
مادونا
مستقبل
الأنوثة وتحرير النسويات من خوف الجنس
إزاء
البحث عن صور للمغنية الأميركية، من أصل إيطالي، مادونا على
إحدى أبرز صفحات خدمات البحث على الإنترنت، وبعد أن تنهال عليك
عشرات الصور المتنوعة بمختلف أوجه المغنية الحِرباء المتقلبة
المظهر، يفاجأ المرء بالحضور المباغت لصور تمثيلات السيدة العذراء.
كما سبق للبيتلز أن تباهوا بأنهم أكثر شهرة من المسيح نفسه،
أن تأتي أولوية نتائج البحث الإلكتروني لصور مادونا على صور
العذراء دلالتها منها وفيها.
إن
كانت مادونا لويس فيرونيكا (16 آب 1958) تراود مخيلتك الجنسية
وحسب، أو تعتبرها مغنية سيئة أو تافهة أو مثالاً لرداءة الفن
الموسيقي التجاري أو نموذجاً للحط من قيمة المرأة أو انما كنت
لا تلفت انتباهك على الإطلاق، فانك لا تستطيع تجاهل واقع أن
جيلين من المراهقين حول العالم ترعرعا على ألحان أغنياتها وكبرا
بمصاحبة نصوص أغنياتها في العقدين الأخيرين. وخلافاً لمعظم كبار
نجوم غناء موسيقى بوب الثمانينات، الذين أفل نجمهم بسرعة في
السنوات الأخيرة، لا تزال مادونا بكامل قوتها الإبداعية وحضورها
على الحلبة الموسيقية قاهر. حتى أن ناقداً موسيقياً عبر عن استيائه
حيال المبيع الكبير لاسطوانتها الأخيرة، الرديئة جدا بالفعل،
وتساءل، إلى متى تستمر في طغيانها على الساحة الموسيقية الشعبية؟
ملامحها
معتدلة الجمال، لا تمتلك صوتاً رخيماً أو قدرات صوتية مميزة.
ومع أن عدداً من أغنياتها استحال كلاسيكيا اليوم، فإن الكم الأكبر
منه فظائعي برداءة مستواه، موسيقى ونصاً. حتى ان أفضل أغنياتها
لا تقارن بجودة أعمال فرق موسيقية ومغنّين آخرين اقل شهرة منها
في مجال موسيقى البوب. ممثلة رديئة، حازت عدد كبير من جوائز
أسوأ ممثلة. في المقابل، مادونا امرأة خفيفة الظل، وذكية ومحنكة،
وتمتلك من العزم والإرادة وقدرة التحمل ما يكفي لمساندتها في
التعويض عن طبيعة صوتها العادي. أدركت جيداً أهمية اختيار لحن
وإيقاع وتوزيع موسيقي يستلب راقصي علب الليل. والأبرز، استيعابها
الجيد للعبة السوق وكيفية التلاعب بالإعلام وصنع الفضائح، وإدراك
أهمية كامل ميكانيكية ترويج الرزمة النهائية للعمل الفني.
بلغ
المستوى الفني لعدد كبير من أغنياتها المصورة التحفة الفنية
بجدارة في حقل الفيديو كليب. راقصة متمكنة من جسدها وحركاته،
انضباطية، مدمنة عمل. سيدة أعمال ممتازة، تمتلك شركتها الخاصة
لإنتاج الاسطوانات، ساهمت من خلالها في إطلاق مواهب جديدة، أبرزهم
المغنية النسوية <<الانيس موريسيت>> وفرقة <<كاندل
بوكس>>. ناصرت المثليين والمغايرين جنسياً ودعمت الحملات
الدعائية لترويج استخدام الواقي الجنسي ومحاربة السيدا.
لم
يسبق لأي امرأة أن بلغت موقعها في تاريخ الموسيقى الشعبية على
صعيدي الانتشار والشهرة والربح المادي. استفزازية، مذهلة بانتهاكاتها
التي عادة تتنافى مع مفاهيم سوق الموسيقى التجارية المحافظة
عامة. وكما سبق لمارلين مونرو، وتكن لها مادونا إعجابا كبيرا،
أن فجرت غيظ النسويات وأثارت الرجال جنسياً وإن تلازم ذلك مع
قلة تقدير من طرفهم، يبلغ حد الاحتقار أحيانا، لشخصها أو التحولات
التي خلفتها، مثل مارلين مونرو لقيت مادونا التعاطي الجائر نفسه.
وعلى غرابة الأمر، التقى كل من الحركة النسوية والأخلاقيين والكنيسة
على انتقادها بشدة. ومما وصفت به: مُحِطة من مكانة النساء، مبتذلة،
مدنسة، غبية، سطحية، انتهازية.
نمط
صحي
يسقط
الكم الأكبر من النجوم عادة في مأزق إغراءات حياة الشهرة وما
يصاحبها من نمط عيش غارق في عالم الجنس والكحول والمخدرات وتحطيم
الذات. باستثناء الجنس والفضائح المتعمدة لم يمس مادونا شيء
من هذا النمط، فقد خضعت مادونا طوال حياتها الفنية إلى نمط حياة
صحي منتظم، إن كان من خلال التحول إلى نباتية، أو الامتناع عن
التدخين، وممارسة مختلف أنواع الرياضة والنوم ساعات كافية. وذلك
بهدف تطويع الجسد والسيطرة عليه والعناية به على أفضل وجه ممكن
كي يستحيل استعراض بصري ايروتيكي، ويؤدي واجباته كأيقونة لذة
جنسية لعيون الجمهور. هذا دون ذكر الجهد العضلي المنهك الذي
تتطلبه من الجسد استعراضاتها الغنائية الراقصة الصعبة.
منذ
بدايتها الموسيقية قدمت نفسها كفتاة حي تحوم في الشارع مع زميلاتها
وتعجب بزمر الزعران وبأصحاب الحرف التي تفرض مهنهم على الجسد
تحوله إلى كتلة عضلية صلبة كالميكانيكيين والبناءين، أصحاب الأجساد
المتينة المفعمة بالجنس الفج وتعاشرهم. بدلت مظهرها الخارجي
بسرعة التبدلات المناخية، وسرعان ما تحول زيها ونمط تسريحتها
موضة اعتنقتها الفتيات المراهقات. في عز شهرتها، وما يصاحبها
من بذخ ووفرة مادية، أطلقت أغنية <<عبر عن نفسك>>
Express yourself (1989)، الأقرب إلى منشور موجه إلى الفتيات
عن كيفية التعاطي مع الحب والجنس، خلاصته انها تنصح الفتيات
بعدم الاهتمام بسيارة العشيق أو الهدايا الثمينة وان يتعاطين
مع العشيق على نحو عاطفي والتركيز على المشاعر بدلاً من الماديات.
وهي حتى عندما تبجل المال على الحب في أغنية <<فتاة مادية>>
Girl Material (1984) تنهي الفيديو كليب، المستوحى من نمرة مارلين
مونرو الغنائية الشهيرة <<الألماس هو صديق الفتاة الأفضل>>،
باختيار عشيق معدم والصعود بشاحنته الوسخة والقديمة. هل هذا
مجرد خداع وزيف بهدف الربح التجاري؟ في مقابلة حديثة لها، وذلك
بعد أكثر من عقد ونيف، قالت: <<يرغب الناس في الشهرة من
دون أن يدركوا حتى الهدف منها. إن لم تمتلك العزم على استخدام
القوة التي بين يديك بهدف تحسين العالم فإن الشهرة مجرد إضاعة
وقت>>.
جردت
الصلبان من مضمونها الديني وأحالتها إكسسوار للزينة. وفي عام
1984 تطلق عدائية الكنيسة باتجاهها إثر عرض فيديو كليب أغنية
<<كصلاة>> Like a Prayer، وفيه تدخل مادونا الكنيسة
وتخلع قميصها وتبقى بقميصها الحريري التحتاني combinaison، ثم
تقبل قدم تمثال قديس أسود بشبق وتحيله حيا. كما تصاب بجروح صلب
المسيح في يديها معلنة عن قدسيتها وألوهيتها، وتتلقى قبلة شهوانية
من القديس الأسود على المذبح، وترقص في الكنيسة على صوت الكورس
الأسود باحتفالية منتشية. وتنتهي الأغنية. لم ولن نشهد مادونا
بهذا القدر من الجمال الأنثوي وهي ترقص بإغواء في قميصها التحتاني،
متمايلة تتآكلها الرغبة وتزأر المشاهد بنظرة جنسية مغوية ومهددة،
أمام خلفية مجموعة صلبان ضخمة تنهشها النيران. مع العلم ان مادونا
مؤمنة وقامت بمراسم زواجها الأخير في الكنيسة.
في
عدد من فيديو كليب أغنياتها، ظهرت على صورة المرأة التي لا تمانع
من أن تحبو وتزحف تحت وطأة اللذة، ولا تخفي رغبتها بسطوة بالذكر
ولا تعترض أن يكبل عنقها بالسلاسل، كجزء من اللعبة الجنسية.
وهي تدرك جيداً أن الاستسلام للجسد الذكوري والإذعان لملذاته
لا يقلل من قيمتها كأنثى أو يضعها في مرتبة دونية منه أو اتخاذ
موقع الضعيف. وحين اتهمتها النسويات بأنها حطت من قيمة النساء
واذلتهن من خلال أداءها هذا، كان جوابها، <<أنا التي كبلت
نفسي، مما يعني أنا المتحكمة بزمام الأمور>>. ومع فيديو
كليب <<برر حبي>> Justify My Love (1990)، أحد أفضل
أعمالها، جاء العمل على حد من الجرأة، لم تتحمل محطة <<إم
تي في>> معه مغبة عرضه. ومن جديد، تشكل الكنيسة والنسويات
والمتزمتين اتحادا ضد هذا العمل. تشير الباحثة النسوية <<كاميل
باغليا>> في دفاعها عن مادونا وفيديو الكليب نفسه إلى
أن، <<مادونا هي النسوية الحقيقية. فهي تفضح تزمت الحركة
النسوية الأميركية بأيديولوجياتها الخانقة. لقد علمت مادونا
الفتيات اليانعات كيف يمارسن أنوثتهن وجنسيانيتهن من دون أن
يخسرن تحكمهن بحياتهن في الوقت نفسه (...) تمتلك مادونا نظرة
جنسية أشد عمقاً من النسويات أنفسهن. من خلال تغيير لون شعرها
ونمط أزيائها كل شهر تجسد مادونا القيم الخالدة للجمال واللذة.
تقلن النسويات: لا مزيد من الأقنعة. لكن مادونا تقول نحن لسنا
سوى أقنعة. من خلال تأثيرها الهائل على الفتيات حول العالم،
إن مادونا هي مستقبل الأنوثة>>.
الرغبة
لا
تكمن المسألة عند هذا الحد وحسب، فمن خلال مزاوجة تجاربها الشخصية
بعملها الابداعي، والانفتاح على مختلف التجارب المتعية والتمحيص
بلعب الأدوار والهوية الجنسية، نجد في أعمال مادونا الانعكاس
الشعبي للفكرة القائلة بأن المظاهر ليست على ما هي عليه وحسب،
وان خلف المقدسات قوة ايروتيكية تطغى علينا خارج وعينا وأخلاقياتنا.
كما ان رغباتنا وملذاتنا لا تخضع للمنطق والعقلانية وتكمن في
عالم مستقل عنها تماما. وان ما نتشربه ثقافيا ونرفضه بشدة، يستمر
في مداعبة أهوائنا الجنسية ولا يخضع لتحليلاتنا العقلانية أو
مقاومتنا لها.
عندما
حاولوا الإساءة إلى شهرتها من خلال نشر صور عارية لها سبق ان
تصورتها قبل بدء حياتها الفنية بهدف دفع اجر منزلها، جاء ردها
بعد عدد من السنوات كثأر من خلال الكتاب الفوتوغرافي الايروتيكي
الفضائحي <<جنس>>. لتلحقه بأحد أفضل تسجيلاتها ألبوم
<<ايروتيكية>> Erotica (1992). وتستهل جرأة هذا
العمل بدءا من غلاف الاسطوانة الخلفي، وفيه نشاهد وجه مادونا
في حالة انتشاء جنسية وهي ممسكة بقدم كمن يمسك قضيباً وقد أقحمت
إصبع القدم الأكبر في فمها تمصه بشهوانية. أما نصوص الأغنيات
فتتمحور حول اختبار الألم كمتعة جنسية والترويج للحب الحر وممارسات
الجنس السادية مازوشية والعلاقات المثلية. بحسب مقابلة حديثة
قالت مادونا، <<لقد كنت غاضبة من نظرة الناس إلي. خاصة
من فكرة انه طالما ان المرء جنساني لا يمكن أن يكون ذكيا. كنت
في مزاج استفزازي قوي وقررت انني أريد تحرير جميع نساء العالم.
هل نجحت في ذلك؟ لست متأكدة. في ختام اليوم، معظم ما صنعته كان
نابعاً من اناي، حاولت صدم الناس، وحينها، أحسست بأنني شديدة
الأهمية>>.
في
الخامسة والأربعين من عمرها اليوم، بغض النظر إن كانت محبوبة
أو مكروهة، لا يستهان بالنموذج الذي تقدمه مادونا كامرأة عاملة
مستقلة، ولا تختلف همومها عن نساء هذا النوع. وهي عندما تتطرق
إلى حياتها المهنية الشخصية تبوح بأنها لا تملك الوقت الكافي
كي تشاهد التلفاز أو قراءة المجلات، فبين اهتمامها بولديها وزوجها
والالتفات إلى حياتها الروحية وممارسة الرياضة تشير إلى أن،
<<لا أملك الوقت ولا أملك ترف مشاهدة التلفاز>>.
وبينما تمحورت مواضيع أغنياتها حول الجنس والحب والتشجيع على
التعبير عن النفس ورفض كبح الذات طوال مسيرتها الفنية، يطرأ
تبدل جديد في التعاطي مع الجسد، الذي يلوح ان العناية به قد
انهكتها بعد كل هذه السنوات، ففي واحد من فيديو كليب أغنياتها
الجديدة <<ما هو عليه أن تكون فتاة>> What It Feels
Like a Girl، خلافاً للسائد، نشهد راقصات ممتلئات الجسد، وقد
صرحت مادونا علنا عن رغبتها في خرق هذا التابو، <<غالباً
ما تكون نساء الفيديو كليب برفع الأعواد. أن تشاهد امرأة لحيمة
هو واحد من المحرمات، كما أنني أجدهن نساء قويات وجميلات>>.
في
أحدث أعمالها، <<الحياة الأميركية>> تتخذ مادونا
منحاً جديدا في اختيار نصوص أغنياتها وللمرة الأولى نجد نقدا
اجتماعيا سياسيا للمجتمع الأميركي. والعمل بحسب ما تقول، <<يعبر
ألبوم <<الحياة الأميركية>> تماما عن حالتي النفسية
أثناء صناعته. لقد تأملت العشرين سنة الأخيرة من حياتي وأدركت
أن الكثير من الأمور التي أعطيتها قيمة لم تكن مهمة. كما إنني
أدركت ان الحلم الأميركي أن يبدأ المرء من لا شيء ويصنع الكثير
من حياته قد ينبع من غاية صافية لكن يجد المرء نفسه قد أزيح
عن وجهة الطريق الأصلية إزاء الإغراءات التي يواجهها: المزيد
من المال، المزيد من الشهرة، المزيد من هذا وذاك... تختلط عليك
الأولويات وتبدأ بتقييم الأمور الخاطئة. ان الأمر الوحيد الذي
يجعل المرء سعيداً يعتمد على وضعه الروحي، وعلى طريقة تعاطيه
مع الناس وعلى الحب الكامن في قلبه. أعرف ان هذا الكلام يلوح
سخيفاً لكنه الحقيقة>>.
منير
عبد الله - 16.04.2004