
"اللغة
والمرآة"
من
لا يكون عاشقاً
فهو وحده الذي
يرى صورته في
المرآة. هذا
ما يقوله جلال
الدين الرومي
مبيّناً علّة
نرسيس المأخوذ
بصورته. والماء
كما نعلم هو
المرآة الأولى،
مثلما عيون
الآخرين هي
مرآتنا، لكن
جملة الرومي
لا تشكّل تلخيصاً
أو نتيجة لكتاب
حورية عبد الواحد
مع أنها تأتي
متأخرة، والأخرى
بنا أن نشير
إلى أنه كتاب
عصيّ على التلخيص،
فهو يذهب إلى
خلخلة مجموعة
من النصوص وتعريضها
للانقسام والتشظّي
مثلما تفعل
المرايا بالصور.
هنا تتجاور
المعرفة باللغة
مع التحليل
النفسي مع إعطاء
الأولوية للّغة،
فعالم النفس
لم يعد أخصائيّاً
بالمعنى الطبي
للكلمة وحسب،
بل يتطلّب الأمر
منه أن يكون
عارفاً باللغة
لأنّه يتعاطى
أولاً مع نصوص.
المحلل
النفسي، الذي
يستمع إلى مريض
يسرد حلما،
لا يشاهد الحلم،
بل يستمع إلى
نصّ يُسرد،
وبالتالي فإنّ
مجال معرفته
يتبدى في مقدرته
على قراءة هذا
النصّ، وفي
إدراك المسافة
بين الحلم وسرد
الحلم. أما هذا
الكتاب فلا
يناقش حالات
سريرية إلا
فيما ندر، لأن
الكاتبة تذهب
إلى النصوص
الكبرى المؤسِّسة
للوعي، وتعرّضها
لقراءة دقيقة
وكثيفة في آن
واحد، وكأنها
بذلك تذهب إلى
مقاربة "الوجدان"
الثقافي العربي،
إن في ينابيعه
اللغوية، أو
في ينابيعها
لدينية.
تحتل
موضوعة الرؤية
موقعاً مركزياً
في أطروحات
حورية عبد الواحد،
ولا يغيب عنها
ذلك التنافس
"التاريخي"
بين حاستي البصر
والسمع. أما
البصر فهو يؤذن
ببدء سيرورة
الحضارة كما
سبق وعبّر عن
ذلك فرويد،
فالإنسان المنتصب،
الذي يرفع أنفه
ويرى بدلاً
من أن يشمّ،
هو إنسان الحضارة،وهو
في الوقت ذاته
إنسان اللغة
بمعناها التركيبي،
حيث يغدو الابتعاد
عن الأرض فارقا
في قلب اللغة،
فيولد المجاز
من انتصاب الإنسان
على قدميه،
إذ أن المبدأ
الذي يتيح إنشاء
حقول دلالية
هو ذلك الذي
يحافظ على انفصال
بالنسبة إلى
المعنى الحقيقي،وعلى
مسافة بالنسبة
إلى الشيء الأول.
فالمسافة بين
الرأس المنتصب
والأرض هي مسافة
ضرورية من أجل
الحقول الدلالية
التي بنت الحضارة،
وفي التعبير
الأدقّ للكاتبة
فإنه ثمّة ضرورة
لعمودية من
أجل أن يكون
النظر مخترَقاً
بتجربة الفقد.
ليس من
المصادفة إذن
أن كلمة "إنسان"
تعني أيضاً
بؤبؤ العين،
مثلما لم يكن
من المصادفة
أن اسم النبي
إبراهيم مشتقّ
من الجذر اللغوي
"ب ر ه م" ومعناه
أدام النظر،
فرحلة إبراهيم
من الشكّ إلى
اليقين تبدأ
بإنكاره ألوهية
الأصنام بالقول:
كيف أعبد من
أراه ولا يراني؟.
لهذا يتحول
إلى عبادة الشمس
والقمر، لكنه
ما يلبث أن ينكر
ألوهيتهما
فهما يبزغان
ثم يغيبان،
بينما هو في
بحثه الدؤوب
عن الدائم الذي
لا يأفل ولا
يغيب. لم يكن
من السهل عليه
اكتشاف المعنى
بوصفه غياباً،
لأن التخلص
من الانشغال
بالمرئي أمر
صعب حين يكون
اسم المرء إبراهيم،
فالانصراف
عن التقليب
بالنظر، عن
الملامسة بالعينين،
حينما يحمل
اسمنا تلك الإشارة
إلى البصري
لا يمكن أن يحدث
إلا عبر اقتلاع
رهيب. ومع هذا
فإن مسألة الرؤية
التي وجدت لها
حلاً عند إبراهيم
بقيت إشكالية
مستمرة. فموسى
يطالب: أرني
أنظر إليك. ويأتيه
الجواب: لن تراني.
فاستحالة الرؤية
معادل للعذاب
الناجم عن الانفصال،
وكان الحلاج
مسكوناً بهذا
الغياب، كان
الغياب يمزقه،
وقد انتزع منه
هذه الصرخة
من الألم: ولكن
أين تحتجب؟
إذن،
بقي نرسيس رهين
صورته، هلك
ضحية عينيه،
لأنه لم يكتشف
الفراغ المكوِّن
للعلاقة بين
الدال والمدلول.
لم تكن علة نرسيس
في حبه لذاته،
فالإنسان لا
يحب إلا نفسه
ولكن بعد أن
يقوم بنقلة،
وهذه النقلة
هي المرور عبر
الآخر. لقد كان
نرسيس جاهلاً
لقاعدة بسيطة
بقدر ما هي جوهرية
مفادها أن الإنسان
لا يستطيع الوصول
إلى ذاته من
دون أن يتحول
عبر الآخر،
والإيروس هو
الذي يتكفل
بهذا التحول.
بإلغائه لمسافة
الفقد فإن عذاب
نرسيس كان في
بقائه فيحيّز
الرؤية التي
لا تحتمل أي
مجاز، بل إنه
كان في حيّز
الصورة التي
لا تنقسم ولا
تولّد أي دلالة.
نرسيس افتقد
التفكير، من
حيث أن التفكير
هو جعل الغيرية
حاضرة في الذات.
لقد كان يرى
صورته، والأرجح
أنه لم يكن يسمع
إطلاقاً، وعلى
هذا فإن مأساته
تتلخص في أنه
لم يغادر المرئي
إلى اللامرئي.
ولم يدرك أن
لفظ الكلمة
هو الذي يخلق
الصورة، وبالطبع
لم يتوصل أبداً
إلى ذلك الحب
الصوفي الذي
يلخصه محي الدين
ابن عربي بأن
أصل الحب الذي
نكنّه لله موجود
في السمع لا
في البصر، بمقتضى
تلك الكلمة
التي خاطبنا
بها حين كنا
مادة أولية
من العماء: كن.
فمن دون هذه
الكلمة كنا
سنظل في عدم
مطلق ولكنه
قال: كن. فكان
أول متكلم وكنت
أول سامع، ولهذا
فإن الصفة الإلهية
التي خلقت الكون
هي الكلام.
يتوافق
الادعاء الصوفي
بأولوية الكلام
"السمع" مع
النظريات اللغوية
الحديثة، ولهذا
فإن الكاتبة
تجد سنداً قوياً
في نصوص محي
الدين ابن عربي.
فالأخير بصوفيته
اللغوية قد
صدّع اللغة،
وخلخل بنيانها
بتأويلات لم
تكن متداولة
من قبل. وبإحالته
الخلق إلى كلام
فإن ابن عربي
يصنع جسداً
للّغة يخترقه
النَفَس وتموج
فيه الأهواء،
أو تتصارع أحياناً.
