قبل
أن أسافر الى مدن العالم تصورت أن مدينة القاهرة هي العالم، هي أم
الدنيا، كما سمعت من أبي في طفولتي.
اليوم
الثلثاء 23 ايلول (سبتمبر) 2003، وأنا أمشي في شوارع مدينة نيويورك،
في حي مانهاتن، في المنطقة المحيطة بمقر الأمم المتحدة، تمتد من
شارع 42 الى شارع 49، ومن الافينو الأول الى الثالث، كانت هذه الطرق
جميعاً مسدودة بالمتاريس الخشبية، وسيارات البوليس المصفحة، لا يمكن
أحداً أن يصل الى مبنى الأمم المتحدة من دون التعرض للفحص، والتأكد
من أنه يحمل التصريح الصحيح، في جيبي التصريح والدعوة لحضور الجمعية
العامة للأمم المتحدة، والاستماع الى خطاب جورج دبليو بوش رئيس الإدارة
الاميركية، وغيره من رؤساء الدول ومنهم جاك شيراك رئيس فرنسا، إلا
أنني قررت عدم الحضور، والسفر بالطائرة الى مدينة بورتلاند، في ولاية
مين، في أقصى الشمال، حيث أعمل استاذة زائرة في جامعة جنوب بورتلاند،
وأعيش فوق جزيرة صغيرة في المحيط الأطلسي اسمها "بيكس ايلاند".
خلال
الثلاثين عاماً الماضية سافرت الى جميع البقاع، عشت في كثير من مدن
العالم، شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، علمني السفر والترحال أشياء
كثيرة، اصبحت المدن تتشابه مثلما يتشابه البشر في كل مكان وزمان،
انعدمت المسافات أو كادت بين القارات، وتلاشت الفروق بين الانسان
والانسان.
إلا
أن القاهرة هي المدينة التي أعود اليها في النهاية، كما تعود الطفلة
الى حضن الأم، أحبها في غيابها أكثر، وأشتاق إليها من البعد، فما
إن أعود إليها حتى أرغب في الرحيل.
مدينة
نيويورك هذا اليوم من ايلول تكاد تشبه مدينة القاهرة، ربما لأن شوارعها
كانت مسدودة برجال البوليس، أغلبهم، الرجال ذوو البشرة السمراء،
تشبه لون بشرتي، عيونهم سود، هم أولاد الفقراء من الأسر الأفرواميركان،
هم الذين يدخلون الجيش والبوليس، لا مكان لهم في الوظائف العليا،
يقفون في الشوارع صفوفاً، وجوههم نحو الحائط مثل التلاميذ المذنبين،
كان المطر ينهمر فوق رؤوسهم وهم واقفون كالتماثيل الخشبية، ينتظرون
مرور موكب جورج دبليو بوش، رئيسهم الأعلى، في طريقه الى مقر الأمم
المتحدة إذ يلقي خطابه أمام الجمعية العامة في اجتماعها السنوي.
كنت
أمشي بخطوة قوية سريعة، أتعجل العودة الى بيتي فوق جزيرة بيكس، والتهام
قطعة من الخبز المحمص المدهون بالزبدة وعسل النحل مع فنجان الشاي
"الايرل غراي" تغمرني سعادة السير نحو هذه اللذة، عن السير الى الأمم
المتحدة وسماع خطبة جورج بوش، وغيره من رؤساء الدول، حتى جاك شيراك،
رئيس فرنسا، الذي قاد المعارضة في العالم ضد الحرب في العراق، جاء
الى نيويورك، واستمعتُ الى خطابه في المؤتمر الدولي بالأمس، تكلم
كلاماً عاماً عن خطورة الحروب على السلام العالمي، من دون أن يشير
بكملة واحدة الى جورج دبليو بوش أو الولايات المتحدة الاميركية،
وكان كوفي أنان، سكرتير عام الأمم المتحدة، الذي افتتح المؤتمر،
يسير في هذا الركب، حيث الكلمات العامة الجميلة، عن السلام وخطر
الحروب من دون الاشارة بكلمة الى الجيش الاميركي، الذي خرق ميثاق
الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، واحتل العراق عسكرياً، تحت حجة
محاربة الارهاب.
المطر
ينهمر من سماء نيويورك فوق مبنى الأمم المتحدة، وفوق موكب جورج دبليو
بوش، كأنما السماء تشارك أهل المدينة في غضبهم على رئيسهم وأعوانه
في الحكم، يسمونهم الصقور، إلا أنهم مثل كل الحكام محصنون ضد المطر،
وضد غضب السماء، تحوطهم السيارات المصفحة، والجدران المتينة البنيان،
لا يسقط المطر إلا فوق رؤوس الفقراء في كل المدن، لا تختلف مدينة
نيويورك عن مدينة القاهرة في أن السماء مثل الأرض، تستبد بالضعفاء
وتخشى الأثرياء، وتشتد الرياح وقسوة المطر أو لهيب قرص الشمس في
الصيف، بسكان البيوت الضعيفة البنيان، أو العشش من الصفيح في عشوائيات
المدينة.
بسبب
الرياح والأمطار تعطلت الطائرة الصغيرة الى مدينة بورتلاند، وهي
ايضاً مدينة صغيرة، لا تظهر فوق الخريطة، تستهين بها شركات الطيران،
واضطررت الى ركوب طائرة كبيرة الى مدينة بوسطن الكبيرة، ومن هناك
ركبت الباص الى بورتلاند، ثم السفينة الصغيرة التي يسمونها "الفيري"
الى جزيرة بيكس ايلاند.
وأنا
أبتلع مرارة الانتظار الطويل في المطار، رأيت فوق شاشة "السي إن
إن" وجه جورج بوش وهو يلقي خطابه في الأمم المتحدة، ينطق الكلمات
بلهجة "الكاو بوي" يضغط على الالفاظ بأسنانه، وشفتاه الرقيقتان المشدودتان
كالأسلاك، وعيناه الصغيرتان تبربشان: "جيشنا الباسل لم يسقط الديكتاتور
صدام حسين فحسب، ولكنه أنقذ شرف الأمم المتحدة ومجلس الأمن (انطلقت
الضحكات الساخرة من أفواه الرجال والنساء المنتظرين في المطار)،
كلهم من الاميركيين إلا امرأة واحدة من اليابان، اشتركوا جميعاً
في التهكم على ما يسمعون، قال أحدهم: هذا الرجل لن ينتخبه أحد بعد
ذلك! ورد عليه أحدهم ساخراً: وهل انتخبه أحد قبل ذلك؟
فوق
الشاشة رأينا كوفي أنان يقرع كأسه بكأس جورج بوش، وجورج بوش يقرع
كأسه بكأس جاك شيراك، ومن حولهم رؤساء الدول الكبرى والصغيرة، يشربون
نخب الرئيس الاميركي المزهو بنفسه مثل الديك الرومي، يبتلعون الشمبانيا
ومعها الإهانة، يحوطون القوي المنتصر على رغم معارضتهم الحرب، ينشدون
الصلح معه، يتشممون الفريسة المهزومة في انتظار تقسيمها بينهم.
بدت
مدينة نيويورك قبيحة ذلك اليوم، غارقة في الوحل ومياه المطر، وأهلها
غاضبون يكتمون الغضب، مثل أهل القاهرة وغيرها من المدن، يشتد الغضب
باشتداد العجز عن الفعل، ينفثون عن الغضب بضرب زوجاتهم، أو تأنيب
مرؤوسيهم في العمل، او إغراق أنفسهم في شهوات الأكل والجنس، وغيرها
من المعاصي الصغرى أو الكبرى، وهل تختلف المعاصي من مدينة الى مدينة؟!.
قبل
أن أسافر الى مدن العالم تصورت أن مدينة القاهرة هي العالم، هي أم
الدنيا، كما سمعت من أبي في طفولتي، كان يقول حين يغادر القرية الى
القاهرة إنه سافر الى مصر، كأنما مدينة القاهرة هي مصر.
حين
رأيت القاهرة للمرة الاولى بدت أكبر مما هي في الحقيقة، كنت طفلة
صغيرة من الريف وهي عملاقة كبيرة، لكنها كانت تتضاءل في نظري كلما
كبرت، مثل أبي، كان حجمه يتناقص مع الزيادة في عمري، مثل العمدة
وناظر المدرسة والملك والرئيس والوزير وشيخ الجامع ورئيس الشرطة،
كانت أحجامهم تتناقص على الدوام، مع ازدياد قامتي طولاً، أكثر طولاً
من ابي والرجال من عائلة أمي وأبي، والاساتذة في كلية الطب الذين
كانوا يسيرون أمامنا منتفخي الاشداق، منفوشي الريش مثل الديوك، يقلدون
الملوك والرؤساء، هؤلاء جميعاً تناقصت أحجامهم بارتفاع قامتي، ورأسي
اصبحت أطل به على العالم، اصبح العالم تحت بصري مدينة واحدة، بل
قرية صغيرة، تشبه قريتي كفر طحلة على ضفاف النيل، لم أعد أشعر بالغربة
في أي مدينة، واصبح الوطن عندي هو حيث يكون الانسان، وحيث يكون العدل
وحيث يكون الحب والحرية، لم يعد الوطن هو مسقط الرأس، أو المكان
الذي اقرأ فيه صحف الصباح، وأحل فيه الفوازير، والكلمات المتقاطعة.
عشت
في مدينة القاهرة اغلب سنوات عمري، إلا سنوات قليلة في طفولتي، عشتها
في القرية الصغيرة المغمورة، ليس لها مكان فوق الخريطة في حصة الجغرافيا،
وليس لها زمان في حصة التاريخ، على رغم أنها حقيقية اكثر من مدينة
القاهرة الضخمة المزينة بأعلام مزيفة، وشعارات مصنوعة.
قضيت
في مدينة القاهرة أكثر من نصف قرن من الزمان، اغلب صباي وشبابي وكهولتي،
إلا سنوات قليلة من الكهولة عشتها في بلاد بعيدة وراء البحر والمحيط،
وشهور قليلة عشتها داخل سجن المدينة، اذا لم يكن السجن جزءاً من
المدينة.
أدركت
السر في حزن المدينة، في غضبها المكبوت ضد حكامها في الداخل والخارج،
لم تعرف القاهرة الحرية إلا سنوات قليلة من عمرها، حين أصبح أهلها
يأكلون ما يزرعون، وينسجون ما يلبسون، ويكتبون ما يعيشون، سنوات
قليلة في ربيع شبابها، ثم انهزمت من جديد وعادت حبيسة الأسوار.
في
مدينة القاهرة كتبت معظم رواياتي، ونشرت في مدينة بيروت ما صادرته
القاهرة، وكتبت سيرتي الذاتية بعيداً من مدينة القاهرة بآلاف الأميال،
نحن في حاجة الى البعد من المكان والزمان حتى يمكن الكتابة عن هذا
الزمان وهذا المكان، وهل يمكن العين أن ترى نفسها؟!.
وكم
أشعر بالامتنان لتلك القوى القاهرة التي دفعتني الى البعد عن مكاني
وزماني، إلا أن مدينة القاهرة كانت تشدني دائماً إليها، بقوة تزيد
على القوى الأخرى الطاردة، فهي مدينة عريقة الأصل والتاريخ والحضارة،
تعشق المتمردين عليها، وإلا فلماذا تجذبهم اليها، ولا تكف عن جذبهم
اليها حتى يموتوا فوق أرضها، ويدفنوا في بطنها، مثل الأم لا تهدأ
حتى يعود الأولاد والبنات الى حضنها.
منذ
بداية التاريخ المكتوب، منذ عصور العبودية وانفصال السماء عن الأرض،
والروح عن الجسد، والحاكم عن المحكوم، والذكر عن الانثى، اصبح لمدينتي
القاهرة وجهان مزدوجان، أصابها ما يسمى مرض الانفصام. فهي قاهرة
ومقهورة، قاهرة لسكانها مقهورة بحكامها، تنجذب نحوهما هما الاثنان
بدرجة واحدة من العشق، كأنهما كائن واحد له وجهان، او جسد واحد له
رأسان. ربما لهذا السبب تنجذب مدينتي الى المجذوبين فيها، أو المجاذيب،
الذين ليس لهم من عمل في الحياة إلا كتابة الروايات، أو خلق الاساطير،
لأن المدينة تربط دائماً بين الشيطان والفن، وتقول شيطان الشعر،
وتعشق الشعراء والفنانين المجذوبين، بشعورهم المنكوشة، وعيونهم المحمرة،
وجفونهم الوارمة، وملابسهم المكرمشة، ولا تعشق ذوي البدل المكوية،
والشعور السوية، والوجوه المشدودة، والاجسام الواقفة في الصفوف يؤدون
التحية وظهورهم محنية.
ولماذا
تعشق مدينتي القاهرة قراءة الروايات الساخرة من الحكام الاباطرة،
والقصص الخليعة الماجنة، ولا تعشق قراءة الخُطب الرصينة للملوك والرؤساء
واصحاب الفخامة والفضيلة؟
يقولون
عنها مدينة لاهية، مع انها مدينة جادة فريدة من نوعها، لم يكتب احد
قصة حياتها، فهي الوحيدة القادرة على كتابة تاريخها، لكنها فقدت
لغة الأم، وأصبحت تنطق بلغات حكامها، أو ربما لم تعد تعرف الكتابة
أو النطق، وأصبح الصمت هو لغتها، ولغة الغالبية الصامتة من أهلها.
الرواية
مثل المدينة تعكس حياة من يعيشها ومن يكتبها، تضع الكاتبة (او الكاتب)
نفسها في الرواية، هذا الوضع أو الموضع هو شكل من اشكال المكان،
وشعور من يكتب نحو المكان والزمان.
نحن
نتخفى وراء الرواية لنخفي ذواتنا، ونغير من أثر المكان والزمان علينا،
الا ان الذاكرة تحتفظ بتاريخ المكان وتفضحنا، إن كان الصدق فضيحة
نحن نكتب عما نعرف، وعما علمته لنا تجاربنا في الحياة، فالابداع
هو تراكم العلم والمعرفة، هو قمة الوعي، هو ان يتحول اللاوعي الى
وعي اكثر وعياً.
يختلف
الوعي من رواية الى اخرى لأنه تجسيد لمشاعرنا وتجاربنا المعاشة في
هذه المدينة، في عيون الآخرين والأخريات، لأن كلاً منهم يراها من
زاوية مختلفة واحاسيس مختلفة وذكريات مختلفة، وهكذا تكون الرواية
كالطريق المفتوح نحو طرق اخرى ومدن اخرى، لا تختلف الرواية عن السيرة
الذاتية الا في الاسم، وفي اذهان المحترفين من النقاد، الذين يصنعون
الفواصل بين الاجناس الادبية، لإثبات وجودهم في عالم المهن الحرة
ورجال الاعمال.
المدينة
مثل الرواية، كائن حي مستقل قائم بذاته ولذاته، وهي موجودة كالطبيعة
وما وراء الطبيعة، في الجغرافيا والتاريخ والثقافة والعقيدة. (...)
مدينتي
القاهرة مقهورة منذ نشوئها، محكومة بقوى البطش من الخارج والداخل،
لم تكف عن المقاومة، وإن كفت عن الكلام، او ربما تتكلم بلغة اخرى
غير اللغة العربية او لغة القرآن، وهي تتنفس كما تتنفس الارض والشجر
ومياه النيل والبحر، يحتاج الانسان الى الحس المرهف لينصت الى صوت
القاهرة، ليطرد اصوات الميكروفونات المعلقة على الجوامع، واجراس
المدارس والكنائس، وابواق السيارات وصفارات الانذار والشرطة والحرائق
والاسعاف، ودقات الطبول والصاجات في حفلات الزواج والطلاق والختان،
هذا الضجيج الصاخب لأصوات البشر، الذين يدوسون بنعالهم على قلب المدينة.
لا
يمكن ان نسمع صوت القاهرة إلا حين ينام سكانها، ويغطون في النوم
العميق، حينئذ تتنفس المدينة الصعداء وتصحو، تفرد ذراعيها مثل السجينة
وتتنفس، وتهمس بصوتها ولغتها الخاصة، لا يلتقطها إلا من لا ينام
الليل، ويصحو من اجل أن يسمع الصمت حين يصبح للصمت صوتٌ أشبه بالهمس،
اشبه بحفيف الشجر وحركة الارض حول الشمس.
إنها
القاهرة الاخرى غير تلك التي يعرفها الناس، مدينة لا تهب نفسها إلا
لمن يشقى في البحث عنها، مثل الجوهرة المكنونة في الارض، مثل السر
الخفي الاعظم، لا يكشف عن نفسه، إلا لمن يسعى اليه من دون كلل او
ملل، من دون خوف من ناــر جهــنم، مـن دون طمـع في دخول الجنة، أو
الحصول على احدى جوائز الدولة. حين ماتت أمي ماتت المدينة، اصبحتُ
اعيش الغربة داخل الوطن، ابحث عن مدينتي من دون جدوى، وأعود إليها
مهما سافرت وابتعدت، يدفعني اليها الحنين الى امي وطفولتي، الا انها
لم تعد مدينتي، ولم يعد لي فيها شيء إلا قبر أمي، وصورتها المعلقة
داخل برواز على الحائط في البيت القديم.
*
من ورقة تشارك بها الكاتبة في مؤتمر "الرواية والمدينة" الذي يفتتح
في 18 الجاري في القاهرة.
نوال
السعداوي - الحياة - 08.10.2003