
شهرزاد
ترحل إلى الغرب
الحريم
في الشرق يحيل إلى العائلة والحرام، أما في الذهنية الغربية
فيرتبط بالجنس والإباحية؟، إذا اختلف الأوربيون في كل شيء
فإنهم يتفقون بشأن الحريم. (اودا ليسك) التي تعني (امرأة
الغرفة) أساس وحدتهم!!
في
أوبرا عايدة لفيردي أو في باليه شهرزاد، شهرزاد ترقص باستمرار،
إنها موضوع دائم للشهوة، ومجردة من جاذبية الحكي، من أقوى
أسلحتها. "شهرزاد" اسم مكوّن من كلمتين فارستين تعنيان العريقة
الأصل، أهم صفاتها في ألف ليلة وليلة أنها صاحبة ثقافة موسوعية،
وراوية بارعة ذات استراتيجية ومنهجية، تروي ما تريد بذكاء
وبلا خوف.
رحلت
شهرزاد الى باريس سنة 1704 مع الفرنسي أنطوان كالاند الذي
أتاح لها التحدث بالفرنسية فغزت الغرب بقوة السرد في حين
فشل عبدالرحمن الداخل بالسلاح، وظهرت في اكثر من ثمانين
سلسلة سنة 1800، ومن الغريب أنها لم تشارك في الثورة الفرنسية
عام 1779، وفي وضع قوانين حقوق الإنسان والمرأة!، لكن شهرزاد
ما إن وطئت بلاد الفرنجة حتى تشوّهت وتحولت من أذكى شرقية
الى راقصة للمتعة. لاقت شهرزاد هوى في نفوس سيدات قصر فرساي
فسجنت في لوحات عناوينها الكسل والبذخ والأقمشة الفضفاضة
والتهور. في القرن العشرين ساهم الروس أمثال دياخليف ونجنسكي
صاحب باليه (الأسير الذهبي) في تأبيد هذه الصورة مضيفين
إليها التخنث والعنف. ارتبطت شهرزاد أيضاً في الغرب بمواد
التجميل وكان يجب انتظار باستور لإحالة الوصفات العربية
على سجل الفولكلور.
اهتم
الغرب بسندباد وعلي بابا وعلاء الدين، وبعد فترة تكرم أد
غار الان بو وكتب عن سيدة العجائب ووصفها بـ"الأميرة السياسية"
ومدح ذكاءها الخارق وكتب قصة سماها (الألف ليلة وليلتين
لشهرزاد)، وما لبث أن اغتالها بفظاعة تحدوها لذة مرضية.
شهرزاد في القصة حكت للملك عن آخر الاكتشافات كالتلسكوب
والتلغراف وآلة التصوير. "بو" ينسب معارفها الى الرحالة
سندباد الذي زار الغرب الذي كان يجسد الهيمنة العسكرية وقتها،
يغضب الملك من كذبها ويشنقها. كان بإمكان "بو" أن يسكت عن
(سرقة) سندباد الأسرار العسكرية الغربية ويتفادى استعمار
الغرب للشرق، لكنه في اغتياله لشهرزاد كشف عن دكتاتوريته
وعنصريته واحتقاره لحقوق المرأة.
الفرنسي
تيوفيل كوتيي كتب قصة قبل بو بثلاث سنوات عنوانها (ألف ليلة
وليلتين) وقتلها أيضاً لكن لسبب آخر هو انقطاع الإلهام عن
شهرزاد. بو قتلها لأنها تعرف أكثر مما يجب وكوتييه قتلها
لأنها لم تكن تعرف ما يكفي!.
ثمّ تتالت عروض هوليود عن الشرقيات في أفلام مثل "قسمت 1920"
و"الشيخ 1921" و"لص بغداد 1924" فشاهدنا الأزياء والحركات
الحلزونية المتهتكة والمملة نفسها (لمصاصة الدماء العنكبوتية)!.
هووليود هي التي رسخت أقوى الصور عن شهرزاد التي أدت أدوارها
ماريا مونتير فدرّت على هوليود ملايين الدولارات خلال الحرب
العالمية الثانية.
لفهم
هذه المذبحة، تعود المرنيسي الى كانط، اكثر الألمان انفتاحاً
في عصر التنوير، فتجد في أساس رسالته أن الأنوثة هي الجمال
والجسد، أما الذكورة فهي السمو والعقل. إنها رؤية مفلترة
عن الرؤية التوراتية. وفي الوقت الذي كان فيه هارون الرشيد
يبحث عن الجواري المثقفات ليشتريهن بالذهب، وتبني زوجته
زبيدة القصور والعمائر كان الفلاسفة الغربيون يحلمون بنساء
جاهلات.
الصورة
تفعل فعل آلاف الكلمات، تدشين هذه النظرة سببه الأصلي لوحة
انجر (الحمام التركي)، غسل الجسد بصفته متعة وطقساً حسياً
ونرجسياً في الشرق أظهر هوة ثقافية بين الإسلام والمسيحية
الغربية التي اعتبرت الحمام مكاناً للدعارة والدنس مع أن
الاختلاط غائب عن الثقافة الشرقية. الهدف من الحمام هو تنظيف
الجسد. الحروب الصليبية جعلت الغرب المسيحي يكتشف الجانب
الحضاري للحمام (كان عدد حمامات بغداد ستين ألف حمام عام
448 هجرية). كانت الفكرة أن النظافة مرتبطة بالأوبئة. توماس
دلام أول غربي مسيحي وصف قصر سلطان تركي مندهشاً من الفصل
بين الرجال والنساء. كان يظن العكس. استغرب أزياء النساء
اللواتي كن يلعبن الكرة برشاقة، فالغرب يعتمد على الزيّ
لإبراز الاختلاف بين الجنسين وهو ما تظهره لوحات (الوصيفة
ذات السروال الرمادي القصير) لماتيس ومواطنه بيكاسو الذي
رسم أربعة عشر مشهدا للحريم اعتبرت تنويعات على لوحة دو
لاكروا (نساء الجزائر في بيوتهن). لهذه اللوحات سلطة أقوى
من سلطة الواقع والتاريخ والحقيقة. الغريب أن تاريخ لوحة
ماتيس 1921 يرتبط بتراجع الاستبداد في تركيا وقوانين أتاتورك
العلمانية والمترافقة مع انتخاب سبع عشرة امرأة في البرلمان
وقانون منع تعدد الزوجات.
للنساء
الرشقيات وظيفة واحدة في المخيال الغربي هي الاسترخاء حول
السيد بسلبية لإرضاء شبقه. أما في اللوحة الشرقية، مرآة
الشرق لنفسه، فصورة الحريم مختلفة. المنمنمات الفارسية تعج
بصور شيرين وخسرو، مرسلة إشارات عدة أولها إنسانية اللوحة
وأمميتها (فخسرو فارسي وشيرين أرمنية) وملحميتها التي تظهر
في فروسيتهن ورشاقتهن. كذلك الأمر في اللوحات المغولية فنورجهان
زوجة الإمبراطور المغولي جاهانجير 1611 لم تظهر في اللوحات
المغولية الكثيرة إلا حاملة البندقية أو فارسة تصيد النمور.
تقع
فاطمة المرنيسي (العابرة المكسورة الجناح) أخيراً على برهان
حلّ لغز الحريم الغربي، تكتشف ذلك عندما تحاول شراء تنورة
فلا تجد مقاسها كونها عريضة الردفين، الرجل الغربي عكس الشرقي
يحصر القمع في المجال العام، يفرض مقاساً لحجم المرأة، عليها
أن تبدو دائماً في الرابعة عشرة، وبالتالي يحيل المزاج الغربي
الكبيرات في السن على النسيان، الغربي يتحكم في الزمن والضوء،
انه يفرض حجابا أكثر طغياناً من الحجاب الطالباني. لكن عنف
الغربي مغلف بالاختيار الجمالي، شأنه شأن أقدام الصينيات،
هذا ما يسميه بورديو بالعنف الرمزي، وهكذا تضطر المرأة الى
تشويه ذاتها، لتثبت أن إغراء الرجل أكبر طموحاتها، المسلمات
يصمن شهراً واحداً في السنة أما الغربيات فيصمن عمرهن كله!.
الأزياء
في الغرب صناعة ذكورية، الفحل الغربي هو الذي يضع قواعد
المظهر الخارجي، لكن الأزياء هي الجزء الظاهر من جبل الثلج،
فهذه القواعد الجسدية تشل قدرة النساء على الدخول في التنافس،
فالحمية من أقوى المسكنات السياسية التي عرفها تاريخ المرأة،
الجائعة من أجل النحافة ساكنة وبالتالي مطيعة، تذكير النساء
بمظهرهن الخارجي كما يقول بورديو يزعزع توازنهن فيصبحن (أشياء)
تابعة لمالكها.
الحريم
في الغرب أكثر منه في الشرق، في الغرب تحصل النساء على وظائف
كالرجال على أن لا تبارزهم وتفقدهم الإحساس بالأمان. قد
يوظف الرجال المرأة في منصب عال لكن بعد أحاطتها بنساء أصغر
يزعزعن استقرارها، وهكذا يمكن أن نرى حريماً في شركة، في
ناطحة سحاب، يديرها رئيس يحيط نفسه بعشرات "الجواري" ذوات
الطبيعة المقنعة.
أحمد
عمر - (المستقبل)