حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

غرفة فرجينيا وولف
دراسة في كتابة النساء

لا يزال كتاب فرجينيا وولف (غرفة تخص المرء وحده) يثير جدلاً عميقاً. وفي هذا الكتاب تتخيل وولف أنه كان لشكسبير أختاً لا تقل عنه عبقرية، ولكن ليس لديها الفرص التي توفرت له، فهي لم تُرسل إلى المدرسة ولم تُشجع على التعليم في البيت ولم تكتسب سوى خبرة ضئيلة في الحياة، ولم يكن لديها متنفس لعبقريتها، وعندما يهددها زواج مفروض تهرب إلى لندن راغبة في العمل كممثلة، غير أن طموحها يُواجه بسخرية فتضطر أن تكون عشيقة لرجل، وإذ تجد نفسها حاملاً تنتحر.

تصور وولف في كتابها (غرفة تخص المرء وحده) أن هذا أو شيئاً شبيهاً به من شأنه أن يكون مصير أية امرأة تتمتع بعبقرية وموهبة فذّة.

وتتوجه وولف في كتابها إلى طالباتها متسائلة: هل لديكن أية فكرة عن عدد الكتب التي يكتبها الرجال عن النساء في عام واحد؟ هل تعلمن أنكن ربما كنتن أكثر المخلوقات موضوعات للنقاش في الكون؟ ولماذا قال صموئيل بتلر: بأن الرجال الحكماء لا يبدون رأيهم بالنساء؟ ولماذا رأي العديد من الكتّاب الرجال بأن أفضل امرأة فكرياً هي أدنى من أسوأ رجل؟!!

تطرح وولف تساؤلاً أساسياً في كتابها حول غياب أو ندرة الكاتبات في عصر النهضة والقرن السابع عشر، وتبين وولف بأن افتقار النساء إلى التعليم والمال، ووطأة القيود الفكرية التي يخضعن لها، يولد لديهن إحساساً بعدم الأمان، ومحو الذات، ويمارس تأثيره على تفكير الكاتبة، وأحد العوائق الأساسية التي تواجهها الكاتبة أنه يُنظر لكل نسوي كما لو أنه ينبثق من لا مكان، كما لو أن كل واحدة عاشت وفكرت وعملت دون مخاض تاريخي.

ويعني افتقار المرأة إلى غرفة خاصة بها افتقارها إلى الراحة ووقت للكتابة وفسحة للتأمل. فضلاً عن افتقارها إلى الراحة ووقت للكتابة، كذلك افتقارها إلى الثقة بنفسها وإلى التجربة والعلاقة الحميمة مع الأحداث، فاستخدام القلم من قبل المرأة يهدد السلام العائلي. وتنبه وولف لضرورة الوقت بالنسبة للكاتبة، الوقت المطلوب من المرأة وحدها لخدمة الآخرين الأصماء وتولي مسؤولية العناية بالصغار والكبار والمرضى. وفي ظل التقسيم الجنسي للعمل تقع على عاتق النساء مهمة إنتاج الوقت للرجال من أجل أن يكتبوا مما يضطرهن إلى تقليص وقت كتابتهن، فمشكلة الوقت بالنسبة للكاتبة مرتبطة بالأعمال المنزلية وتربية الأطفال وإنجاز واجبات لا يمكن للمرأة التغاضي عنها.

وتلتفت وولف إلى أن اميلي وشارلوت برونتي، وجين أوستن، وولف ذاتها كن بلا أطفال، وهذا ما يفسر امتلاكهن الوقت للكتابة، لكن النظام البطريركي ينظر للنسوة بلا أطفال بأنهن نساء غير حقيقيات.

وبسبب النظام البطريركي الذي يضطهد النساء، اضطر عدد منهن أن يخفين هوياتهن الشخصية خلف أسماء مستعارة، وتعتقد وولف بأن الكاتبات يحصلن على احتفاء أفضل بإنتاجهن إذا ما جرى الظن بأنهن رجال. وتنبه وولف في كتابها إلى أن النقد بأيدي الرجال دوماً، وبأن صورة الكاتبات تقدّم في إطار التقليد الأدبي الذي يهيمن عليه الرجال، وتستنتج أنه على الرغم من أن الرجال يسمحون لأنفسهم بحرية كبيرة في الكتابة فإنهم يزدرونها عند النساء. وفي هذا الإطار تؤكد وولف أن مستقبل الرواية يعتمد كثيراً على المدى الذي يمكن فيه تعليم الرجال تحمّل الخطاب الحر لدى النساء.

غضب الكاتبة:

استأثر موضوع الغضب على أعمال وولف، فهي تؤكد دوماً على المصير المأساوي للنساء الموهوبات اللواتي كانت الثقافة البطريركية ترغمهن على الصمت أو تدفعهن للجنون.

وتعتبر شخصية المرأة المجنونة في كتابات النساء بديلاً للكاتبة وصورة قلقها وغضبها، فالمرأة الموهوبة تعاني من صراع حاد بين ما هي عليه وما يفترض أن تكون عليه.

وكان تعبير النساء عن الغضب من أعظم المحرمات في العصر الفكتوري، وأعتبر كبته وقمعه شرطاً مطلقاً لحياة المرأة في ذلك العصر، واضطرت معظم كاتبات الماضي إلى تعلم كبت الغضب. وتمكنت بعض الكاتبات من إخفاء غضبهن تحت سطح هادئ خادع.

كان غضب فيرجينيا وولف مزدوجاً، فهو من جهة تنفيس عن غضبها لتبعية النساء، ومن جهة أخرى حاجتها لاسترضاء جمهور الرجال الذي لم يكن بوسعها تجاهله، وبما أن هاتين الحاجتين متناقضتان فإنهما تستدعيان شكلين متباينين من التعبير الأول مباشر غاضب، عاصف وشخصي، والثاني موضوعي، منضبط، ساخر، وترى وولف أن الغضب يمكن أن يكون الجذر لكنه لا يجب أن يكون الزهرة أبداً.

وفي كتاب "الفن والغضب" للناقدة جين ماركوس التي حللت كتابات وولف لا ترى أي صراع بين الفن والغضب.

وتقول بأن الغضب في الفن ليس لعنة، إنما مصدر أساسي للطاقة الإبداعية فالغضب المكبوت يُحجر قلوب الكاتبات، فلماذا لا يتخلصن منه؟ ولماذا-كما قالت وولف- ينتظرن الشيخوخة ليلفظن حصتهن المتراكمة من الغضب؟ فلا حاجة للمرأة إلى دفن غضبها وتحويله ضد نفسها.

لكن وولف التي تناولت العديد من أعمال الكاتبات تصر على فكرة جوهرية هي أن التعبير المباشر عن الغضب مُهلك بالنسبة للفن ومشوّه له، وتعتقد وولف بأن الفن المُنتَج تحت ضغط الغضب فن غير سوي، كطفل ولد مشوهاً قبل الأوان.

والعلاقة بين الغضب والفن معقدة وإشكالية عند وولف، فغضبها في الحقيقة يخفي خشيتها من الرجال وخشيتها من الجنون. ولأن وولف لجأت مراراً لكبت مشاعرها الخاصة، ورفضت التنفيس عن غضبها فقد جرّت نفسها إلى الجنون وإلى محاولات الانتحار. لقد كانت تعاني من صراع مرير في تحويل غضبها للداخل، وكانت واعية لصراعها على نحو عميق.

كانت وولف مؤمنة بما قاله الشاعر ت. س إليوت في مقالته الشهيرة "التقليد والموهبة الفردية" بأنه كلما كان الفنان أكثر كمالاً انفصل في داخله الإنسان الذي يعاني والعقل الذي يخلق..

لكن قرار وولف بكبت غضبها لم يكن أدبياً فقط بل سياسياً، إذ كانت تحس بالعداء المحتمل من جانب جمهور الرجال. لذا اعتمدت في أدوات بحثها على الحقائق والأرقام والمصادر المعترف بها، والاستشهاد بالحجج واستخدام الهوامش.

وأخيراً تتساءل وولف لماذا كتبت النساء الرواية تحديداً، ولم تبرع المرأة في كتابة المقالات والشعر؟ وتجيب وولف بأن الرواية لا تزال الأسهل كتابة بالنسبة للمرأة. فهي الشكل الفني الأقل تطلباً للتركيز، إذ يمكن الشروع بها أو التوقف عن كتابتها بطريقة أسهل مما هو الحال مع القصيدة أو المسرحية أو المقالة.

إن كتابة النساء كما حللتها وولف غالباً ما تكون موقفاً دفاعياً، ومفتقرة للأدوات وناقصة الخبرات، وغالباً ما تفقد الكاتبات بسبب السلطة الذكورية، العفوية وحس البداهة والإحساس بالأمان، وتضطر الكثير من الكاتبات للهروب إلى الرمز والإبهام وتجاوز المعاني.

إن فرجينيا وولف تسلط الضوء على النساء الموهوبات المثقلات بالعذاب الذي رمتها الموهبة به، وهي تصرخ بكل غضبها المكبوت والمُعلن في وجه كل الأنظمة المعيقة لتحرر المرأة من الداخل ومساواتها التامة مع الرجل.


د. هيفاء بيطار

الأسبوع العربي

اسم المؤلف: رضا الظاهر

الناشر: دار المدى

العام: 2001


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri