حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

هيفا.. عاصمة الثقافة العربية

الأجسادُ للحبّ، والأرواح لله

1

ما من جسد دون صاعق حار متفجر، أو صاعق بارد معطوب بطل مفعوله، فلا يؤثر في لحم الآخر أو يتفجر فيه.

والأجساد تالياً قارات متجاورة متنافرة متضادة متجارفة، منها من يحتمي بالإغراء لغةً للسيطرة على المقابل والغوص فيه إلى حدود التلف أو الذوبان ربما، ومنها ما يخمد فيرتد ليتناقض مع بنيته تحت طائلة طوارئ الجمال أو ينكص بتأثير عوارض أخلاق القباحة.

2

تاريخ الجمال..الاستشهاد في أول القائمة.

ثمة بريد للوصال ما بين العين والجمال. بريد محمول على مذنب اسمه الرغبة. في أوراق المراسلات تلك، يلخص العقلُ أحوال الاضطرابات في بقية مقاطعات الجسم، والناجمة عن مفعول الجمال وتأثيراته. وكأن الجمال بذلك، لا يمكن النظر إليه إلا كمسحوق سحري يُستنشقُ استنشاقاً، لينتقل تدميره الإيجابي أو السلبي عبر موجات التردد السيكولوجي، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى النشوة الصادمة أو العطب أو الجنون!

التأثير هنا.. يأتي على مقياس الحساسية الإبداعية، لا على درجة الإشباع الجنسي.

3

الأجساد كالغصون.. متى ما يبست، تكسرت.

ثمة جسد تمرد على الآلهة ليكون من غلاة الغواة غريزياً. يقابله جسدٌ استسلم للعصا الطاعة العمياء، فصار جزءاً من تراث السرير. هناك تربية خاصة، مسؤولة عن وضع الكائن البشري.

أحياناً.. نرى المخلوق الآدمي نصاً مقاوماً لمرض الخذلان. نصاً مضاداً لوضع ليس من طبيعته، وضع تشكل من طمي الخوف والقمع وسلطة السيف الشمولي. وتارة نراه جسداً اختار لنفسه العري، ليكون مصدر إثارة، تتجمع حوله الأبواق والإعلانات وتنتصب عليه الأعين انتصاب الرماح.

عالمنا الراهن المُستولى عليه بالغناء والغنج، لا يحتاج إلى أجسام تستهلك طاقاتها برفع الحديد، بقدر ما يتمنى إلى قوة تشريع ولتبرير رفع السيقان، من أجل رفع منسوب الغرائز في المحيط الذي تعيش فيه.

قد يأتي ذلك انتقاماً من بؤس الأوضاع وسوقيتها. فلا أهم من هدم الفساد بمعول الفساد نفسه.

4

صوت المطربة في همس تنهداتها.

حركة المغني المتقدمة راهناً، لا علاقة له بفشل الحركات الأدبية.

الثقافة العربية الرسمية والأهلية في غالبية مؤسساتها وجرائدها الحزبية الداعرة، أكثر قذارة من مدارس البورنو. لأنها ثقافة قتل. ثقافة إزاحة. ثقافة قمع لكل ما هو جميل ولا ينسجم مع وضاعتها وقمليتها الفكرية القائمة على مص الدماء.

وكم من المياه الثقيلة التي ينتجها الكتّاب الجراد أو الشعراء الجراثيم، بالقياس مع وسخ العامة؟

كم من دعارة كتّابية في العالم العربي؟ وكم تبلغ اليوم أعداد المؤلفين سماسرة وبائعي هوى حكومات من المتعاملين بأسواق الوضاعة؟

5

القلب ورقة نقدية لاستعمالات النساء فقط.

هيفا وهبي.. نص شهواني جمالي يثير المفرقعات. نص تحركَ ليحتل عقل الدجاجة وعقل الثور على حد سواء. والعرب الذين تشغلهم اليوم هيفا بصدرها وببقية مقاطعها ومقاطعاتها المختلفة،شعوب من حقها التمتع باللذة عن طريق الاستشعار عن بعد،بعدما فرغت من قضايا الحرب والسلم. الاشتراكيات ومبادئ الديمقراطية. الفساد والوحدة. حقوق الإنسان وحريات الحمير في التعبير. النفط مقابل الحذاء. تحرير الجلد من الدباغة.

ثم.. ليس الهياج بهيفا والتشبث بها وبسواها من رموز عصر التنوير الإيروتيكي، يعكس مناخاً غرائزياً بحتاً، بقدر ما ينظر إليه كمحاولة للتعلق برمز، تعويضاً عن غياب الرموز الكاذبة المتاجرة الطفيلية، تلك التي سقطت. أو الموضوعة على لائحة انتظار التسقيط القادم؟

فالشعوب التي تعجز عن الثورات.. تندفع إلى أنواع كثيرة من صور الانتقام، لتحقيق أحلام الباطن، وإن بأساليب سوريالية، تبعدها عن المقص والكهف والتعذيب.

6

العري.. الفستان الأم للجسد.

الجسد الأيروسي بنية اجتماعية لاهوتية شاملة. فأعلاه مؤلف أول. يحكي عن الداخل والخارج. وأسفله شيطان يكتب عن مكبوتات الأرض القلبية على الرغم من الخوف والنار والصواعق والطوفان والموت والأحلام والنوازع.

فالعرب فحولة حديد. والحديدُ طَرقٌ وتمددٌ ونكاحٌ. استعصاءٌ وتصلبٌ. استخلاص للقوة من الأنس والجن. من الأعشاب والحيوانات. من الجراد وطقوس السحر. من الحقن والفياغرا. من الأبالسة. من الروض العاطر. مادام المهم: كيف يكون وضع العضو. أهو منتصبٌ أم مائلٌ للانحراف. أهو قادرٌ على محاكاة الأنوثة التاريخية في الحفرة المعهودة، أم منهزم بلا حول ولا قوة على تخت الكينونة!!

وفي مسائل شحن القضيب وانتصاب الفحولة عمودياً فيه، ربما يختفي الحرام تماماً. أو يجد ما يبرر أفعاله. فشهوة حيّة منتعشة تتوالد إمتاعاً ونسلاً ومؤانسة، أهم من عقل فلسفي لا يلد سوى نظريات لا تسكب ماء على رأس ثعبان داخل فرن.

والعرب نحن.. أول من حول الكتب إلى أسرة للضجع بترجمات السلاطين على مدار سنوات (( الحر ملك )) والقصور الداجنة للرغبات أو بيوت الملذات المخفية.

النساء هنا، أولى ضحايا الجنس الأعمى. الجنس الذي نقل الثعبان تدريجياً من مضارب الرمل النفطي إلى قاع اللحم الأبيض. فما كان إلا التسمم في رحلة الموت.

7

أتدهورُ عاريةً عليه. وكليّ دواليب مشتعلة.

استعادة الكاتب لدور ما في الحياة، لا تتم بمقارعة الموجات الشهوانية، بل يتم أولاً بالقضاء على العادة السرية في أساليب التأليف والكتابة. وأيضاً بالتصالح مع رموز الإغراء. فالغاوية جذر الإبداع حتى الأبد.

8

وجعلنا لك النساء دفاتر تعبير.

ثم.. أليست الأجساد المفخخة بالشهوات.. الأجساد الخارجة عن الأزياء، أكثر إحساناً للبشر من السيارات المفخخة بديناميت الكهوف؟؟

 

أسعد الجبوري - aaj_001@hotmail.com


جــســــدهــــا يــغـــنّــي
لا صـــــوتـــــهــا فـــيــض
الــرغـــــبــــة

في معرض الكتاب العربي الدولي حلت هيفا وهبي ضيفة في جناح احدى الدور، وبدا السجال الثقافي حولها بين مؤيد ومستنكر وصامت. كان ظهورها هو الانجح بالمعنى التسويقي، وفتح باب التأوهات والرغبات والأوهام والهيامات والاستيهامات، مثلما جعل الشائعات تحاك عن احتمال زيارة نانسي للمعرض ايضا.

اين يبدأ الاصل، وأين الصدى؟ اصل الشيء هو مرجع جوهره، يقول مارتن هايدغر. فهل هيفا جديدة في الثقافة ام انها نسخة معدلة عن سابقاتها، ميزتها انها ولدت في عصر الفضائيات لا في عصر ابي الفرج الأصفهاني؟

لنعد الى نجوم الماضي الغابر قبل الكلام عن هيفا وأخواتها، فالتاريخ العربي الإسلامي يضج بنجمات جريئات، نذكر منهن سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، ولهذه الأخيرة قصتها.

هيفا نموذج من نماذج المرأة المتلفزة في العالم العربي، مع ما يكتنف هذا التصنيف من مغزى ومعنى. المرأة المتلفزة كيف تصير نجمة؟ كيف تتسرب الى أذهاننا، مثل سلوكية الديكتاتور، فتجعلنا عبيد الصورة؟ لو كان نيتشه موجوداً ماذا كان سيقول عن "حضارة" عالمها هيفا ونانسي؟

حين حلت العين في ثقافة الصورة محل الفم والأذن كأداة وحيدة فاعلة، فإنها حلت هنا كموضة مركزية، تغيرت معها مقاييس الثقافة كلها، إرسالا او استقبالا، فهما وتأويلا، مثلما تغيرت قوانين التذوق والتصور. لقد كان نيتشه يطلق الأوصاف على الحضارة الحديثة في اعتبارها "حضارة صحف"، لافتاً الى أنها حضارة "الحمّى والجهد الباطل"، عالمها "عالم الصحائف والأوراق"، وانسانها "عبد اليوم والورق". هذا قبل ان يغدو الانسان "عبد الصورة" و"عبد الشاشة"، وهو في الحالين "عبد الخبر". انه لا يكف عن تقصي الأخبار ومتابعة الأحداث ومواكبة المستجدات كل يوم، بل كل لحظة.

وها هم الشبان والرجال يتابعون أخبار هيفا كما لا يتابعون أخبار أولادهم.

النسخ الطباعي والصناعي أخرج أعمال الرسامين من المتاحف الى بيوت الناس ومنازلهم ومكاتبهم ومصانعهم ومقاهيهم ومطابعهم وحافلات نقلهم ومقطوراتهم، قبل ان تحتل هذه الأعمال الشاشات الكبيرة والصغيرة. وماشى النسخ الفوتوغرافي الصناعي جانبا من السينما وصورها المتحركة الصامتة والناطقة، واحتل التلفزيون محل السينما واخرجها من صالات العرض وعتمتها الى حجرات الجلوس والطعام والنوم والمطبخ ودورات المياه والسيارة والطيارة. واخرج التلفزيون ايضا الغناء من المسارح والمهرجانات، وايضا من الصوت الى دائرة الجسد والأغراء.

مع هيفا وهبي نجد ان الصورة تصنع النجمة. النجمة هي من نتاج الأحداث التي لا هي حقيقة، ولا هي خيالية، لا أصيلة ولا مزيفة. هذا يذكّرنا بأن التلفزيون في السياسة الأميركية قد أهمل القضايا المهمة بإجبار المرشحين للرئاسة في أميركا تحديدا، في الإجابة عن الأسئلة الفورية، وبذلك ساهم بشكل رئيسي في جعل الصورة تنتصر على المحتوى. وهذا نجده في صورة هيفا المنتصرة على صوتها. ذلك أن جسدها يغنّي لا صوتها، او أن جسدها يسمو ليكون "سوبرمان الرغبة". ولا يمكن بلوغ هذه الحال الا من طرق المواربة، إذ ان الجمهور يرى هيفا وكأن جسدها فيض رغبتها. يراها تحرك ردفيها، فيصفق او تتعالى صيحات متفرقة من صفوفه. ما يشعر به وبصوته هو واحد، أي السفر في معراج الرغبة.

وعلى هذا، يحضر الزيف المضمر في بريق الصورة، يحاكينا ليصبح حقيقة او لا حقيقة، كما حين بدا مشهد هيفا على شاشة "دريم" وهي لا ترتدي سوى البلوزة الشفافة. وصلت صورتها عبر الإنترنت، لم تكن ترتدي رافعة النهدين تحت السترة الشفافة. هل كانت هيفا في عريها المستور تريد إثارتنا، ام انها انضمت الى الحركة النسوية التي كانت تعتبر رافعة النهدين من علامات الخضوع؟ تحبس النهدين وتبرزهما في الوقت نفسه، وحين تتخلى عن رافعة النهدين تعود الى الطبيعة والتمرد. مع ان العديد من النساء لا يرتحن بل يشعرن بالارتباك إزاء التنقل من دونها.

الإثارة المارقة

على شاشة "دريم" لم يكن نهدا هيفا ثديين بل كانا عريا مستورا برداء مكشوف. هنا يصبح للثديين معنى آخر. ليس هو الرغبة بل استدعاء الأصابع الهائمة. ليس الهيام هياما ولا الرغبة رغبة، لكننا نستشف في جسد هيفا الإثارة المارقة. لا يرى العرب صور هيفا بل يتلقونها. تخبئ النساء هيفا في دواخلهن وأجسادهن. كل امرأة تجد فيها مثالا لشغف وتوق وحرية تبحث عنها. وكل رجل يبحث عن شبهها لتلبي مخيلته. يقف الرجال أو الشبان قبالة والجمهور المتلهف يهتز لوركيها. هذا الجمهور يدعو الجسد، جسدها، الى ذراه المستهامة، وينزل معه الى زيفه البصري الذي هيفا فإذا هي محط أنظارهم وقبلة تلفتهم ورغبتهم. هي تنظر إليهم بعينين باهرتين، يميلون كما يميل جسدها. تحمل مكبّر الصوت وتهز وركيها أمام الجمهور المتلهف، لا يعتمد على الكلمة بل على الجسد. وهي اذ تطلق آهاتها الناعمة والرتيبة تصير وجسدها واحدا.

يرى الرجال هيفا في ظهور نسائهم، أو ينامون مع زوجاتهم ويتخيلون هيفا. وهذا يذكّرنا بكتاب "الضحك والنسيان" وبقصة بطلها طالب شاب ينام مع امرأة لا يني ظهرها يتحول الى مرآة يشاهد من خلالها صور كل امرأة سابقة في حياته. كان الشاب يعتقد ان في ممارسة الحب محواً للذاكرة، ذلك أن النسيان يعيد تكوين الذاكرة على نحو أبهى. تصبح هيفا معيارا عند الرجال للمقارنة مع الزوجات. هي صورة تدخل الى بيوتنا، بل نكتة تتلفظها رغباتنا واستيهاماتنا يوميا. ملايين الشبان في مصر لا يستطيعون الزواج فيلجأون الى الخيال، ويتعلقون بنماذج من نجمات السينما والتمثيل والطرب والتلفزيون والإعلان، ويجدون فيها الأنثى اللازمة في وقت أصبح الشعب المصري محاصرا بالفقر والحجاب والأصفاد الأصولية.

هكذا يبدو العالم العربي مهووسا بنجمات الغناء وبحياتهن. طبعا، يستخف أهل الثقافة بالمطربة الشابة وبأغانيها وبجمهورها لكنهم لا يتأملون قليلا أثرها في الواقع الاجتماعي وحضورها في الأوساط الشبابية.

واذا كان "الفيديو كليب" ادخل البصر والصورة في استقبال الأغاني، فلأن الصوت لم يعد الموضوع الأساسي بل الاعتماد على الحركات والإيماءات وهز البطن والردفين وعري النهدين. وفي ذلك إشارات جنسية فاقعة. فكما يفرش الديك ذيله وينفش جناحيه ضاربا بهما الأرض، متطاولاً بعنقه، رافعا رأسه استعداداً لركوب الدجاجة، كذلك يفعل الرجال حين يسعون لاستمالة النساء. ونرى الفتيات، بدورهن، يحاولن اجتذاب الشباب واستراق النظرات المعبرة، بالتبرج والحياء حينا، وبالتعطر والمشية المترنحة أحيانا. والحق ان هذا من متطلبات صنّاع "الفيديو كليب" الذين يوظفون ما يلبي طلب العين، وكأن الجسد النسائي أسرع تلك العناصر وأسهلها.

ظاهرة هيفا تعود جذورها الى أوائل القرن الماضي، فقد كانت منيرة المهدية تثير مشاعر المستمعين ببحة صوتها ذات الطابع الجنسي والتي تشبه بحة الأغاني التي تقدمها الأميركيات اليوم في الأغنية الراقصة. جسد هيفا يغنّي، ويغنّي أيضا جسد نانسي عجرم، وهما تشغلان العرب من لبنان الى سوريا الى مصر والخليج. هيفا تغني وتستعرض جسدها، والعرب يتعاملون هكذا مع النجمة: بين من يحاول محاربة حريتها، ومن يستعمل حريتها ليحارب حرية الآخرين. هذا "السيستام" في التعاطي مع النجم يبدو مقلقا. لكن اكثر ما نستنبطه من ذلك ان الأيديولوجيا، مهما تكن قوية لا تصمد في وجه نسائم الترفيه والتسلية التي تأتي من ظاهرة نانسي واليسا والين خلف. واذا كان بعضهم يتهم مغنيات "الفيديو كليب" بالغربنة والتغريب، فهذا يبدو مضحكا. ففي مجتمع الاحتشام فإن تقليد الغربنة بالأزياء والتصرف، أي التشابه والتماهي، خطوة اولى على طريق التحرر والاستقلالية الذاتية. ثمة انتصار عظيم حققته المرآة التي أظهرت محاسنها للملأ، وربما كانت تلك الخطوة الأولى لاستعادة الأنثى حقها وسلطانها على جسدها. فالغواية والإثارة الجنسية أمنت هامش الحرية للنساء وضربت في الصميم سلطة المجتمع الأبوي وصورة الآخر، مما زعزع أساس قاعدة أبناء العم.

