبة للأستاذ آيت لعميم، فالروائية محمد صالح من الكويت تري الإبداع فرصة للتغيير والتجديد والاكتشاف لذلك كانت ميالة دائمة لمحاورة ذاتها. أما الناقدة التونسية فوزية الصبار فقد انطلقت من محنة الكتابة النسائية في البحث عن الهوية من خلال رواية حفيظة قارابيباي (دروب الفرار)، مشيرة أنها نموذج لسؤال البحث عن الهوية، أما الناقد بشير القمري فعلق مؤكدا علي أهمية البحث عن علائق التقاطع بين المناهج والمواقف الثقافية للإجابة عن سؤال الذات والهوية. أما الناقد هشام العلوي فأكد علي مرور النصوص بأسئلة الجسد وهواجس الهوية وجروح الانتماء الجنسي لذلك اختار نموذج رواية محمد شكري الخبز الحافي لإظهار أن المرأة ليست فقط جسد صرف بل هي أيضا حمولة من السلوكيات والحالات والمواقف.
وتزيد مداخلات الأساتذة أحمد شراك، حسن المودن، أحمد فرشوخ، الحبيب الدايم ربي، الطائع الحداوي عبداللطيف البازي، محمد معتصم، فاطمة بوزيان... من تعميق أسئلة البحث من خلال ذات المرأة المبدعة والهويات الكاشفة، وتظل الملاحظة المركزية خلال الجلسات المخصصة لموضوع الذات والهوية هي تركيز جل المداخلات علي نصوص إبداعية تكشف من خلالها هذا البعد.

تكريم الفنانة الشعيبية طلال

ندوة التكريم، شكلت احتفاء خاصا بالمبدعة والفنانة التشكيلية الشعيبية طلال وكما أكد الشاعر حسن نجمي فهذه الفنانة الأصيلة ظلت تطبع ذاكرتها وجسدها تلك الآثار البعيدة والبصمات المنقوشة منذ زمن لتستحضرها في أعمالها بشغف الألوان والضوء ، أما الناقد التشكيلي الحسين عميروش فأكد أن أعمال الشعيبية تنزاح عن الفن الساذج ولوحاتها محاولة ترتيب حسها الفطري.
وبالنسبة للكاتب إدريس الخوري فالفنانة الشعيبية ظهرت في وقت كان الرسم بالمغرب يسير في اتجاهين الأول فطري أسسه محمد الادريسي، بن علال، الورديغي... والثاني تجريدي تأسس بعودة مجموعة من الفنانين من باريس وروما بعد انتهاء دراستهم في معاهدها.إن الفنانة الشعيبية يشير الكاتب الكبير إدريس الخوري استطاعت أن تغير نظرة الاحتقار للفن الفطري وتمكنت من تجسيد لهوية مغربية أصيلة.
أما التشكيلي ابراهيم الحيسن فقد قدم بصريا علي الشاشة تحدث فيه من خلال طقوس صحراوية علي الشعيبية، في تفاصيل دقيقة مغلفة بحس جمالي بالغ.
وقد حضر اللقاء ابن المحتفي بها الفنان الحسين طلال والذي قد في البداية شكره لهذا الاعتراف ولهذه الشهادة الأدبية لفنانة ظلت مسكونة بهوية متعددة.

الشهادات

جلسة الشهادات أدارها الناقد المغربي أحمد شراك استهلت مداخلاتها الكاتبة المغربية ليلي الشافعي بسؤال استفزازي مؤ طرا بمحور الندوة: هل عرفت نفسي. وقد طرحته في بحثها عن مفهوم الهوية الذي اكتشفته من خلال الكتابة. وتزيد من تعميق سؤالها بالتأكيد علي أن القهر واستمراره جعل المرأة دائمة الانشغال بذاتها لإثبات وجودها.
الكاتبة رجاء الطالبي اختارت الكتابة لأنها الشرط الوحيد لإمكانية التعرف علي ذاتها ككيان متشظ يتأسس في التحول والتغيير، معتبرة أن فعل الكتابة، هو ممارسة لفعل الحفر في الذات، أما الكاتبة لطيفة لبصير فقد قدمت نصا موسوما طامو وفيه تجلي مكشوف علي هذه العلاقة المبتسرة بين الكتابة * الذات * الهوية. القاصة مليكة نجيب فتحت مواجهة قلقة بين الكتابة والذات والهوية، بين العنف والاغتراب. مؤكدة علي فعل الاحتماء الممكن لإعلان العصيان.

