البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

"بيروت او القناع الذهبي"
لريتا باسيل

قصائد لمدينة ترفض الموت

تحاكي ريتا باسيل بيروت في مجموعتها الشعرية "بيروت او القناع الذهبي" كمن يناجي حبيباً "ازلياً" يستحق الصعود بالشغف والعاطفة الى اعلى مراتبهما. تخاطب بيروتها في نبرة تنمّ عن ذاك التشبث شبه المطلق بالارض والهوية، ذلك انهما وجهان لمسار عريق من الحضارة والالق تجسدهما بيروت عن استحقاق.

منذ البداية، اي من عبارة الاهداء، تعلن المدينة المعشوقة رمزاً عريقاً عابقاً بعطر التاريخ وبخوره، مكتنزاً بسيرة من صنعوه بنضالهم ورياديتهم: "الى المدينة الحاملة في احشائها ناووس مناضليها". ثمة حكاية وفاء بين بيروت واولئك الذي حملوها على مناكبهم الى حيث توضع المنارات. كأن ثمة عهداً قطعته لهم بأن تظل عروس المدائن البهية، الاصيلة، المؤمنة بتراثها ذخراً يقيها عياءً او بهتاناً او موتاً. "المدينة الحاملة في احشائها ناووس مناضليها" لا تطالها غلبة لانها مرصودة منذ البدء على ارث لا مكان فيه لاستسلام او هزيمة.

من هنا تنطلق باسيل والى هنا تعود. بيروتها في المجموعة مدينة جبارة قادرة على النهوض من ركامها. تعمدت مناداتها مراراً بـBirut بدلاً من Beyrouth في عودة الى جذور العبارة باللغة السامية اذ تعني "بئر" في صيغة الجمع. شاءت مرة اخرى تذكيراً بها عاصمة متكئة على مناهلها السخية الخصبة التي لا يقوى عليها قحط او نضوب: "تتقدم بيروت نحو البحر/ تنفتح شفتاها/وتبصق الجدران قيئها الاسود". هنا مشهد من مشاهد انتصار بيروت على رمادها. ثمة ايحاء باغتسال المدينة من سواد فرض عليها.

وما استخدام مفردة "القيء" إلا لابراز التنافر بين السواد والعاصمة الموسومة أبداً بالنور. بيروت ترفض السواد حتى القرف منه. ولعلّ البحر صورة مجازية تقود المتلقي الى رحابة المعرفة التي اطلقتها بيروت الى العالم. فهل تكون العاصمة المشوهة بسواد الجهل اغتسلت بماء المعرفة الدافق في جوفها؟ قد يصحّ هذا التأويل مع الانتقال الى مقاربة الشاعرة حكاية ولادة الابجدية في أرضنا. تقول: "يدنو قدموس اخيراً من الشاطئ الفينيقي/(...) ناقلاً الابجدية (...) يتمدد على الرمال/يغفو الامير تحت ورش بيروت ولا يراه احد/ تغمر قدموس موجة مئوية/ وفي قوة فائقة/تحمله الى البحر". كأن قدموس ابا الابجدية يسارع الى نجدة بيروت كلما وجدها في خطر او ضيق. من بحر المعرفة يقبل اليها، يسعفها، يذكرها بتاريخها، بأصالتها، بفرادتها، بجمالها... ثم يعود الى بحر المعرفة عينه.

تبدو ريتا باسيل تائهة بين أنقاض بيروت، شديدة الكآبة من جرّاء الدمار الذي اصابها. لكنها لا ترضخ في المقابل لمأسوية المشهد، بل تروح تنبش من تحت الركام حكايات مجيدة تحض المدينة المدمرة على الانتفاض على موتها والالتحاق مجدداً بقافلة الاشعاع.

 

حنان عاد - النهار - الاحد 6 تموز 2003


 

Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri