
فى
روايتى "الغر" و"نوة الكرم"
منذ
بضع سنوات لاحظت فى نفسى شيئا جديدا: عندما يحكى لى أحد حكايته¡فإنى
منصتة بكل الاهتمام وإذا كان يحكى عن مواقف حياتية راهنة " له "
أو " لها "، فإن مؤشر انتباهى يثبت عند العادى وربما المحايد¡ويكشف
تشاكى المتحدث أو تفاخره عن منطقة جديدة فى وعيى كانت مطمورة..ففى
الحالتين يورد المتحدث /المتحدثة تاريخ عائلته أو طفولة غابرة¡
يرد لقب عائلة الأسلاف من ناحية الأم أو الأب¡ يصعد مؤشر اهتمامى
بأسرع من مؤشر داو جونز فى بورصة وول ستريت بنيويورك أو مؤشر الفاينشيال
تايمز فى بورصة لندن - فى أيام سعدهما- فقد حصلت على لقية، تاريخ
العائلة/النسابة أو الجينالوجى¡ الذى قد يمتد عدة قرون إلى
الوراء.. ولم يعد الأصحاب يستغربون أن اسألهم مباشرة عن لقب العائلة¡
فهذا قد يعنى بالنسبة لى الكثير¡ قد أعرف تحركات أجدادهم عبر
مصر المحروسة¡إذا كان ينحدر من إحدى القبائل الوافدة من الجزيرة
العربية أو من المغرب¡ أو لقب يقول عن توارث المهنة وربما
شياخة طائفة حرفية ما¡ أو يزيح ستائر الحياء عن وجوه أولئك
النساء المحدقة بمملوك أبيض وسيم الطلعة، ولم يستطعن كبح افتتانهن¡
فأطلقن عليه دون خشية تطليقهن من قبل أزواجهن "قشطة".. ألم أقل إنها
لقية.. كنز من المعارف..فالحكايات الراهنة وقائع حياتية أما الماضية
فهى وقائع فنية.
فى
طفولتى بدمياط حدث أن صعدت سلالم حجرية مرهقة لبيت الحجرى عتيق وعال
يعود إلى قرون مضت¡دلفت إلى شرفة فى الدور الأعلى، فشعرت بشىء
غريب: تتغللنى بهجة ساكنة وإحساس لم أسميه يومها -الحرية- وبأنى
أعرف أشياء لم يسبق لى أن سعيت لمعرفتها حقا¡...و …وأن هذه
اللحظة لن تتكرر كثيرا¡ ولأنى أفكر بمنطقية اعتبرت أن المشهد
البانورامى لمدينة دمياط الذى يبدو واضحا من الشرفة هو السبب، غير
أنى بدأت السؤال والاستفسار والقراءة¡ ولم يكذب حبورى آنذاك
فخلفى فى هذا المشهد كانت تقع قصبة الثغر فى القرن السادس عشر و
مسجد البحر والوكالات والقسياريات التجارية والخانات ومكاتب القناصل
الأوربية بدمياط وبحذاء النيل البيوتات الثرية لأعيان دمياط: كبير
التجار¡ القاضى¡ كبير الصاغة¡ يهودى الجمرك¡
ارمنى الصرافة¡ قبودان ثغر دمياط¡ وعلى مدى الشوف "
سوق اللبن " القديم وبه كنيسة"مارجرجس" التى بنيت فى القرن 17 تضم
عظام القديس مار جرجس مزاحم¡ عن يسارى يقع سوق الحسبة الذى
لا يزال يحمل اسمه حتى الآن¡ حيث كان المحتسب وشيوخ الطوائف
كافة¡ هذه الطوائف التى اقتضتها الحاجة من قبل الحرفيين فى
مصر،والتى كانت تعد شكلا أوليا لممارسة ديمقراطية من بيئتنا. وفى
البعيد تربض أوقاف السلطان قنصوه الغورى فوق جزيرة القصبى التى طمرتها
الفيضانات.. وثمة خليج يخاصر المدينة ويصب قرب قرية شطا.. البيت
الحجرى فى طفولتى أعاد لذهنى الأحجار الضخمة التى ألقاها الظاهر
بيبرس لإغلاق مدخل مصب دمياط أمام السفن التجارية الكبيرة تحسبا
من أية هجمات حربية بعد الصليبيين¡ فدمياط هى مفتاح النيل
الموصل لقلب مصر.. فى هذا كله أحب دمياط التاريخ¡ إذ كانت
مدينة كوزموبوليتانية وبها ثغرين تجاريين وتضارع مدينة البندقية
آنذاك¡ تعرف بنسيجها الدقيق كالحرير والقباطى وكسوة الكعبة
المشرفة، وقلعة عسكرية حصينة صدت الكثير من هجمات الصليبيين التى
أرخ لها¡وغارات القراصنة التى لم تسجل بوضوح فهى فى حكم المهمل
والمهمش¡ ولأن الأهالى من البحارة هم من يتصدون منذ ما قبل
الميلاد وحتى عصر الحكم العثمانى للقراصنة … فليس من المستبعد أيضا
أن يكون من بين سكان المدينة قراصنة¡ وبخاصة أن حركة القرصنة
فى بحر الروم كانت تعكس بدقة مدى توازن أو اختلال القوى لدول فى
حوض البحر المتوسط¡ ولا ننسى الأصول الشامية (الفينيقية) والقبرصية
واليونانية لأهل دمياط..
لما
تراجعت قيمة ميناء دمياط بعد حفر ترعة المحمودية سنة 1820 على أيام
محمد على¡ تكاثفت الخسارة بحفر قناة السويس وقيام مدن بور
سعيد والإسماعيلية.. لكن تاريخ دمياط وجغرافيتها يرشحانها كمكان
لا يتطلب الضعف واليأس والاستسلام فأبدعت عقول أهل دمياط صناعات
جديدة كصناعة الحلوى والأحذية وتحول كل بيت إلى مصنع صغير لغزل الحرير،
و حتى التربة استفادوا من عيوبها بزراعات غير نمطية.
إنها
مصر مصغرة..كما تبدى فى روايتى "الغر" 1998¡و"نوة الكرم" 2002
ولننظر تحايل البطلة " ليل" فى الرواية الثانية كى تكسب عيشها فى
ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.. وإذا طفح الكيل تتمرد شخصيات الرواية وناس
دمياط عبر النقش بالأنامل وبالروح، بالنقش سواء على المخبوزات¡
على الخزف¡ على أقدام الناس وعظامهم¡ الكتابة وصناعة
الأحبار¡ كبعد وجودى¡ وإن لم يؤتيا أثرهما الفورى أو
القريب¡ تمردوا عبر النزق كما فى ليلة يوم القيامة فى الخرابة
التى حاوطتها المياه فيما بعد لتندثر¡ فى هذه الليلة سخر الدمايطة
بخيالهم الطافى من السلطان والوالى وكبار العسكر العثمانلية بتقليد
لبسهم الخلع السلطانية من فرو السمور¡ وأبرز المشوهون عيوبهم
الجسمانية بفخر لا يدانيه سوى عشق نرسيس لجسده وجماله ولم ينسوا
الرقصات المعربدة فى ضوء القمر الفضى.. ثملوا وانسطلوا.. عاشوا لحظة
خارج زمان الوعى والمنطق¡ لحظة فى بؤرة منطقة الظل والعتمة
فى الجماعة: لا شعورهم.
ميتافيزيقا
البحر تغمرنى بتجلياتها اللانهائية فى شعابه وفى أعماقه¡ فى
طيات تياراته¡ فى صخب وسكون أمواجه¡ رياحه¡ وأنوائه،
فهل دخلت عرض البحر بعبور مياهه المعتمة أحيانا¡ أم كررت لفظة
البحر 65 مرة عبر صفحات الرواية¡ علنى أتوحد مع موسيقاه الآداجو
والكريشندو فى حركة الأمواج¡ أصف أنواء الكرم (موجة واحدة
كالجبل داهمت سفن القافلة فردمتها¡ بعثرتها¡ أهاجتها
ففقدت الاتجاه والتوازن¡ انفتح كهف داخل الأمواج¡ فظلت
تدور حول بعضها¡ حتى توقفت الرياح والأمطار واصطخاب الأمواج
مخلفة البرد القارص¡ أحدث ارتطام سفن القافلة ببعضها البعض
خسائر أفدح من أنواء الكرم نفسها¡ تتطوح سفينة لتأخذ اتجاه
العرض فتأتى أخرى مندفعة تضربها فى منتصفها لتتحطم وتغرق فى حين
تتهشم مقدمة الثانية وتتسرب المياه إلى جوف السفينة.. كانت سفينتنا
الأحسن حظا¡ إذ لفظت إلى البحر كل مئونتها والبضائع فى الخن
وبعض البحارة والتجار ثم استوت متوازنة ثم مالت يمينا فانزلقت اندفاعات
الأمواج إلى البحر من جديد).
وفى
الحلم الرئيسى فى الرواية يعن للبحر أن تُرسم خطوط القدر عبره…وفى
هدوء قبل الكارثة ( على صفحة ماء ساكن بلا زبد¡ ضربت مجاديف
سفينتنا على غير هدى فى الظلام¡ السمع الرهيف للمجذفين أيقظهم
من سبات الاطمئنان¡ ابلغوا الربان.. أمر بدوره بإيقاظ الأعور
الذى صعد إلى سطح السفينة¡ رغم أن له عينا واحدة¡ كان
ذا قدرة لا توصف على الإبصار فى الظلام ).
وكما
نصح جدى حفيده ذات يوم بعيد فى طفولتى، يستدعى غياث فى نوبة إغماءه
تعاليم الترجمان التى تترافق مع أصداء التراتيل كخلفية موسيقية،ويعلمه
بأن الموج أنواع ثلاثة مثل مواقف الحياة الصعبة¡ويطلعه على
كيفية التعامل مع كل منها.
كتبت
الروايتين عن مدينة دمياط / التاريخ¡ ليس لأنها مدينة طفولتى
التى تختلف كثيرا عما قلته آنفا¡ فتاريخ على هذا النحو يأتى
بحمولته من الغواية بالحرية وارتياد لمنطقة خصيبة غير مجرفة فى فن
الرواية.. وأهدانى مولد الست دميانة/ سانت دميانة..وبعض ممارسات
الورع أو الهوس الدينى الذى يصل حد الإغماء¡ أهدانى بعض مفاتيح
لشخصية المتطهرة آمونيت.. وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه إلا لمن
لم يقرأه جيدا¡ من هنا أردت هذه الشخصية أن تبتعث الأجل والأجمل
والأجدى، حتى لا نعانى مجددا من القطيعة المعرفية عن ماضينا التى
أرهقتنا ولا تزال¡ لنتساءل كل يوم عن هويتنا !!! أصرت آمونيت
على أن يدون الترجمان العامية القبطية وفق ما تنطقه امرأة عجوز فى
الصعيد ونقل هذه إلى العامية العربية¡ أو بشكل أدق العامية
المصرية.
وهنا
أستعير وصف د. ثناء أنس الوجود فى وصفها لدمياط فى الرواية بأنها"
واسطة عقد" من حيث المكان¡ففى لحظة تاريخية فى القرن السادس
عشر يمتد فضاء الحكى من دمياط إلى المشرق وتمتد إلى الصحراء فى الغرب
والى القسطنطينية والى البحر المتوسط(بحر الروم)¡ وتنزل ناحية
الجنوب فى الصحراء حيث القبائل الذاهبة للتجارة شمالا وجنوبا¡
وحيث قبائل الحجيج.. فى مسعى لفتح نوافذ الحكاية على أكثر من هواء
لكى يدخل¡ لاقتناص اللحظة ومحاولة الاحتفاظ بها..هل اللحظة
مهددة حتى أستطيع أن أقتنصها ؟ إن الوجود مهدد¡ ومهدد فى العمق¡
والحضارة موجودة ولكن عملية النقش تعمقها.
من
ناحيتى أرى هذا الخطاب التاريخى يؤازر خطابا اجتماعيا لأناس عاديين¡
ليسوا هامشيين بالمعنى المتعارف عليه¡ هؤلاء الناس هم صناع
التاريخ وبناءيه¡ المقهورون الذين تقع عليهم ثقل وعبء القرارات
الخاطئة للحكام¡ وهم وحدهم الذين يشيدون فى حال القرارات السديدة¡
هم صناع التاريخ الذى لم يكتبوا التاريخ أبدا¡ بل كتبه مؤرخون
رسميون لذوى النفوذ والسلطة¡ يضخمون إنجازاتهم الهزيلة ويزيفون
كما يتراءى لهم¡ لتبقى الذاكرة الحقيقية خاوية أو مليئة بالأباطيل..
التاريخ الحقيقى صنعه هؤلاء¡ فمن يكتب عنهم لذا بدت شخصية
الترجمان كمؤرخ يكتب بالحبر السرى تاريخ هؤلاء، فهو الشاهد على عصره
ذو الضمير الحى.
فى
كتابتى الروائية لم يحدث أن كان لها بطل واحد¡ بل هم عدة أبطال
تتواصل وتتوازى مصائرهم وخياراتهم فى الحياة¡ هذا يتيح لى
أن أظهر تعددية المجتمع الدمياطى بين مسلم ومسيحى بكنائسهم المختلفة
ويهودى وأيضا شخصية لا تزال تخايلها بعض ممارسات وثنية من الكرنفالات
الأوربية السلافية.. لكنى أرى أن المايسترو فى "نوة الكرم" الذى
المتحكم والمسير لنغمات الشخصيات ونجواها- من أطراف أنامله- هو "المطراوى"ذو
الحنين القهرى إلى جنة طفولته المفقودة.
من
الصعب أن أحكى أو ألخص أو أفرد كل شخصية على حدة فهى تغير الآخر
وتتغير به.. وأيضا آمونيت الراهبة القبطية التى أقامت فى جزيرة رودس
بضع سنوات وعرفت ما سيمضى إليه الغرب فى أوربا¡ وما سنهوى
إليه على المدى البعيد والمسئولية فى ذلك تقع جزئيا على كل من رجال
الدين الإسلامى والمسيحى من كراهة تطوير العلوم الدنيوية باعتبارها
من البدع أو السحر وعلم الكيمياء يعد مثلا.
بالطبع
ليس خطاب الماضى إلى الحاضر¡ فلم يكن عصرا ذهبيا مثلا¡
ومن ثم فهو ليس أيضا عجزا من الحاضر أن يكون الماضى ويتماثل معه¡علاوة
على أن هذه الرواية ليست نوستالجيا أو نكوص وارتدادا¡ فالحنين
والنكوص يتطلبان زمنا مثاليا يتحقق فيه الشرط الإنسانى¡ وهو
ما لم يحدث.
والحقيقة
أننى لم أكتب الرواية إلا للتساؤل أو محاولة إيجاد إجابة إذ يخيم
على ذهنى سؤال ملحاح: لماذا وصلنا كعرب ومسلمين إلى هذا الحد ؟ هناك
عوامل خارجية.. نعم.. لكن حضارة لا تأفل إلا إذا كان السوس قد نخرها
من الداخل..ليس هذا فقط بل وجذر التآكل يكمن متخفيا فى عز زهاوة
مجدها.
كتبت
رواية طويلة - 300 صفحة تقريبا - لأكتسب معرفة وجواب عن سؤالى المؤرق..
رجعت إلى التاريخ وكتابات تاريخية متباينة النظرة¡ فى الكتابة
لم يكن همى التاريخ الرسمى المزيف أغلبه¡ ولا شخصيات اعتلت
سدة الحكم¡ بل كتبت عن أناس عاديين من مختلف المشارب والطبقات¡
اخترت مدينة دمياط لأن تاريخها حافل وينطوى على قدر من اللبرالية
فى التعامل بين الناس¡ دمياط فى القرن السادس عشر كانت مدينة
كوزموبوليتانية¡ ذات حيوية فكرية حيث كان يقصدها طلاب العلم¡
ولها أهمية إ اقتصادية أيضا. كما تطل ط على بحر الروم / البحر المتوسط
الذى كان مسرحا للقرصنة¡ ومنها القرصنة الموالية للباب العالى
فى إسلامبول.
حيادى
كان فى تركيب الشخصيات¡ لكل شخصية تفردها الخاص وغرابتها¡
طيبتها أو شرها¡ أترك للقارئ أن يستقبلها بطريقته¡ لا
أصدر حكما قيميا أو أخلاقيا¡ فالشخصيات قد تقيم كل منها الأخرى
حبا أو كرها¡ وشخصية مثل المطراوى كبير تجار دمياط¡
شخصية مركبة ينطوى على قدر بالغ من الشر والطيبة أيضا¡ متى
تبدأ الطيبة وينتهى الشر فى لحظة معينة¡ لا أحد يعلم¡
لكنى كراوية لم أصدر حكما عليه¡ أقدر عقلية القارئ واحترمها¡
فيما يتعلق بالأحداث ومسارها فلم أحاول الإيهام بموضوعية تخفى انحيازاتى¡
لى موقف وهو معلن بوضوح عبر الرواية¡ ضد سياسة الإفقار العثمانية
للناس عبر إثقال كاهلهم بالضرائب¡ ضد أن يقوم والى حينما تفلس
خزانته باختلاق فتنة طائفية ليفرض غرامة على كل من المسلمين والمسيحيين
كى تمتلئ الخزانة¡ ضد الحركات الصوفية فى هذا القرن التى مارست
دورا كبيرا فى تغييب الشعب عن حقه وتبرير تصرفات الحكام ومبدأهم
هو " سلطان غشوم ولا فتنة تدوم"¡ ضد الجمود الفكرى الذى لا
يزال يرين على أذهان وأفئدة الغالبية منا.
سأكرر
مرة أخرى موقف الكاتبة العظيمة تونى موريسون المعنية بمجتمعها بقضاياه¡
والمرأة جزء أصيل من القضايا¡ وعندما صدرت روايتها الأخيرة
" الفردوس " تتحدث فى مستهل الرواية عن نساء تركن المجتمع ولجأن
إلى دير أو منزل قديم يقع على أطراف قرية للسود التى اعتبرت أن استغناء
هؤلاء النسوة عن الرجال أمر مستفز يتوجب القتل¡ حتى أن كل
فصل معنون باسم كل واحدة من هؤلاء النسوة¡ هذا المعنى الظاهر
للعمل¡ لكن مسألة النساء هنا هى طبقة من طبقات الرواية وفلسفتها¡
فهى ما كتبت الرواية إلا للتحدث عن شتات السود فى القارة الأمريكية
بعد الحرب بين الشمال والجنوب¡ هذا الشتات الذى جعل بعضهم
متشددين فى قراءة نص دينى حفر فوق فرن¡ استخدموه فى شتاتهم..
حيث كل يبحث عن فردوسه.
وتحتفى
الروايتان بالتنوع الثقافى.. بالرغم من أن شخصيات رواية " الغُر"
تبدو موزعة بين عدة انتماءات عدة عقيديا ووطنيا¡ فإن سؤال
الهوية بالنسبة لى شخصيا لا يؤرقنى مطلقا¡ لأنى باهتماماتي
وواقع عملى كصحفية أعرف أن الهوية ليست أحادية بل متعددة¡
جذورى مصرية¡ عربية الثقافة¡ كل حضارات العالم حضارتى¡
وكل الأفكار والمعتقدات تستحق منى أن أطلع عليها¡ إن لم تعزز
فى ذهنى أفكار ما¡ فلقد عمقت القراءة النقدية لدى على الأقل.
فى
"الغُر" اهتممت بشخصيات لم تنتزع فقط من أوطانها¡ بل وليس
ثمة أمل فى العودة إليها¡ مثل بطلة الرواية "صافيا" الأم التى
جاءت من غرب السودان كسرية مختطفة واستقرت فى دمياط فى الربع الأخير
من القرن التاسع عشر¡ مثل صديقتها الأرمينية الفقيرة التى
كانت تختلف معها إلى الكنيسة وتعمل بالتطريز الذى يمنحها مأثرة معرفة
الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة من طريقة تطريز ملابسها.. وهذا
الفنان التشكيلى الأرمنى / مصرى المولد الذى قرر الاختيار يوما ما
بالعودة إلى جذوره فى أرمينيا¡ وتجربته التى أثرت على فنه
وشخصيته، بالرواية أيضا شخصية كردى حاولت فيها أن أتعمق فى فهم مسالة
الهوية لديهم فى الوقت الراهن ورغبتهم فى إقامة دولة مستقلة، ستؤثر
على خمس دول بالشرق الأوسط بها اقليتان كرديتان¡ يختلفان حتى
فى اللغة.
فى
رواية " نوة الكرم" رغبت فى تجاوز نفسى بالكتابة عن زمن بعيد نسبيا
- القرن السادس عشر- وكان الجهد النفسى الشاق - بعد القراءة المتأنية
للتاريخ - أن يتم تخليق شخصيات عادية من الشعب¡ حيث لا ألجأ
إلى التاريخ الرسمى وإن احتفظت بمنطق التاريخ فى الكتابة¡أرصد
مواقف الحركات الصوفية فى تلك الفترة وإسهامها فى تغييب الشعب عن
حقوقه.. وكان على أن أتماهى مع كل شخصية بتكوينها النفسى والعقلى¡
بغرابتها¡ بخيرها وشرها¡ حيث أنه يسير على أن أتوحد
أتماهى حتى مع ( خصم ما ) وذلك على نحو ذهنى ونفسى¡ لأدرك
تكوينه ودافعه ومدى ما يعانى هو نفسه من قهر¡ لا أتجاهل الوضع
الأوسع قليلا: فى أى سياق مجتمعى¡ ظرفى¡ سياسى¡
تاريخى¡ ميثولوجى قد يتصرف ويفكر الرجل مثلا.. الحقيقة أن
غالبية شخصيات الروايتين هى من الرجال… وعلى رأسهم يأتى " الترجمان
" الشاهد على العصر وهو منحدر من أصول مغربية بربرية استقرت فى مصر.
أن
أكتب عن امرأة من القرن السادس عشر معناه أن أحدس أيضا بمشاعرها
الحسية...لذا كتبت عن "ليل" الفتاة المكافحة التى تعول أخوتها الصغار
بعد وفاة والديها¡ ليل أيضا مشاغبة لها شقاوات لا تخلو من
براءة¡ وائدة لأنوثتها التى لن تتفجر إلا فى مرحلة لاحقة من
عمرها، عمر الجدات آنذاك¡ وتحايلها وهى صغيرة على المعيشة
بارتداء ثياب الغلمان فى أوقات صدور قرارات- وقتية أو لحظية أو مزاجية
- بمنع خروج النساء من بيوتهن¡ فإذا بزيها الغلمانى يفضح تهتك
لمجتمع يعانى الاضمحلال¡ حين يتجه بعض الرجال إلى الجنسية
المثلية¡ مدركين أو غير مدركين¡ أنهم يتعالون حتى على
المرأة كجسد.
والرواية
تسائل التاريخ عن مسار ومصير الحضارة العربية والإسلامية.. وتسأل:
هل نحن نحتضر¿!
بالرواية
شخصية مركزية وهى " آمونيت " القبطية التى جفلت من حياة الرهبنة¡
وكرست آمونيت ( فرعونية الاسم ذات الطهرانية المسيحية ) نفسها لتطبيب
آلام الناس الروحية والنفسية والجسدية والفقراء بخاصة¡ وشخصية
المطراوى كبير تجار دمياط سلافى الأصل أخذه العثمانيون من أهله الأوربيين
وفق نظام الدفشرمة¡ ويشتريه تاجر دمياطى¡ ولسبب موضح
فى سياق الرواية سيعلن أنه ابنه من لحمه ودمه¡ ليصبح مسلما
ومسيطرا على مقدرات التجارة بالثغر¡ وتنتابه رغبة عارمة فى
استعادة طقوس يعتبرها المسلمون وثنية وكافرة¡ وما كانت سوى
ولعه باستعادة جو الكرنفالات الذى رآه فى طفولته فى أوربا السلافية،
القرصان الجريكو الذى أعلن إسلامه والتوبة عن القرصنة لكنه سيعمل
مصمما لسفن أسرع وأرشق للقراصنة المسيحيين فى بحر الروم حينها¡
بيسى الراقصة اليهودية التى تعانى تحيز أسرتها ضدها التى لم تقدم
الحماية الكافية لها¡ وواحة سيوة التى سيقطنها الخزاف "الذى
يعد مثالا للفنان فى كل عصر¡ ومعاملة أرملته كغولة يجب حبسها
و التحرز منها كى لا تتلف عينها الشريرة الزرع والضرع.. بالإضافة
إلى شخصيات مصرية أصيلة سيكون من نصيبها الاحتكاك مع ثقافات مختلفة
عبر ترحالهم فى البحر المتوسط.. والقبائل البدوية فى مصر ومناوشاتها
مع السلطة لرفضهم دفع الجزية.
كتبت
الآن عن معشوقين¡ هما فى الحقيقة جديلة لعشق واحد: وطننا العربى
/ التاريخ.
نجوى
شعبان - خاص بالإميراطور - 02.01.2004