القراءات الشعرية

اختار اتحاد كتاب المغرب هذه السنة، أن تشكل لحظة القراءات الشعرية طقسا صوفيا خاصا امتزج بطقوس موسيقية تراثية صوفية أيضا، عبر مشاركة وازنة لفرقتي أحمادشة واكناوة.
فكل الشاعرات: المغربية أمينة المريني، اليمنية ابتسام المتوكل، العراقية بلقيس حميد حسن، الجزائرية زينب الأعوج، الإيطالية دوناتيلا بيزوتي، الإسبانية راييس دي كومزالو، المغربية مجيدة بنكيران..خلقن توحدهن في لحظتين اثنتين المكان: مسرح روماني تظلله السماء، حركة الضوء الملائمة. والقصيدة: حين يلتئم الشعر بالدهشة والبوح.. فقصائد نوارة لهبيلة، غواية، الولادة والموت، بحواس خمس، فن الحب، تطور، حنين، حضر موت، إبادة.. التأمت في ديوان شعري توزع عبر جلستين اثنتين لتتوحد الذات الشاعرة بهوية أصيلة البوح.
وقد عرقت القراءات الشعرية مشاركة الشاعرين المغربيين محمد الصالحي، وأحمد العمراوي. وتبقي فقرة الموسيقي سواء فرقة احمادشة أو فرقة اكناوة اكتمالا بلاغيا مهما قدم للشعر وفي ليلتين متتاليتين طقسا التوحد والمطلق.

الدارالبيضاء..يا الدارالبيضاء..

تأبطت المخرجة السينمائية فريدة بليزيد فيلمها الأخير الدارالبيضاء.. يا الدارالبيضاء لتحضر للمتلقي الدولي الثالث باختيار واع: إشراك النقاد والشاعرات والكتاب في نقاش فيلها الأخير الذي رغبت أن تتجاوز نفسها عبره، فبعيدا عن أسلوب اشتغالها المعهود، بعيدا عن ذاك الملمح الشعري الذي ظل يغلف تجربتها السينمائية، اختارت المخرجة هذه المرة مدينة الدارالبيضاء لتطل من خلالها علي حركة مجتمع في لحظة صدام حقيقي مع أفقه الديمقراطي، لحظة التجاوز الصعب..من الصعب الوقوف علي اختيار المخرجة، مادامت تؤكد علي أنها في هذا الفيلم سعت جاهدة للفهم، لكن الأهم هو فعل الرواية فيها، فحتي مراجعتها السيناريستية مع المخرج أحمد بولان، لم تزد إلا تعميق رؤية التجاوز.
ويبدو أن حركة الكاميرا هذه المرة فتحت للمخرجة أفقا قد يكون صعبا مادامت الحكاية الفيلمية تتحول لحكايات، والمونطاج لا يقدم إلا تلك الرتابة، وتظل الصورة منطق الأصل، تظهر أحيانا خلال الفيلم لتؤكد للمخرجة فريدة بليزيد أصل الاختيار ولونها وأسلوبها السينمائي المطلوب.
تجدر الإشارة، أن العرض السينمائي للمخرجة فريدة بليزيد كان خاصا بالمشاركات والمشاركين، مما فتح شهية الكل لفتح نقاش مع المخرجة التي قدمت فيلمها قبل الجينيريك. ليكمل النقاش ماتبقي...

صورة المرأة في المسرح والسينما

أشار الناقد السينمائي حمادي كيروم في مداخلته الخاصة بمحور صورة المرأة في المسرح والسينما لثنائية الحضور: الأم القديسة، والمرأة المومس، أما الباحث المسرحي سالم اكويندي، والناقد المسرحي حسن اليوسفي، والأستاذة مليكة البخاري فقد قاربوا هذا الحضور من خلال مراجعة الربرتوار المسرحي مما أفرز حضورا متعددا، حضور المرأة في متخيل النص المسرحي وغيابها علي مستوي الكتابة الدراماتورجية والإخراج المسرحي. وقد أجمع المتدخلون علي أن المسرح المغرب قد استلهم أغلب نصوصه من التراث لذا كرس صورة نمطية للمرأة وأبرز واقعها الدوني. مع التأكيد هنا سؤال الوجود، وما يتمثل في سؤالي الذات والهوية.

علي سبيل الختم

الملتقي الرابع للسنة المقبلة حدد له محور رهانات الجسد بمعني أن الملتقي الدولي للمرأة والكتابة قد تحول لتقليد حقيقي للتأمل والبحث، ويبدو أن اتحاد كتاب المغرب بدا أكثر انشغالا بتأسيس مديرية تشرف علي التنظيم والمتابعة..يبقي الأهم أن ملتقي المرأة والكتابة لا يمثل فرصة لتأمل التجربة الإبداعية النسائية فقط، بل رهان ثقافي يمكن المشاركات والمشاركين لخلق أفق البحث والتأويل والمعرفة..

 

اسفي - (المغرب) - القدس العربي - من عبدالحق ميفراني - 2003/07/26


 

Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri