
الفريدي
يلينيك
أعلنت
لجنة جوائز نوبل اليوم الخميس السابع من اكتوبر بفوز الروائية
النمساوية الفريدي يلينيك بجائزة نوبل لعام 2004 التي تبلغ
قيمتها عشرة ملايين كرونة سويدية (1.36 مليون دولار). والفريدة
ولدت من أب يهودي في جنوب النمسا عام 1946. تعلمت الموسيقى
أخذت دروسا في المسرح، ودروسا في الموسيقى والأداء مما أثر
على عملها الروائي والمسرحي بحيث خلقت نوعا من السيولة الموسيقة
للأصوات المتضاربة داخل أعمال رواياتها. وبسبب هذه الناحية
الفنية أي "لفيض الموسيقي للأصوات والأصوات المضادة في رواياتها"
منحت جائزة نوبل جائزتها اليها. كما جاء في الاعلان عن الفوز،
وذلك لاماطة اللثام، بعاطفة لغوية، عبثية القوالب الجامدة
في المجتمع ونفوذها الطاغي." وتركز في معظم أعمالها على
الجنسية الأنثوية وعلاقات المرأة بالرجل وحروبهما الجنسية
ضمن مشاهد اغتصاب والاستغلال السادي للجسد. وتقوم بتشريح
هذه العلاقات بلغة خلاعية وفضائحية خصوصا في روايتها "شهوة".
وقد كتب أحد النقاد عن الفيلم المأخوذ من روايتها "مدرس
البيانو" الذي مثلته دور البطولة فيه الفرنسية ازابيل هوبرت،
بان الفريدة تخلط شوبرت بالتعذيب الذاتي والبورنو".
من
أعمالها الروائية "العشاق" (1975)، "المبعدون" (1980) و"شهوة".
وصرحت الفريدي يلينيك بانه يجب ألا يُنظر إلى هذا الفوز
كزهرة إلى النمسا، وانما يجب أن تعتبر هذه الجازة كمفاجأة
وكشرف كبير. تتنقل ما بين فيينا وميونيخ. كما أعلنت بأنها
جد مريضة حاليا وقد لا تذهب الى ستوكهولم لتسلم الجائزة.
وهكذا مع فوز الفريدة يصبح عدد النساء الفائزات بجائزة نوبل
منذ عام 1901 وحتى اليوم عشر كاتبات هن:
-
1909: سلمى لاغيرلوف (السويد)
-
1926: غراسيا ديليدا (ايطاليا)
-
1928: سيغريد اوندست (النروج)
-
1938: بيرل باك (الولايات المتحدة)
-
1945: غابرييلا ميسترال (تشيلي)
-
1966: نيلي ساك المولودة المانية والمقيمة في السويد
-
1991: نادين غورديمر (جنوب افريقيا)
-
1993: توني موريسون (الولايات المتحدة)
-
1996: ويسلاوا سسيمبورسكا (بولندا)
-
2004: الفريدي يلينيك (النمسا).
من
تكون هذه الكاتبة؟
"وعي
شقي" يصارع أطياف الماضي بلا خشية
بيروت
- بيار أبي صعب
من
لا يعرف النمسا, وتاريخها الحديث تحديداً, قد لا يفهم القسوة
الأسلوبية والتطرّف الجمالي اللذين يميّزان مسرح إلفريده
يلينك وأدبها, وقد لا يفهم هذا الاتجاه الراديكالي الذي
تميّز به مسارها الابداعي منذ كتاباتها الأولى. ذلك أن التاريخ
السياسي لبلادها والتاريخ الشخصي الحميم للكاتبة يمتزجان
ليمدا كتاباتها بزخم خاص, وبنزعة نقديّة حادة لعلّهما تؤلفان
خصوصيتها الأولى. كان من المفترض بإلفريده أن تصبح موسيقيّة,
إذ أنّها بدأت بدراسة الكمان والبيانو منذ نعومة أظفارها...
(إضافة الى الباليه واللغة الفرنسيّة طبعاً, كما يفترض بأبناء
طبقتها). لنقل: أجبرت طويلاً على دراسة الموسيقى. هذا ما
خططته لها أمّها, فدخلت كونسرفاتوار فيينا ولما تبلغ السادسة
عشرة.
هؤلاء
النمسويون علاقتهم غريبة بالموسيقى. توماس برنار, مواطن
يلينك الذي غالباً ما يقترن اسمها به (علماً أنّها تشعر
أنّها أقرب ابداعياً الى مواطنها الآخر كارل كراوس), هو
الآخر هجر الموسيقى التي أخذته اليها تقاليد عائليّة, ولجأ
الى الكتابة. هو الآخر لم يحتمل هذا المجتمع البورجوازي
البارد والمحافظ والمنغلق على نفسه والمتعصب حتّى العنصرية,
فشهر بوجهه كلماته ونصوصه الغاضبة. المهمّ أن المراهقة انهارت
لعدم قدرتها على الاحتمال, وكان أن استسلمت للمرض, واجتازت
أزمة نفسيّة حادة. كان هناك من جهة ما تريده العائلة, ومن
الأخرى نداء الحياة. وهي ستختار "اللغة" كردّة فعل على تسلّط
أمها... لتجد فيها مجالاً للتعبير عن نفسها, وعن جراح طفولتها
وتمزّقات عائلتها ومجتمعها... وستتردد شخصية العازفة والموسيقيّة
ومدرّسة البيانو في عدد لا بأس به من أعمالها...
