حازت الشاعرة
الأميركية "لويز غليك" أخيراً على لقب "الشعر المتوّج"، وارثة إياه
عن شعراء كبار سبقوها الى حمله مثل بيلي كولينز، روبرت هاس وريتا
دوف.
وباشرت
ابتداء من 21/10/2003 عملها كمستشارة في مكتبة الكونغرس، مهمتها
الأولى اقتراح أسماء شعراء وكتاب للمشاركة في الفعاليات الثقافية
التي تقيمها المكتبة، إضافة الى ابتداع فعاليات جديدة تسهم في جذب
جمهور أوسع نحو الأدب عموماً والشعر خصوصاً.
احتار النقاد في تحديد المدرسة التي تنتمي إليها لويز غليك المولودة
عام 1943، إذ أعادت صياغة مشروعها الشعري في كل ديوان من دواوينها
التسعة التي أصدرتها خلال خمسة وثلاثين عاماً. ففي مجموعتها الشعرية
الأولى "البكر" (1968) حاكت لغة روبرت لوويل وسيلفيا بلاث.
لكنها
سرعان ما ابتعدت عنها في المجموعة الثانية "المنزل في مارشلاند"
(1975) لتراوح أعمالها اللاحقة بين "السيرة الذاتية" و"الاعتراف"،
بما في ذلك مجموعتها الأكثر شهرة والفائزة بجائزة بوليتزر "السوسن
البري" (1992). أما في ديوان "المروج" (1996) فقد سلكت اتجاهاً آخر
متجاوزة نزعتها الذاتية، الى حد ما، موزعة أشعارها بين قصائد عن
إخفاق زواجها، وقصائد عن بعض شخصيات الأوديسة وأبطالها الأسطوريين،
غلب عليها جميعاً طابع "السخرية السوداء".
ومن دون الابتعاد عن المباشرة التي تسم الشعر الأميركي الحديث عموماً،
اعتنت غليك في قصائدها الأخيرة بالتكثيف اللغوي، وبكيفية التعبير
ليس عن حياتها الخاصة فقط، بل وعن حياة القارئ أيضاً. كما عمقت استخدامها
للأسطورة لتقف على النقيض من مادية العالم المعاصر، ومن شعر السيرة
الذاتية على حد سواء.
الى
جانب إيحاء قوي بعمق تأثرها بالأدب الأوروبي، الأمر الذي ظهر واضحاً
في مجموعتها الأخيرة "العصور السبعة" (2001) حتى في عنوانها المأخوذ
عن الفيلسوف الإغريقي أبقراط.
العصور السبعة
في حلمي الأول ظهر العالم
الملح، المر، الممنوع، العذب.
في حلمي الثاني هبطت.
كنت بشراً، إلا أنني لم أستطع تبيّن
أي وحش كنتُ.
كان عليّ لمسه، احتواؤه.
اختبأت في البيارات،
عملت في الحقول، حتى تعرّت الحقول.
ربطة القمح الجاف
سلال التين والزيتون.
زمان.
لن يعود ثانية،
حتى إنني في بعض الأوقات أحببت بطريقتي البشرية المقرفة
ودعوت تلك المأثرة كالجميع
حرية جنسية،
سخيفة مثلما تبدو.
حُصد القمح وخُزن،
آخر ثمرة جفت: زمن
مدخر لم يُستخدم أبداً،
أيمكن أن ينفد أيضاً؟
في حلمي الأول ظهر العالم
العذب، الممنوع.
غير أنه ما من جنة هناك،
مواد أولية فقط.
كنت بشراً.
عليّ أن أتوسل هبوط
الملح، المر، الحاجة، الوقاية.
ومثل الجميع، أخذت، أُخِذت.
حلمت،
خُدعت:
وُهبتُ الأرض في حلم
في حلم ملكته...
قصيدة
في مثل هذا الوقت، أول المساء،
ينكب رجل فوق طاولة الكتابة
ببطء يرفع رأسه؛
تتبدى امرأة، تحمل وروداً.
يطفو وجهها فوق سطح المرأة،
موسوماً بخضرة سوق الورد.
هو شكل معاناة:
تمددت بعده الصفحة الرقيقة دائماً
نحو النافذة حتى برزت عروقها
كلمات امتلأت بالحبر أخيراً.
وددت لو أعرف
ما يربطهما ببعضهما
أو بالمنزل الشاحب المشدود الى المكان بحلول الغسق.
إنه الربيع، شجرة الكمثرى
تكسوها غشاوة زهيرات بيضاء واهنة
لأنه عليّ دخول حياتهما.
منظر طبيعي
مرّ زمن، محولاً كل شيء الى جليد
مادَ المستقبل تحته.
إذا سقطتَ فيه، هلكت.
كان زمناً
للانتظار، للنشاط المؤجل.
عشتُ في حاضر هو
ذاك الجزء من المستقبل الذي رأيته.
عام الماضي فوق رأسي.
مثل الشمس والقمر، مرئياً لكن لمسه مستحيل.
كان زمناً
تحدّه المتناقضات، حيث
لم أحس بشيء
وكنت خائفة.
الشتاء أفرغ الأشجار، وأعاد ملأها ثلجاً.
لأنني لم أستطع الإحساس، تساقط الثلج، تجمدت البحيرة تماماً.
لأنني كنت خائفة، لم أتحرك؛
نفَسي كان أبيض، لوناً للصمت.
مرّ زمن، بات شيء منه هكذا.
وشيء منه تبخّر ببساطة؛
تستطيع رؤيته عائماً فوق الشجرات البيضاء
يشكّل ندف ثلج.
تنتظر الزمن الملائم طوال حياتك.
ثم يكشف الزمن الملائم
عن نفسه كفصل انقضى.
راقبتُ تحرك الماضي، حبلَ غيوم تعبر
حسب الريح،
من اليمين الى اليسار أو من اليسار الى اليمين
بعض الأيام، لم تهب ريح
بدت الغيوم ثابتة في مكانها،
مثلما صورة البحر، أكثر سكوناً من البحر.
بعض الأيام، كانت البحيرة صفحة زجاج.
تحت الزجاج، أصدر المستقبل
أصواتاً خافتة جذابة؛
تضطر الى شد نفسك كي لا تنصت إليها.
مره زمن؛ لا بد أن تشاهد فترة قصيرة منه.
السنوات التي أخذها معه كانت سنوات الشتاء؛
لا يجوز أن تفوّت.
بعض الأيام كانت بلا غيوم،
كأن منابع الماضي قد تلاشت.
كان العالم مبيضاً، مثل نيجاتيف
نفذ الضوء عبره مباشرة.
فبهتت ألوان الصورة.
فوق العالم
كانت الزرقة فقط، الزرقة في كل مكان.
الترجمة
والتقديم: موفق اسماعيل -
المستقبل - الخميس 4 كانون الأول 2003