توتاليتارية

ما الذي نستنتجه من ظاهرة هيفا وأخواتها؟ كتبت حنة ارندت يوما: "ان الفاعل الذي كان وراء التوتاليتارية ليس النازي المتشنج، ولا الشيوعي المتعصب، وانما الفرد الذي لم يعد يفرّق بين الوهم والواقع، ولا بين الصواب والخطأ". انه الفرد الذي فقد القدرة على أدراك حقيقة التجربة الواقعية. اصبح يساوي بين كل الأمور، وبين الكل. كتبت حنة ارندت هذا الكلام لتبين ان أصول الكليانية تتجاوز ظهور تيارات في عينها مثل النازية او الشيوعة، والاعلام هو الأداة الأساسية التي تجعل الواقع اليوم يفقد واقعيته. انه هو الذي يكمن وراء الوضعية التي تجعل الواقع يتلبس الوهم، فيتحول الى سينما، وتغدو الشاشة صورة عن الواقع، وتغدو هيفا بديلا من الرغبة واللمس، والجسد بديلا من الصوت والغناء.

تنجح هيفا في الغناء لان في جسدها رغبة أقوى من الصوت. على قدر ما نلاحظ جاذبية وتعالياً في صوت أم كلثوم، نتحسس الرغبة في جسد هيفا، نميل إليه ونسمعه. هي تقول الآه من شرايينها.

هيفا ونانسي والشقيقات الأخريات كيتش الغناء العربي، والكيتش في تعريف بعضهم ليس مجرد عمل سقيم الذوق، بل ينطوي على موقف رخيص، وسلوك رخيص. وحاجة الإنسان التافه الى عمل رخيص، هي الحاجة الى التحديق في المرآة، حتى تبتل عيناه بدموع الفرح لرؤية انعكاس صورته الخاصة. انها موقف الشخص الذي يريد أن يعجب الآخرين بأي ثمن. ولكي يعجب الآخرين، يجب عليه أن يؤيد ما يريد الكل سماعه او مشاهدته.

الكيتش كالحب، يتأصل في قدرة الانسان على الإحساس الوجداني، خلافا للتفكير المنطقي. إلا أن محتواه العاطفي، على عكس الحب، يتضمن شيئا زائفا او خاطئ الوجهة، ولكنه ليس عنصر رياء.

يحضر الكيتش عند هيفا ونانسي والشقيقات من خلال تقليد الفنانات القديمات، من فاتن حمامة الى هند رستم وسعاد حسني. في كليب "آه ونص" تشبه نانسي فتيات الصعيد المصري. تحب بائع الدجاج، وتتدلع قبالته، وهو يأتي على دراجته النارية يرمي حجراً على النافذة ويبدأ القص الصوري. تستيقظ المغنية، تمشي بين أسرّة اخوتها، تفتح"الاباجور" وتبدأ بالغناء. بدل "اخصمك آه" تقول "آه ونص" في حركة شيطانية وملائكية، وتغسل ثيابها في "الطشت" (جاط الغسيل)، وتترنح ذات اليمين وذات اليسار في حركات أنثوية دلالية وقد أبرزت ساقيها بحنكة، من فتحة الجلباب الجانبية، وحرصت على ترك أزراره مفتوحة، في مزج خبيث بين شخصية النجمتين سعاد حسني في فيلم "الزوجة الثانية" ونادية لطفي في "قصر الشوق". وبعد كليب "آه ونص" انتشر الجلباب في الخليج العربي.

ليست أغاني نانسي عجرم جديدة كما يكتشف الفيلسوف علي حرب، فـ"الطقطوقة" ظهرت في أوائل القرن العشرين، ولاقت إقبالاً كبيراً لتميزها بالبساطة، فلحنها رشيق سلس، كما أنها تعكس مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية في المجتمع.

لا ندري هل احب الجمهور نانسي لأنها جميلة، أم لأنها تجعله يعيش مناخ إغراء البداوة، فيؤخذ كما البدوي بوقع حوافر الخيل وينتشي لسماعها. العربي البدوي نفسه ينتشي لإغراء الفتاة الصعيدية (نانسي).

صارت نانسي نجمة المشاهد المأخوذة من الأفلام المصرية القديمة. هي من أصناف الرغبة، تمثيلها "يفجر" المخيلة الجنسية للشبان والرجال القابعين في أدغال الكبت العربي. ينبغي القول ان نانسي هي فتاة متخيلة لا ينبغي لمسها. قالت إنها متأثرة بالأفلام المصرية كلها وتحب مشاهدتها. وأكدت انها ليست متأثرة بأداء النجمة هند رستم ولكنها معجبة بها. ولا يختلف اثنان على ان نانسي "رستمت" الصورة و"عجرمتها". ويعود الفضل في ذلك الى نادين لبكي التي اشتهرت في تقديم الشخصيات المستوحاة من الأفلام المصرية.

غداً هناك فنانات كثيرات يستنبطن جديدهن مما هو قديم. صورت هيفا كليبا يتضمن ثلاث قصص مختلفة، الأولى شبيهة بشخصية هند رستم في فيلم "باب الحديد"، والثانية تقّلد نبيلة عبيد في فيلم "شادر السكر" والثالثة مستوحاة من ماريلين مونرو.

ولا ينفصل انتشار الكيتش عن العولمة التي ظهرت من دون سابق انذار، ويتحدث بها بعض المثقفين والعالمين ببواطن الأمور، فإن معناها يسري في حياة المجتمع، واقرب مثال على ذلك نانسي وهيفا، فهما وزميلاتهما يعملن على سد الهوة الفكرية والثقافية والأخلاقية بيننا وبين الغرب، فلا يقتصر الكيتش الكليبي على استنباط مشاهد الأفلام العربية القديمة بل ان بعض الكليبات العربية منسوخة عن اصلها الغربي.

 

فرح جبر - ملحق النهار


الجــسد

اللغـة وسلـطة الأشكـال

I

الجسد/الشيء والجسد/الحجم الإنساني

يَمثُل العالم أمامنا بصفته مجموعة لا متناهية من الأشياء، أي مجموعة من الموضوعات التي تؤثث الكون وتجعل منه كيانا قابلا للإدراك والمعاينة والتغيير. فهذاالعالم لا يمكن أن يتحدد كعالم، أي ككون إنساني قابل لأن يعاش، إلا في حدود اشتغاله كخزان يستوعب داخله سلسلة من الأشياء وينتج، عبر ميكانيزماته الخاصة، نمط إدراك هذه الأشياء. إن هذا الأمرممكن من خلال انضواء الأشياء ضمن أنساق تحدد لها شكل وجودها: حالات التشابه، حالات التقابل، حالات التطابق، وكذا الأحجام والأبعاد والعمق والامتداد. وبهذا المعنى تقوم الأشياء بمنح هذا العالم شكلا من خلال تكسير الطولية والطابع المتواصل للكون: تكسيرالرؤية الممتدة في الفضاء، الصوت الذي لا يملك صدى، امتدادات الليل في النهار، امتدادات النهار في الليل، امتدادات البحر في البر وامتدادات البر في البحر. إنها، بهذا، تخلق المعنى وتخلق الدلالة وفي نفس الوقت تلغي التسيب والفوضى والسديمية واللامعنى، >فالعالم الخارج-لساني لا يشكل مرجعا مطلقا، بل يشكل بؤرة لتجلي المحسوس القابل لأن يشتغل كتمظهر للمعنى الإنساني، أي الدلالة الخاصة بالإنسان. إن التعامل مع هذا المرجع يجب أن يتم على أساس أنه يشكل مجموعة من الأنساق السميائية الضمنية<(1).

إن الكون يقتطع من نفسه ما يشكل أنساقا تدعي لنفسها الاستقلالية والوجود الأصلي، لكنها ليست سوى امتدادات لأصل هو الكون كمادة مطلقة الوجود في الزمان وفي الفضاء، أوهي الزمان وهي الفضاء. >فالتحديدات الفضائية تشكل كنه الشيء، إنها تشكل المعنى الوحيد الممكن للشيء في ذاته<(2). فإذا كان كُنه الشيء (جوهره) يفلت من المراقبة والتحديد، فإن مظاهره دائمة التجدد والتنوع. إنه يملك واجهات متعددة وكل واجهة ليست في نهاية الأمر سوى نسق دلالي يحدد للشىء إمكانيات وجوده: الطبيعي منها والثقافي، الثقافي المكتسب والثقافي الاجتماعي.

ضمن هذه الأشياء ينتصب الجسد كشيء مُدرَك وككيان مُدرِك للأشياء. إنه داخل هذه الأشياء وخارجها في نفس الوقت. إنه داخلها من حيث إنه لا يتميز عنها في شيء. إنه موضوع ضمن موضوعات لا تعد ولا تحصى، إنه كالأشجار والأحجار، وكجميع الأشياءالاخرى، يشكل نسقا ضمن أنساق أخرى تلوذ، جميعها، بالكون بحثا عن معنى وعن دلالة. فإذا كانت كل الأشياء لا تدرك إلا من خلال ارتباطها بهذا الكون اللامتناهي الامتداد، > فإن كينونة الجسد تكمن أيضا] في ارتباطه بكون ما، وجسدنا لا يوجد في الفضاء، إنه الفضاء<(3).

ويوجد الجسد أيضا خارج الأشياء من حيث إن هناك "حجما إنسانيا" -بتعبير گريماص-(4) يقوم بملء الجسد /الشيء بأبعاد تنأى به عن الطبيعة كعنصر منفعل يستوعب القيم ولكنه لا يستطيع إنتاجها. فإدراك الأشياء يمر عبر وعي مركزي يفصل بين الأشياء ويقوم بتهذيبها وترتيبها وتشكيلها وليتشكل عبرها كلحظة وعي تفصل بين الجسد/ الشيء وبين الجسد/الحجم الإنساني.

إن تشكل الجسد كدال متكامل ومكتف بذاته وقادر على توليد سلسلة لا متناهية من الدلالات انطلاقا من تنوع الأنماط الصانعة لكينونته، هو الخطوة الأولى نحو انفصاله عن الأشياء والغوص عميقا في الحقل الثقافي. فالجسد ليس معطى سابقا عن العين التي تدركه وتصفه كجغرافيا ممتدة في التاريخ، أي في الزمنية الإنسانية. فما قلناه عن "الحجم الإنساني" باعتباره ما يميز الجسد عن الأشياء الأخرى، لا يعني أن الجسد روح سابقة في الوجود عن مجموع النسخ التي يتحدد عبرها هذا الدال. فإذا كانت لحظة الفصل بين الفعل الغريزي والفعل المدرَك كعنصر ضمن نسق (أو أنساق) يقتضي الانتقال من الإدراك الغريزي أو اللحظي- إذا جازالتعبير- إلى ما يشكل حالة ممكنة للأشياء، فإن الحديث عن الحجم الإنساني يقتضي وعي الشيء لذاته (وفي حالتنا وعي الجسد لنفسه). وفي هذه الحالة نكون قد تجاوزنا حدود الشيء الموضوع، إلى ما يشكل العالم الإنساني: الإنسان بصفته محفلا متجاوزا لنفسه من خلال إنتاجه لحركاته وتنقله في الفضاء.

إن هذا التقابل بين عنصرين ينتميان إلى نفس الكون يقودنا إلى الكشف عن تقابل ثاني يعود هذه المرة إلى الجسد نفسه. فإذا كان الإنسان ينتج -عبر جسده- حركات، وينتج حالات وجدانية معبرا عنها إما من خلال إجراء ()، وإما من خلال حالة (إسم)، فإن هذا يفترض، من جهة، وجود برامج مسبقة تستوعب داخلها هذه الحركات، ويفترض من جهة ثانية وجود سنن يفسر هذه الحركات ويرسم لها دلالتها (دلالاتها). فإذا كانت الحركة، أية حركة (حركة جسم أوحركة نص، أوحركة رسم...)، تفترض وضعية سابقة عنها تشتغل إما كنقطة صفر لأية سيرورة مقبلة (تفسرها وتشكل نقطة عودتها)، وإما كسند، أي ما يشكل الحزام الأمني لفعل يتحدد في الفضاء، >فإن المحورالأفقي يشكل المساحة الصلبة (أوالسائلة في حالة السباحة مثلا)، أي مكان التنقل "الطبيعي" الذي يقابل الوضعية "الطبيعية" مجسدة في حالة الوقوف. ورغم أن هذه المفصلة ليست مبررة بالشكل الكافي، فإن التمفصل : الأرض أفقية () الإنسان عمودي، ينظر إليه، عموما، كوضعية بدئية سابقة عن الحركة< (5).

ومعنى هذا أننا ننطلق من وضعية نقول عنها (أوربماهي كذلك فعلا) أصلية محددة لما سيأتي وتشتغل كمستوى الصفر بين سيرورتين. وبعبارة أخرى، فإن النص الجسدي- على غرارالنص اللساني حيث يتم البناء انطلاقا من وجود بياضين- يتشكل هوالآخر إما مما يفصل بين نقطتي صمت، وإما مما يشكل لحظة فعل بين سكونين. وفي الحالتين معا، فإن الوضع البدئي لا يدخل ضمن التشكل النصي إلا في حدود اشتغاله كنقطة بداية حيث يتم خرق الصمت (أننا نعتبرالصراخ وكذا مجرد التلفظ بكلمات انزياحا عن الوضع البدئي كما تم تحديده في الفقرة السابقة) وإنتاج سلسلة من الملفوظات الإيمائية، وإما كنقطة نهاية داخل سيرورة تلفظية حيث إن السكون يلي إنجاز سلسلة من البرامج الإيمائية التي تدرك باعتبارها إرساء لدعائم دلالة متولدة عن التأليف بين مجموعة من الحركات. ونكون في الحالة الأولى كما في الحالة الثانية أمام مرحلة تدشن انفصال الشيء عن الحجم الإنساني، انفصال العالم الطبيعي عن العالم الإنساني. و>هكذا عوض أن يمثل هذا العالم أمامنا باعتباره شاشة منسجمة من الأشكال، سيظهر بصفته كيانا] مصنوعا من مجموعة من الدوال المتراكبة والمترابطة فيما بينها<.(6) انطلاقا من هذا، يمكن القول إن الجسد يلغي نفسه كموضوع من موضوعات العالم ليقدم نفسه باعتباره ما يخبر عن هذه الموضوعات وما يدركها. وسيكف أيضا عن أن يكون منبعا للغايات العملية والحركات النفعية الناتجة عنها، ليتحول إلى شاهد تُشَكل مظاهره البناء الثقافي الذي يؤسس ابستيمي مرحلة ما.

II الدال الجسدي: تداخل العملي والثقافي

إن ما أشرنا إليه سابقا كتمييز بين البرنامج (جموع الحركات الدالة على طقس معين: الأكل، الشرب...) وبين السنن (المضامين المسننة بشكل سابق والمحتاجة، لكي تفهم، إلى معرفة سابقة) يعد في واقع الأمر تمييزا بين الحركات العملية والحركات الثقافية. فإذا كان الجسد يخلق، عبرتنقله في الفضاء، سلسلة من الوحدات الإيمائية، فإن هذه الوحدات تخلق سلسلة من الانزياحات تقود إلى نوعين من النصوص الجسدية:

- إما نصوص "طبيعية" وتدرك باعتبارها كذلك أي تفسر وفق النص الثقافي العادي، ما يعود إلى التجربة المشتركة (إنه يمشي، إنه يأكل، إنه يشرب)،

- وإما نصوص "غير طبيعية" أي ثقافية تدرك باعتبارها خروجا عن المعيار المحدد للفعل الحركي العملي. وفي هذه الحالة، فإن الانزياح لا يتم انطلاقا من الوضع البدئي، بل يتم انطلاقا من الفعل الحركي العملي، ما دامت كل الحركات الثقافية متولدة عن الحركات العملية أوتدرك وفق قوانينها. فكل الملفوظات المنجزة من طرف الذات/الجسد، عبرالتنوع الايمائي، لا تفهم إلا من خلال تحديد مسبق للسياق الثقافي الذي تنجز داخله هذه الوحدات الإيمائية.

وعلى هذا الأساس، فإن >التمفصل المورفولوجي للجسم الإنساني، رغم كونه يعد أساس كل وصف للجهاز الايمائي، ليس معطى مباشرا وبديهيا، شأنه في ذلك شأن كل تقطيع للجسم إلى أعضاء، إنه خاضع للتنويعات الانتروبولوجية<(7). وهذا ما يجعل الحدود الفاصلة بين ما ينتمي إلى البعد العملي وما ينتمي إلى البعد الأسطوري/الثقافي حدودا هشة وغير منيعة. فعناصر هذا المستوى قابلة لأن تشتغل داخل ذاك المستوى انطلاقا من قوانين وقواعد جديدة. ولن يحد من فوضى هذا التداخل بين المستويات (الأمر يتعلق أيضا بتداخل بين مستويات القراءة ومستويات التدليل) سوى استحضار النص الثقافي العام الذي يؤطر مجموع هذه المستويات. إن الأمر يعود في نهاية المطاف إلى الرغبة في التخلص من مقتضيات الأبعاد الوظيفية والغايات العملية المسبقة لتحقيق فعل الرغبة في أعلى مستوياته. فكلما تخلص الإنسان من الغايات العملية المباشرة كلما تفتحت أمامه إمكانات التأويل والقراءة.

ومع ذلك، إذا كانت الوظيفية هي أساسا ارتباط العضو بنسق معين(8)، فإن الطابع الثقافي لا يؤدي بالضرورة إلى التخلص الكلي والنهائي من إرغامات الغايات العملية. وعلى هذا الأساس يمكن تناول تداخل هذين المستويين انطلاقا من ثلاث زوايا، وكل زاوية تجسد إمكانية توليد سلسلة من النصوص التي تدرك وفق قوانين وقواعد هذه الزاوية أو تلك. الأمر يتعلق في مرحلة أولى بتداخل الثقافي والعملي ضمن تشكل كينونة العضو الواحد، أي محاولة تحديد نصيب كل عضو من الأعضاء من الثقافي والعملي/الطبيعي. ويتعلق في مرحلة ثانية بامتدادات الجسد خارج نفسه، وتشكل أبعاده العملية والثقافية ضمن بنية الفضاء باعتباره نصا ثقافيا يعمل على تحديد التشكيل الثقافي للجسد. ويتعلق الأمر في المرحلة الثالثة بالجسد بين حالة السكون وحالة الحركة، وبين الرغبة وسلطة الأشكال والبناء القصصي. وبعبارة أخرى الإجابة عن السؤال التالي : هل يمكن تصور جسد خارج إطار الأشكال التي تخبر عنه؟.

1- العضو بين الحجم الثقافي والبعد العملي

عندما يستعصي العثور على معنى، بإمكان المحلل أن يعود إلى الأجزاء. فقد لا يدل الكل إلا من خلال أجزائه، أوقد تختلف دلالة الكل عن دلالة الأجزاء المكونة له. تلك حالة الجسد وتلك حالة دلالاته وأشكاله ومعانيه. إنه متحرك ومتغير ومتبدل. إنه يخلق من نفسه أشكالا ويخلق من الأشكال أشكالا. وهو في كل هذا لا يصل إلى غاياته إلا من خلال عناصره وأشكال تحققها. فهل بإمكاننا أن نقرأ الجسد دون أن نقرأ أطرافه؟ هل بإمكاننا أن نكتب عن الرغبة دون أن نتحدث عن أدوات تحققها؟ نحن لا نكتب عن الرغبة، الرغبة لا تدرك، إنها طاقة ذاتية يعيشها الفرد كسر مطلق، لكننا نكتب عن تجلياتها. نكتب عن العيون الشبقة ونكتب عن الخصر الضامر، ونكتب عن الصدر المكتنز، ونكتب عن تناسق الأطراف وتناثرالشعر. إن هذه العناصر مجتمعة لا تشكل الرغبة ولكنها تشكل الوجود الرمزي للرغبة، إنها >مجموعة من الممثلين الكنائيين الذين يتحركون نيابة عن عامل واحد ووحيد< (9). ورغم ذلك سنقول عن كل عضو إنه الرغبة.

من هنا كان الجسد كلا وأجزاء في نفس الوقت، إنه يُولِّد معطى انفعاليا وغريزيا وثقافيا عاما، ولكن هذا المعطى لا يدرك إلا من خلال الأجزاء، ولا يستقيم وجود هذه الأجزاء إلا من خلال اندراجها ضمن هذا الكل الذي هو الجسد. وبالعودة إلى الأجزاء ندرك تفاوتها في القيمة والموقع والحجم. إنها محكومة بالاستعمالات: الاستعمالات العملية (النفعية)، والاستعمالات الغريزية، والاستعمالات الثقافية/الاسطورية.فالجسد، باعتباره بؤرة لتجلي العملي والغريزي والوظيفي والأسطوري/الثقافي يعيش،بشكل دائم،تحت التهديدات المستمرة للاستعمالات الإيحائية (الاستعارية).إننا من خلال هذه الاستعمالات لا نقرأ الحركة ولا نقرأ الإيماءة، ولا نقرأ ترابط هذه الحركات وهذه الإيماءات، ولكننا نقرأ فقط النصوص التي تولدها هذه الحركات. إن كل حركة هي في واقع الأمر إنجاز لمشروع ثقافي. إنها تشكل مشروعا لأن هذه النصوص هي نصوص مليئة بالبياضات، والأجزاء غيرالمكتملة، لكنها، من حيث البعد الإيحائي تمثل الامتلاء الدلالي في أبهى صوره. إن الجسدفي هذه الحالات شبيه بالوحدات المعجمية لايملك معنى،إنه يعيش على وقع الاستعمالات.الأمرالذي يجعل من إيماءة واحدة منبعا لسلسلة كبيرة من التأويلات. إن أية حركة معزولة قد تولد نصا متكاملا يقود من الأجزاء البسيطة إلى ما ينظر إليه كتركيب لسلسلة من الإيماءات الدالة على ممارسة معينة (نتذكر الاستعمالات المتنوعة لليد. فهي هنا لكي تدل على التهديد وعلى المنع وعلى العناق كما تدل على الإشارات الرامزة للفعل الجنسي). وعلى هذا الأساس، فإن الانتقال من هذا النص إلى ذاك، ضمن النسق الواحد، أوضمن الأنساق المتنوعة والمختلفة، أمر وارد في كل لحظة.

ويكفي، لإدراك ذلك، أن نغير من سياق حركة ما، أو أن يكون المتلقي جاهلا بالنص الثقافي الذي تنجز داخله هذه الحركة لكي نجد أنفسنا أمام نصوص اللامعقول أو أمام ما يخدش "الحياء". ويزداد الأمر تعقيدا كلما أمعنا في عملية التجزيء وحاولنا أن نحدد لكل عضو سياقه واستعماله ودائرة اشتغاله، وكذا الوحدات الإيمائية القابلة للإنجاز انطلاقا منه. سندرك لحظتها أن هناك من هذه الوحدات ما يشتغل، على الصعيد الثقافي، كمستوى الصفر؛ فهومحايد وبريء وحياته محكومة بالوظيفة التي يدرك من خلالها، أي أن وجوده وجود تقريري لا يقوم إلا بتنفيذ مشاريع الحس العملي. وهناك من الأعضاء من يعتبر بؤرة لتجلي الثقافي والعملي (العين مثلا). وفي هذا الاتجاه يمكن القول إن الرِجل محايدة، وإن النصوص المتولدة عنها نصوص ضعيفة ومحدودة. وعلى العكس من ذلك اليد. فاليد عضو زئبقي ومتحرك، ينتقل من هذا النص إلى ذاك بسهولة. إنها حاضرة في كل النصوص: نصوص المنح والحمل والمداعبة، وحاضرة أيضا في نصوص القمع والمنع والمصادرة. إن الثقافة حاضرة في اليد بشكل لا يوازيه إلا حضورها في العين. وما بين العين واليد تواطؤ ثقافي لا يظهر إلا من خلال تحديد النصوص المتولدة عنهما. إنها، مثلها، تشير وتلمح، تفتح وتغلق (إنها في نفس الآن للعناق وللصد) يتداخل فيها العملي والثقافي بشكل مفزع. إن اليد تحجب الضوء عن العين والعين هي التي توجه اليد.

وهناك من الأعضاء ما يراوح بين الطبيعي والثقافي. فهو أحيانا عضو مشدود إلى الوظائف، ومهمته هي الاستجابة للغايات العملية. وهو أحيانا مرتبط بغايات غريزية/جنسية، وهو أحيانا أخرى مرتبط بعوالم جمالية يتحدد عبرها العضو كعنصر رئيسي في بناء المعمار الجسدي (جسد المرأة مثلا). ولعل أحسن ما يمثل هذا صدر المرأة. فالثدي مرتبط في أغلب الاستعمالات بالرضاعة (حليب الأم) ولعل هذا ما دفع صاحب لسان العرب إلى عدم التخصيص فقال بثدي المرأة وثدي الرجل مما ينفي عن هذا العضو، من خلال التسمية على الاقل، أي طابع جنسي مباشر. أما النهد فلصيق، في الاستعمال كما في الوجود بالجانب الجنسي. وهو في الاستعمال العربي القديم يدل على البلوغ والنضج الجنسي، فـ>نَهد الثدي يَنهُد، بالضم، نُهودا إذا كعب وانتبر وأشرف<(10) أي برز وكشف عن أنوثة صاحبته. (إن هذا التعريف لا يحيلنا في واقع الأمر على مجموعة من الخصائص الذاتية للعضو بقدر ما يحدد الشكل الوجودي له وذلك من حيث إنه يتضمن حضورالرائي الذي يرى، ويبصر ويتأمل) أما الصدر فهو واجهة البناء ورونقه ووجهه وما يخبر عن جماله (الفرنسيون يستعملون، للتعبير عن هذه القضية، العبارة التالية: une belle poitrine).