وإذا تذكرنا
إشارة غاستون
باشلار إلى
أن الإنسان
صنيعة الرغبة
وليس صنيعة
الحاجة، وأضفنا
هذه الإشارة
إلى ما سبق،
فإن ما يحدث
هو أن الرغبة
محمولةٌ على
أثير الكلام،
فلا يتوقف الكلام
عند حدوده اللغوية،
بل يصبح جسداً
مخترَقاً بالنفس
البشرية، فهو
مخترَق بحركاتالرغبة،
مثلما هو مخترَق
بنبضات عدوانية،
والموروث الاجتماعي
اللغوي يشي
بهذا فنحن نقول
إن اللسان جارح،
واللسان قاتل
أيضاً، وليس
عبثاً أن المعادل
لجملة "قالوابزيد"
هو "قتلوه".
فالعودة
إذن إلى الجذر
اللغوي، واقتفاء
أثر القرابة
أو الاختلاف،يكشفان
عن التأسيس
النفسي للجماعة
اللغوية. وبهذا
المعنى فإن
بنية اللغة
هي بنية نفسية
في الوقت ذاته،
وليس غريباً
إذن أن مريض
"الذهان" هو
شخص فاقد للنظام
اللغوي،أو
على الأقل هو
يفتقد القطب
الحسي للّغة،
في حين يسعى
مريض الشيزوفرينيا
إلى أن يستنطق
الجماد. النصّ
اللغوي مسكون
بتصدّعات النفس،
حتى وإن حاول
المتكلم إخفاء
أو تمويه هذه
التصدّعات،
فليس من السهل
كبت النبضات
التي تسري في
الكلام، أما
امتلاكا لقدرة
على كبت هذه
النبضات تماماً
فهو يشي بصدع
أكبر. ولعل من
الغريب في هذا
الصددأن الكاتبة
تناقش بعض النصوص
المؤسِّسة
للجماعة اللغوية
العربية من
دون أية إشارة
إلى مؤسس علم
النفس الجمعي
يونغ، أو حتى
فروم، في الوقت
الذي تحضر فيه
مقولات فرويد
سواء لجهة تثبيتها،
أو على الأغلب
لجهة نقضها.
إذا خيّل
لك للوهلة الأولى
أنعنوان هذا
الكتاب هو "اللغة
والمرأة" فهذا
ليس بالخطأ
الكبير لأن
المرأة تتقاسم
الجذر اللغوي
نفسه مع المرآة،
ولأن الكاتبة
نفسها لم تغفل
عن هذا الجذر
إذ تشير إلى
أن المرأة تظل
متعلقة بما
هو مرآوي، فهي
بصرية بعمق
لأنها مقيمة
لغوياً في الموقع
الذي تسكنه
الرؤية والرؤيا.
ومن خلال تجاورها
مع الرؤية والرؤيا
يمكن إعادة
قراءة "ألف
ليلة وليلة"،
حيث تمتلك شهرزاد
سحر المعرفة،
وبتعبير أدقّ
تمتلك المرأة
هنا الأسرار،
إذ لطالما نُظر
إلى المرأة
على أنها حقل
دلالي كثيف،
ولكن يكتنفه
الغموض . طبعاً
لا يفوت الكاتبة
المغربية الأصل
أن تذكّر بالإقصاء
الذي تتعرض
له المرأة في
المجتمعات
العربية، هذا
الإقصاء الذي
لا بدّ وأن ينعكس
لغوياً، فعندما
تُجمع "المرأة"
على "نساء"
فإنها تقصى
خارج جذرها
اللغوي، فجذر
كلمة "نساء"
يعني جاء متأخراً،
وأيضاً النسء
في اللغة هو
المخدر الباعث
على الدوار
أو الشراب الذي
يُفقدالعقل،
وليس من المصادفة
أيضاً أن أم
إسماعيل التي
تركها زوجها
ابراهيم وحيدة
في الصحراء
مع ابنها كان
اسمها "هاجر"،
وعندما تُبعد
المرأة عن جذرها
اللغوي لتصبح
"نساء" فهذا
يعادل أن تعيد
كل امرأة سيرة
النفي الأولى
لهاجر وابنها،
ولربما كان
منباب العزاء
أن تبني الكاتبة
على سيرة النفي
هذه بالقول:
إذا كان المنفى
هو ما يتيح الكتابة
فإن الكتابة
تكون إذن أنثوية
الجوهر. ولعل
المفارقة الوحيدة
التي تقبض عليها
في هذا السياق
هي الحديث النبوي:
حُبّب إليّ
من دنياكم ثلاث:
النساء والطيب
وجعلت قرّة
عيني في الصلاة.
فهذا الحديث
يخرج عن مألوف
اللغة العربية،
إذ من المعلوم
أن هذه اللغة
تكرّس هيمنة
المذكر على
المؤنث، حتى
وإن جاء مذكر
وحيد وسط مجموعة
من التأنيث،
وبما أن العدد
"ثلاثة" يخالف
المعدود فمن
الغريب أن يقال
"ثلاث" مع ورود
الطيب "المذكر"
ضمن المعدود.
في العناق
الحميم للترجمة،
فإن اللغات
مثلها مثل العشاق
تحتضن ما تجهله.
تقتبس حورية
عبد الواحد
هذه الجملة
عن بول فاليري،
ولربما صحّت
هذه المقولة
بشكل مزدوج
على هذا الكتاب،
فالكاتبة تعالج
بالفرنسية
نصوصاً وثقافة
عربيتين مستفيدةً
من آخر منجزات
علم النفس،
وعلى وجها لخصوص
مستفيدةً من
آخر منجزات
علم التفسير
المعاصر، فتحضر
تلك الاقتباسات
الهامة من بول
ريكور وبيير
فيديدا وغيرهما
في تجسيد لمقولة
"إن التفكير
هو جعل الغيرية
حاضرة في الذات".
أما الحاضر
الأكبر فهي
نصوص محي الدين
ابن عربي، فوحده
ابن عربي يستطيع
القول إن الألف
تنحني من عشقها
لحرف اللام
فيشكلان معاً
حرف النفي،
هذا قبل قرون
من مقولة فرويد
المختلفة عن
أن النفي هو
علامة إثبات
الأنا. وطبعاً
وحده ابنعربي
من يقترح أخوة
بين حواء والمسيح،
لأن الأولى
ولدت من ذكر
بلا أنثى، أما
الثاني فولد
من أنثى بلا
ذكر، وأهمية
هذا الاقتراح
لا تأتي من طرافته
بل من قفزه على
تاريخية الحدث
لإظهار تكامل
الخلق، فمرة
ذكورة تلد الأنوثة
ومرة أنوثة
تلد الذكورة،وهذا
ليس بالغريب
عن صاحب مقولة
"كل ما لا يؤنّث
لا يعوّل عليه"،
لكنه بالتأكيد
يختلف عما ساد
طويلاً في الحداثة
الغربية المعممة،
سواء لجهة أولوية
الرجل أو لجهةردّ
فعل الحركات
النسوية وأطروحاتها
عن أولوية المرأة.
وعلى
العموم فإن
النص الصوفي،
بهامشيته وطاقته
الإيروسية،
يسعف الكاتبة
في محاورة الكثير
من النصوص السابقة
واللاحقة عليه،
ولعل من المهم
الإشارة إلى
كثافة الحقل
الدلالي الذي
تخلقه الكاتبة
بلغة تنأى عن
الإسهاب، وإذا
كانت أهمية
بعض النصوص
تنبع من قدرتها
على دفع القارىء
ليعيد النظر
في بعض مما تلقاه
دونما انتباه
أو تمحيص فإن
هذا الكتاب
يفعل هذا بامتياز
ومتعة.
عمر قدور
/ كاتب من سوريا