والكاتبة
المولودة في وسط البورجوازية المحافظ من أم كاثوليكيّة حاضرة
بطغيانها, وأب يهودي شبه مغيّب... هي ثمرة هذا التناقض الفظيع.
كما انها وريثة الجرح الذي لم يلتئم في الوجدان النمسوي
المعاصر, وهو إثم التواطؤ مع النازيّة الذي ترى يلينك, ومثلها
توملس برنار, أن شعبهما لم يقم بعد بعمليّة فحص ضمير ازاءه,
ولا بجردة الحساب المطلوبة. لذا ستكرّس أدبها لنكء الجراح,
وتمدّ للمجتمع, في كلّ نصوصها, مرآة مكبّرة تضخّم عوراته,
وترجّع انعكاساته صورته المشوّهة. تلك النقمة على لمجتمع
تمعكس على لغة يلينك كما تنعكس على أسلوبها وخياراتها الأسلوبيّة...
مسرحها تطوّر حتّى صار في النسوات الأخيرة قصيدة طويلة على
شكل مونولوغ ضاعت منه الشخصيات, أو توارت لصالح الأفكار.
وشخصياتها الروائيّة والدراميّة دائماً "مؤسلبة" "نموذجيّة"
كاريكاتوريّة... تعاني من طغيان المجتمع, وتعيد انتاجه بأشكال
متطرّفة. شخصياتها الأنثويّة ضحايا مسؤولة عن انهيارها لأنهها
متواطئة مع الجلاد, مع المنطق الذكوري, وكليشيهات الحريّة
الزائفة في مجتمع قائم على لعبة الاستغلال.
"بعد
بيكيت - تقول يلينك - شعرت بحاجة الى تجديد الاشكال المسرحيّة.
أرادت استعادة المسرح البريختي ليست بشكله بل بمخاطبته وعي
المشاهد". وكان أن تركت بصماتها على المسرح الالماني الجديد,
والمكتوب بالالمانية(لغتها في الكتابة), وعلى المسرح الأوروبي
بشكل عام, كما لم تفعل أي امرأة أخرى. ويلينك التي اختارت
الكتابة كردّة فعل على خيارات والدتها الصارمة, تعاملت مع
اللغة كسلاح ضدّ أشكال السلطة, رفعت لواء النسوية وانخرطت
في معارك لفضح العبء الاجتماعي الخانق, وكل اشكال التغييب
والتهميش والقولبة والانتحار الجماعي. لذا ارتفعت أصوات
كثيرة مطالبة بمنع كتبها وحرقها في النمسا المعاصرة التي
عاد فيها اليمين المتطرّف الى سدّة الحكم.
رواية
باعت 150 ألف نسخة فور صدورها
في
"مدرّسة البيانو" (1983) الرواية التي شهرتها بعد أن نقلها
مايكل مانيكي إلى الشاشة العام 2001, تصوّر شخصية مدرسة
بيانو في منتصف الثلاثينات تنام في فراش والدتها وتخضع لتسلّطها
وتحاول أن تخرج من حصار تهويماتها الجنسية وكبتها الدفين.
وفي "Lust" (كلمة تعني الرغبة واللذة معا - 1989) تصوّر
العلاقة السادو مازوشيّة بين رجل وزوجته تحت أنظار ابنهما.
وقد باعت الرواية 150 ألف نسخة فور صدورها, إلا أنها واجهت
جملات قاسية من قبل النقد, وذهب بعضهم الى اعتبارها رواية
"اباحيّة". هل قلتم "بورنوغرافيّة"؟ فليكن, تجيب يلينك,
إنما بورنوغرافيّة نسويّة, تأخذ كليشيهات اللغة الذكوريّة
وتعيد استعمالها ضدّ "التسلط الذكوري" ونظام القيم السائدة.
في
مسرحيّة "ما حدث لنورا بعدما تركت زوجها" (1979) تستعير
شخصيّة ابسن الشهيرة في "بيت الدمية", وتتصوّر لها - بعد
أن غادرت بيت الزوجيّة - مصيراً قاسياً حتّى الانسحاق لأنّها
استسلمت للوهم وخانت طبقتها... وتدور الاحداث في النمسا
خلال عشرينات القرن الماضي وتفاقم الأزمة تشهد صعود النازيّة.
وفي رواية "المهمّشون" (1980) تستعيد حادثة وقعت فعلاً,
وهي مسيرة انحراف أربعة طلاب ثانويين إلى عالم الجريمة والعنف,
متحملين تبعات وأعباء مجتمع لم يصفّ حساباته مع الماضي,
ولم يتطهّر منه. والجنس موضوع يتكرر في أعمال صاحبة نوبل
النمسويّة, تعبيراً عن استلاب المرأة واستغلالها وانسحاقها...
وكأداة تغريب وراديكاليّة سياسية. إلفريدي يلينك كاتبة يعذّبها
"وعيها الشقي" الذي يميّز جيلاً كاملاً من ورثة المحرقة
النازيّة... وقد كرّست أدبها من رواية ومسرح, لتصفية حساب
مؤلمة وقاسية مع ذلك الماضي الصعب, ومع كل تجليات النزعة
السلطويّة, والهيمنة الجنسيّة, والانصياع الانثوي, وسلبيّة
الأفراد المتواطئين مع آلة ضخمة تمعن في سحقهم واستلاب حريتهم
وقيمتهم الانسانيّة.
وتقيم
يلينك مع العالم علاقة صداميّة من خلال اللغة, إذ تتعامل
معها باعتبارها وسيلة المشاكسة والتحريض والمقاومة والاقتصاص
المثلى. هي وقد عانت يلينيك في بلادها من حملات التجريح,
بسبب جرأة كتاباتها وراديكايتها, حتّى أن هناك من طالب بمنع
كتبها بصفتها "أعمالاً إباحيّة فاضحة". وها هي جائزة نوبل
تعيد الى الكاتبة مكانتها واعتبارها, وتدفع دائرة اسعة من
القراء في العالم, الى اكتشافها - او اعادة اكتشافها - وسط
مناخ التوتّر وصعود كل أشكال التطرّف في أوروبا المنشغلة
بتحديات العولمة عن مواجهة أطيافها القديمة.
عزف
على العنف
محمد
علي فرحات
"مدرسة
البيانو" (1983) رواية النمسوية إلفريده يلينك اتيح لي أن
أرى فيلماً مقتبساً منها, حقق ثلاث جوائز رئيسة في مهرجان
"كان" السينمائي عام 2001, لعبت دور البطولة فيه ايزابيل
اوبير وأخرجه مايكل هانيكه (هذا غير فيلم يحمل عنواناً مشابهاً
أخرجه رومان بولنسكي).
فيلم
مشدود صوّر في فيينا حيث تكاد تسمع أصداء الماضي النازي
في ذلك العنف الداخلي الذي تستنبطه مظاهر الحضارة الكلاسيكية,
الأبنية الفارهة والبيوت المؤثثة جيداً, والكونسرفاتوار
حيث تمارس بطلة الرواية / الفيلم تعليم البيانو ونسمع مقطوعات
لشوبان وأمثاله. فيينا ملعب البطلة عازفة البيانو المنضبطة
في مظهرها وفي تعاملها الصارم مع التلاميذ والتلميذات, لكن
السيدة المنضبطة هذه تمارس حياة مزدوجة, فهي ما إن تغادر
الكونسرفاتوار حتى تنصرف في الليل الى أماكن سفلية في المدينة
حيث تشاهد عروض الجنس وأفلام الجنس المبتذلة الغارقة في
عضويتها وماديتها. وليست البطلة استعادة لـ "جميلة النهار"
التي قدمتها ذات يوم كاترين دونوف في فيلم "لويس بونويل",
انما هي امرأة تمارس العيش في قمة الرهافة معبراً عنها بالعزف
الكلاسيكي, وفي قاع الحسية معبراً عنها بأماكن العروض الجنسية,
حيث لا يأتي سوى رجال يستغربون وجود مثل هذه السيدة بينهم.
هذا
الازدواج نراه في علاقة البطلة بأمها القائمة على خلاف عميق,
كأن الأم تريد جذب ابنتها الى الشيخوخة, والابنة تريد النجاة
بنفسها من هذا المصير, فتؤكد على حيوية جسدها ورغباته.
ثمة
علاقة جنس وعنف تربطها بأحد تلاميذها, الشاب الارستقراطي
الذي يقتحم محافظتها ويصل الى تفجير رغباتها الدفينة...
لا تنطلق رغبات المرأة حرة عفوية, لكنها تتلبس بهذه الازدواجيات
التي تعلق بها من أسباب الحضارة والثقافة ومن لطخات النازية
بعنفها الداخلي التي لا تزال عالقة في الحجر وأهواء البشر.
تذهب
البطلة الى الحمام فتجرح نفسها - نوع من المازوشية. تنتقم
من تلميذة بسبب الغيرة فتضع في محفظتها كسور زجاج - القسوة
بلا رحمة.
لطخات
النازية في النفوس. كلّ منا يستبطن النازي بمقدار ما يستبطن
اليهودي والغجري. أما الإنسان فمقروء من فرويد الذي درس
ما كان قاله المعري: "أتزعم انك جرم صغير/ وفيك انطوى العالم
الأكبر".
الحياة
- 08.10.2004
*
يعتذر الموقع عما ذهبت به الأخبار والتسريبات، عندما أشار
الى أن الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا كان المرشح الأقوى لنيل
جائزة نوبل للآداب لعام 2004. فمؤسسة نوبل سينما غامضة كالعادة.
وقد لا يختلف اللفظ ما بين كلمة ديريدا وفريدى على خط الهاتف
كثيراً!!