إن التسمية في هذه الحالة (وفي جميع الحالات أيضا) ليست مجرد أداة لتمييز هذا الشيء عن ذاك، ولا تحديد شيء ضمن أشياء أخرى فقط.إن التسمية تحديد للتنويع الثقافي والأنتروبولوجي الخاص بوجود الأشياءوالكائنات وبنمط اشتغالها. فإذا كان العضو الواحد قابل لأن يتلقى سلسلة من التسميات، فإن ذلك يعود إلى النمذجة الثقافيةالمسبقة التي تثبت العضوضمن دوائرمتعددة: دائرة الوظيفة ودائرة النسق الجمالي ودائرة الفعل الغريزي. إن التسمية تمييز، ولكنها تعدأيضا إفرازا لردود الفعل النفسية والغريزية عندالآخر.

لقد اعتبرنا سابقا "الرِجل" عضوا محايدا ونفعيا وهي كذلك من خلال التسمية أي من خلال اختيار متوالية صوتية لتثبيت قيمة ثقافية محددة لعضو. وهي ليست كذلك عندما تحدد من خلال متوالية صوتية أخرى. فالساق جنسية: الرجل للوقوف والمشي والجري والسند، والساق واجهة جمالية، وتثبيت لخطاب وقراءة وتأويل. الرجل، رجل المرأة والرجل على السواء، والساق ساق المرأة وحدها. (أنظر لائحة الأسماء التي يوردها التيفاشي(11) للذكر وللفرج، إنها أسماء قد تثير سخريتنا لكنها تحدد هذه الأعضاء ضمن حالات وجودها المتنوعة). وكذلك الشأن مع الجسم والجسد والجثة والبدن، حيث إن النواة الدلالية الدائمة لا تغتني بإيرادسياق جديد يخلق تنويعاانطلاقا من أصل ثابت،ولكنها تغتني انطلاقامن إثارة حالة أوحالات تولدسلوكاوتخلق خطابا.

وهكذا، إذا كانت الأعضاء (وكذا الحركات الصادرة عنها) توزع تقريريا (أي حسب موقعها على المستوى العملي) حسب وظائفها، فإن الانتقال من النص التقريري إلى ما يشكل انفتاحا على نص الثقافة، سيؤدي إلى إعادة توزيع لهذه الأعضاء، ويتم الأمر هذه المرة حسب موقعها من الرغبة: الأعضاء الجنسية، الأعضاء شبه الجنسية، الأعضاء القريبة من الفعل الجنسي، وحسب موقعها من إنتاج الدلالات الإيحائية: أعضاء الإشارات الرمزية كالعين واليدين والرأس، وحسب موقعها من إنتاج النصوص الفنية: الأرجل في البالي، الكتفين والأرجل والخصر في الرقص الشعبي. وليس معنى هذا أن هناك حدودا فاصلة في الاستعمال الخاص بهذه الأعضاء، وأن كل نص لا يستعمل إلا أعضاء محددة دون غيرها. إن الأمر يتعلق فقط باستعمال الأعضاء الأكثر تمثيلية. فكل نص يعبأ من الطاقات ما يخدم ويحدد هويته الخاصة. إن هذا التداخل بين المستويات هو الذي يولد تنوع النصوص وأصالتها. ولقد بين كلود بريمون في دراسة قيمة (12) كيف أن الرسوم المتحركة تستخدم الأيادي والأرجل أكثر من أي عضوآخر، لأن هذه الأعضاء مرتبطة بالإيماءات وبالفعل. ولما كانت الرسوم المتحركة نصوصا سردية في المقام الأول، فإنها تستخدم بكثرة هذه الأعضاء للتعبير عن الطابع الحركي المميز للفعل السردي.

2- امتدادات الجسدخارج نفسه

ومن الجسد في ذاته، عبر تضاريسه وسهوله، ننتقل إلى الجسد في علاقته بكونه: كونه القريب أولا، أي الأشياء التي تؤثثه وتمنحه واجهته، وكونه البعيد ثانيا، أي موضوعات العالم التي يتحرك ضمنها. يتم الانتقال من التركيز على الجسد كمُولد مباشرلتنوع إيماءاته: تداخل الثقافي والعملي ضمن ما يشكل كونية الجسد، إلى ما يصنع هوية الجسد كعنصر يخبر عن انتماء جغرافي أوفئوي أوطبقي. إن الانتقال من المدن إلى البوادي، ومن السهول إلى الجبال، ومن الأحياء "الراقية" إلى "مدن الصفيح"، يؤدي إلى استشراف تصور جديد للإيماءات وللحركات. فإذا كان الفضاء يتشكل في ذاته كبنية دالة داخل دائرة الفعل الإبلاغي، أي بصفته فضاء إنسانيا، فإنه يقوم بتأسيس دلالات الأشياء التي تتحرك داخله، ومن ضمنها حركات الإنسان وأفعاله؛ سواء كانت هذه الحركات مصاحبة للفعل اللغوي أوكانت نصا إيمائيا مكتفيا بنفسه. تأسيسا على هذا، فإن الإيماءة تتشكل وفق القوانين التي تجعل من الكون هندسة فضائية تخفي في ثناياها الأشكال الثقافية المالكة لمفاتيح الإنتاج والتأويل.

تشكل امتدادات الجسد خارج نفسه (ا ليس هو): امتدادته في أشيائه: في الملابس والعصا والسيجارة وقضبان الحافلة وجسد الآخر، وامتداداته في الفأس والمذراة والمنجل وأدوات الصباغة، وامتداداته في الصوت: الهمس والصراخ والعويل، وكذا الابتسامة والضحك والوجه المقطب، دلالات أصيلة تعد المدخل الرئىسي إلى الكشف عن الهوية الثقافية للجسد ولذات الجسد. إنها دلالات أصيلة لانها تتجاوز المضامين اللسانية القابلة لاحتوائها. فالإيماءات ليست مرادفا لأصل لساني: الإيماءة جزء من نسق، واللسان نسق من طبيعة أخرى. ليست الإيماءة الدالة على الدعوة للمجيء"تعال"، مجرد عنصر إضافي ومكمل للعنصراللفظي، إننا لا نستطيع اختصارها في معادل لفظي يعوضها ويُبلغ، بنفس القوة، نفس المضمون. إن الأمر على خلاف ذلك (ا وجود لإبلاغ لساني بحت، تلك قناعة كل اللسانيين)، فإذا كان بإمكاننا أن نرسم حدودا، داخل الجسد، بين الوحدات (أوبين أجزائها) الدالة (أي القصدية) وبين الوحدات غيرالدالة (ا تملك قصدية)، فمعنى هذا أن الوحدات الإيمائية تنتج وتدرك وتؤول داخل سنن معين. ومعنى هذا أيضا أنها تشكل لغة، ويجب التعامل معها باعتبارها نسقا يملك قواعده وقوانينه ونمط اشتغاله. ومن ثم ستكون للجسد لغته الإيمائية التي تملك خصوصيتها: خصوصيتها في نمط الوجود وفي قواعد الاشتغال. بل يمكن القول إن اللسان نفسه ليس بريئا منها. فامتداداته الكتابية والصوتية (نقصد الصراخ بالأساس)، هي الظل الآخر للغة الإيمائية: الإيماءات رمز، وكذلك الكتابة والصوت المدوي.

وهكذا إذا كانت كل إىماءة تملك- شأنها في ذلك شأن الوحدات اللسانية- مستوى للتقرير وآخر للإيحاء، فإن الوحدات المنتمية للمستوى الثاني قابلة للتنويع انطلاقا من طبيعة الامتدادات الصادرة عن الجسد وعمقها الثقافي. فإذا كان رفع اليد إلى أعلى ثم مدها إلى الأمام ثم جذبها إلى الجسد تدرك تقريريا كدعوة "تعال"، فإن هذه الحركة خاضعة لتنويعات متعددة. فإذا كانت القاعدة اللسانية تدلنا على أن كل تغيير يلحق الفيمات (الوحدات المميزة على المستوى الصوتي)(13) يؤدي، بالضرورة، إلى تغيير على مستوى المعانم (الوحدات المميزة على المستوى الدلالي) (14)، فإن الأمر لا يختلف مع الوحدات الإيمائية في نمط إنتاجها لمدلولها. فكلما تغيرت الوحدات المنتمية إلى مستوى التعبير(الدال)، كلما تغيرت المضامين التي يعد هذا التعبير سندها وأساس وجودها.

وهكذا، وكما هوالشأن مع الصوت في الإرساليات اللغوية حيث إن رقة الصوت أوخشونته، الصراخ أوالهمس، يدل على حالة نفسية معينة (دلالة مثبتة داخل سنن)، فإن الوحدات الإيمائية تُولد، انطلاقا من طرق تنفيذها أولا، ثم انطلاقا من نمط تشكلها ثانيا، تنويعات دلالية تعد تنويعات ثقافية نطلق عليها مفهوم: الدلالات الإيحائية.

فإذا كان البعد الكوني داخل الجسد يتحدد من خلال وضعيات محدودة، لعل أهمها الوضعية التي اعتبرناها أصلية: الأرض أفقية () الإنسان عمودي، >فإن أغلب المواقف والإيماءات تعود إما إلى أحاسيس أولية (الخوف، الغضب، التحدي الخ) وإما إلى سلوكات بيفردية مشتركة بين الجميع (الاعتداء، التفاوض، الغش، النجدة) وإما لأفعال عادية (المشي، السباحة، القراءة)، وإما إلى عمليات معقدة ولكنها قابلة لأن ترد بسهولة إلى نماذج محدودة (ا توجد، بدون شك، اختلافات جوهرية بين موقف ذاك الذي يقود طائرة للركاب وذاك الذي يقود سيارة في مباراة للسباق)<(15).

انطلاقا من هذا العدد المحدود من الوضعيات، يمكن توليد سلسلة من الإيماءات الخاضعة في تنفيذها للبرامج الثقافية المسبقة التي تجعلنا نصف هذا بالبدوي "المتخلف" وذاك بالمديني "المتحضر" وآخربانتمائه إلى منطقة البحرالأبيض المتوسط، أي يتميز بانتمائه إلى دائرة ثقافية وحضارية متميزة في التاريخ وفي الجغرافيا.

وهكذا، انطلاقا من المثال السابق (الوحدة الإيمائية الدالة على الدعوة للمجيء "تعال")، يمكن إيراد التنويعات التالية:

أ-سرعة إنجاز هذه الإيماءة تحيلنا على السيميمات (الآثارالمعنوية) التالية:

- الحالة النفسية للباث (ضب، قلق،...)

- طبيعة العلاقة بين الباث والمتلقي (رئيس-مرؤوس، أب -أبن مثلا)

- الأمر

ب- بطء إنجاز هذه الإيماءة (أو إنجازها وفق المعاييرالعادية) تحيلنا علي السميمات التالية:

- تكافؤ قيمة المشير مع قيمة المشار إليه، أو على الأقل انتماؤهما لنفس المرتبة الاجتماعية.

- وجود معرفة سابقة بين المشير والمشارإليه.

ج- مرفقة أو غير مرفقة بإرسالية لغوية. ففي حالة وجود إرسالية لغوية، فإننا نكون أمام مضمون يختلف عن مضمون الحالة التي تغيب فيها هذه الإرسالية.

إن هذه التنويعات مجتمعة(وغيرها كثير) تنجز داخل نفس الدائرة الدلالية. وبعبارة أخرى، فإن هذه الإيماءات محكومة بنفس السنن الذي يشيرإلى سلسلة من المضامين المثبتة في حركات درج الناس على تأويلها باعتبارها حاملة لمضامين معينة. إلا أن الأمر يزداد تعقيدا إذا نحن حاولنا الخروج من هذه الدائرة لنخلق تنويعات جديدة تخرج بنا عن "المعيار" الذي تنتج وفقه هذه الإيماءات، لندخل ضمن دائرة ثقافية أخرى تضع الباث وحده موضوعا للإيماءة، أي ما يقوم بتحديد شكل وجود هذه الإيماءة.

لقد سبقت الإشارة إلى أن الفضاء يتشكل -داخل الوضعيات الإنسانية، إبلاغية كانت أم دلالية- كعنصر دال في علاقته بممثلي الفعل الإنساني. إن هذا الفضاء نفسه يقوم، بنفس الطريقة، بمنح الأشياء والحركات وكذلك اللسان (نتذكر حالة الصمت وربطها بالصحراء، وربط الهدير بالبحر، وربط الصوت بالصدى...) دلالات جديدة. وبناء عليه، فإن علاقة الفرد بالفضاء (بالأشياء) تمنح لحركاته معنى خاصا "يفضح" أصوله وجذوره. ولا تدرك حركات الفلاحين وإيماءاتهم،مثلا، إلا من هذه الزاوية. فإذا كان هؤلاء يتميزون بإيماءاتهم الواسعة والعريضة، فإن ذلك يعود إلى وجود نوع من الامتداد بين اليد والأداة التي تحتضن الأرض، وبين الصوت والفضاءالذي لا تحده العين. فالمذراة والمنجل والفأس والعصا كلها أدوات توسع من دائرة اليد. فالتواصل مع الأرض (الفضاء) يفترض وجود امتدادات لليد في أدوات التواصل.

لقد أشرنا في ما سبق إلى امتدادات الإنسان في الأشياء، وإلى رغبته في الخروج من دائرة الذات/الجسد، لخلق المعادل المحدد للكينونة ضمن دائرة الفضاء الواسع. ويمكن الآن القول: إذا كانت نوعية الامتدادات تحدد طبيعة الذات المنتجة للإيماءة، فإن نوعية الأشياء-النقطة النهائية للامتداد-تحدد أيضاطبيعة وحجم ونوعية الإيماءة.إنناأمام توافق-جزئي أوكلي- بين الأشياء وبين حجم الإيماءة: تختلف إيماءات النساء عن إيماءات الرجال أولا، وتختلف إيماءات أهل الحضر عن إيماءات البدو ثانيا، وتختلف إيماءات أهل الشمال عن إيماءات أهل الجنوب ثالثا. أَلا يعود هذا إلى "أسلبة الأشياء" (نحها أسلوبا في الوجود) كما يعتقد ذلك بودريار؟. إن الأمر كذلك حقا، >فأسلبة الأشياء] مرتبطة بأسلبة الإيماءة الإنسانية التابعة لها. وهذا يعني دائما تغييب الطاقة العضلية وطاقة العمل، إنه تغييب للوظائف الأولية لصالح الوظائف الثانوية الخاصة بالعلاقات وبالحساب؛ إنه تغييب للفعل الغريزي لصالح الفعل الثقافي؛ والوسائط العملية والتاريخية لكل هاته السيرورات، على مستوى الأشياء، هي التغييب الأساسي لإيماءة المجهود العضلي، أي المرور من إيماءة كونية للعمل إلى إيماءة كونية للمراقبة.<(16).يجب البحث عن ذاكرة الإيماءة في تاريخ الأشياء، وتاريخ الأشياء يلخصه حجم الإيماءة.

وكذلك الأمر مع الصوت. فكما تختلف الإيماءات "الرقيقة" عن الإيماءات "الخشنة"، يختلف الصوت الرقيق عن الصوت الخشن، ويختلف الهمس عن النداءات المسترسلة. إن الصوت -كشكل من أشكال وجود النص الجسدي-يتشكل وفق أشكال وجود الفضاء نفسه: الوجود الممتد عبر النظرة التي لا تحد، وعبرالوجود الماثل أمامنا كأسوار وجدران وعمارات تحجب الصوت عن الصوت، تماما كما تحجب الجسد عن الجسد. فليست تلك "النداءات الطويلة " التي تسمع في البوادي مجرد "دعوة للمجىء" أو "لتبليغ أمر ما" أو "رسالة ما". إنه يتحدد ضمن الفضاء كعنصر ثقافي.ـ"يا ابراهيم" يبتلعها الفضاء المفتوح، وهذا الفضاء في حاجة الى هذا النداء ليؤنس وحشته.وهكذا كان اختفاء حرف النداء "يا" كما كان اختفاء حرف النداء "أيا" قبله، إيذانا باختفاء قيم وعلاقات وأشكال وأشياء كثيرة.

3- الجسد: السكون والرغبة وسلطة الأشكال

إن الجسد لسان، نسق، سنن في داخله سلسلة لامتناهية من الوضعيات المحتملة (حركات معزولة، حركات يضمها التأليف البسيط والمركب، أوضاع مبهمة وأخرى صريحة، همس وصراخ، حكايات، أفراح ومآسي...)، إنه الكلام في حالة الكمون: إن وجود الجسد مرتبط بما سيصدر عنه. إن حالة السكون هي بؤرة التوقعية: منها سينبثق الفعل ومنها ستنبثق الأشكال.

إن الجسد خزان للدلالات، فهو يدل من خلال حركته ويدل من خلال سكونه.إن سكون الجسد ليس سكونا ماديا. إن السكون وضع أصلي في الجسد. إنه الكوة التي تطل منها الذات الفاعلة في السكون على ما سيصدر عنها (الذات المنتجة للافعال انطلاقا من حالة السكون). فالسكون هو أصل الدلالات المتولدة عن الإيماءات. >فإذا كان الصمت هوالحيز المليء بالإمكانات الفاصلة بين كلمتين، إنه الانتظار: الحالة الأكثر هشاشة والأكثر غنى<(17)، فإن السكون ليس شيئا آخر سوى اللحظة المبهمة الفاصلة بين إيماءتين، إنه يشتغل بنفس طريقة الصمت، إنه ما يجعل من الإيماءات والأوضاع والأشكال أمرا معقولا ومفهوما وذا معنى. إن السكون في الجسد لحظة انتظار: انتظارالمعنى واللامعني، وانتظار الشكل واللاشكل وانتظاراللامعنى الذي يملك معنى (ألا تدل حركات المختل عقليا على شيء معقول: الاختلال العقلي)، انتظارالموت والحياة (حالة السكون المرتبطة بالنوم)، انتظارالفعل واللافعل. إن محاولة تجاهل السكون في الجسد واعتباره حالة غير دالة معناه الحلم بخلق حالة قصوى للامتلاء الدلالي(18). إن الكثير من المعنى قد يقود إلى اللامعنى، كما قد يقود إلى العبث والتفاهة واللاجدوى. فكما لا يمكن الحديث عن حالة صمت مطلق (س هناك سوى حالات التدليل المتواصل)(19)، لا يمكن الحديث إلا عن سكون واعد، سكون يشكل أفقا للمعنى، وأفقا، ولن يكون السكون حالة من حالات الفعل المنتج للمعنى إلا لحظة إنتاج الفعل، وما دام الفعل لا يدرك إلا كتكسيرلسكون سابق، فإن السكون هوالوجه الآخرللفعل.

إن السكون في الجسد لا يوجد إلا متمفصلا في الإيماءات. إنه كالصمت في النص اللساني، لا يدرك كاحتمال دال إلا من خلال انبثاقه عن القول وفي القول(20). إننا لا نتحدث عن سكون النوم أوسكون الموت فالأول تأجيل للمعنى والثاني غياب مطلق له(21)، إن سكون الجسد جزء من إيماءاته. وكما في النص الأول، فإن الجسد، في أنماط وجوده المتعددة والمتنوعة، في حاجة إلى طاقة سكونية محتملة. إن الرغبات وليدة الأشكال، والأشكال لا تتحقق إلا انطلاقا من لحظة سكون سابق (ولا تدرك إلا باعتبارها ما يفصل بين سكونين). وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن هوية الجسد ليست شيئا آخر سوى مجموع الأشكال التي تعد سندا لتجلياته. ولن يدرك الجسد، لحظة تكسيره لحالة السكون، إلا باعتباره تنويعا للأشكال، والأشكال هي الوجود المحتمل للإيماءات والأوضاع والرغبة. و>الرغبة هي هذه الحالة النفسية الديناميكية، هي هذه الحركة أوالحاثة الداخلية، هذه الكثافة الشعورية المشحونة بالصور والأشكال والاستيهامات والمشاريع<(22)

إن الجسد يعلن عن رغباته من خلال الإعلان عن أشكاله. وتاريخ الجسد هو تاريخ الأشكال وتاريخ البحث عن الأشكال؛ والتاريخ المأساوي للرغبة في إلغاء وإقصاء وتغييب الأشكال. ألا يعد الحجاب، بصفته شكلا من أشكال التواصل الثقافي، محاولة للإفلات من سلطة الأشكال ودلالاتها؟ إنه كذلك، فوجوده وجود تمييزي واختلافي ورمزي في نفس الآن. إنه يرمي إلى إلغاء الجسد كشكل والقذف به إلى "مرحلة" ما قبل الأشكال (أوهوالشكل الذي يلغي الأشكال). ولا يمكننا تأويل الرغبة في إلغاء الأشكال سوى بالرغبة في إلغاء الرغبات (بحها، وتقنينها) أي إلغاء أشكال وجودها وكل ما يخبر عنها أو يشير اليها (الأمر يتعلق في الواقع بإلغاء الرغبات التي تحقق نفسها خارج أسوار المؤسسات كالزواج مثلا).

وبعد هذا وذاك، فإن اللهاث وراء إلغاء الأشكال والعودة بالجسد إلى حالة اللاشكل (الكتلة غيرالمحددة المعالم) هو محاولة الوصول إلى خلق حالة اللامعنى. فاللاشكل يرادف اللامعنى. فإذا كان وجود كل نسق يتحقق وفق وجود الأشكال الدالة عليه، فلا وجود لأنساق تتحقق خارج أسوارالأشكال، فولادة معنى ما هو تكسير لطولية الكتل الفاقدة للأشكال. إن وجود علامة ما رهين بقيام الذا ت بخلق نتوءات وشروخ في المتواصل (ان بورس يتحدث عن العلامة باعتبارها تدميرا للمتواصل. فمع المتواصل لا يمكن تصورممارسة سميائية كيفما كان نوعها وكيفما كان شكلها). ومع ذلك، ورغم كل هذا، فإن الرغبة في تقديم الجسد بعيدا عن كل الأشكال لن يؤدي إلا إلى توليد الرغبة -عند الرائي- في تحيين كل الأشكال. ذلك >أن "فراغ المضمون" المتميز بغياب التمفصلات، لا يمكن أن يملأ الا عبر تفجير الامتلاء المتوتر< (23)

مقابل هذا، تأتي الرغبة في إظهار الجسد عبر أقصى حد يمكن أن تعرفه الأشكال. وأقصى حد للأشكال حالة عري مشبوهة. وما بين الحد الأول و الحد الثاني تتراوح حالات المعنى بين الفقر وبين الإشباع. فالحالة الأولى تضعنا أمام مخاض وآلام ولادة معنى لا تستقيم له الأشكال: كيف يولد المعنى من اللامعنى؟ وكيف يولد الشكل من اللاشكل؟. وتضعنا الحالة الثانية أمام فائض في المعنى وفي التدليل: يمتلك الجسد/الشكل مفاتيح كل قراءاته. وليس غريبا أن تطلق العامة على الجسد في حالته الاولى تعبير"الكفن "، وتطلق عليه في حالته الثانية تعبير" التصريح بالممتلكات ". إن التعبيرين معا يحيلان على المعنى في أحجام محددة. فإذا كان" الكفن " يمثل درجة الصفر أو ماتحتها في حالات المعنى، فإن " التصريح " هو الكشف عن كل الاوراق. إن "الكفن " هو حالة موت: موت للجسد، وموت للذات، وموت للمعنى، و" التصريح " حالة تدليل متسارع وشغوف بملء كل مساحات النص الجسدي.إن الحالتين معا تمتلكان تأويلا مسبقا.

وتماما، كما كان الشأن مع الحالة الاولى (حيث إن غياب الأشكال المؤدي -عند الناظر- إلى الرغبة في تحيين كل الأشكال)، فإن الشكل المفضي، باستمرار، إلى توليد المزيد من المعنى، لن يؤدي- في كل الاوضاع-الا إلى خلق نوع من امتلاء العلامات (حالات التشبع). وسيؤدي هذا، بالضرورة، إلى تقليص في حجم التأويل. فالجسد النصي يملأ بياضاته من خلال تحديد أقصى لمعاني أشكاله، ويسد فراغاته من خلال خلق المزيد من الأشكال وتنويع الأشكال. إن فائض المعنى تعبير عن تأويل مسبق للأشياء.

و يتعلق الأمر في الحالتين معا بـ "حالات للجسد" وحالات لأشكال وجوده(حالات طبيعية، وحالات ثقافية، وحالات تتراوح بين المظهرين: حالة العري في إفريقيا وحالة العري في أوروبا). فإذا كانت الحالة الثقافية للجسد (حالة الجسد المكسو بلباس كيفما كان شكل ونوع هذا اللباس) هي حالة حكي وأقاصيص لأشياء توجد خارج من يسندها (أي الجسد)، فإن حالة الجسد العاري (حظة ميلاده، لحظة موته، وأيضا وأساسا لحظة عودته إلى غرائزه وقد تخلص من كل قيود حالته الحضارية) تشكل حالة وجود خارج مقتضيات الحكي وخارج مقتضيات القص. إن الجسد العاري يدرك جوهره بعيدا عن فعل السرد، إنه يتخلص من كل حكايات الكون ليحكي قصته: تتقلص داخله كل الأشياء الا أشياؤه، وتموت كل الرغبات لديه الا رغباته: زمان واحد وفضاء واحد ولا ذات سوى اللحظة المُدرَكة خارج أسوارالزمن العادي. أما الجسد المكسو بلباس ما، فيحكي عن كل جزئيات الحياة، عن برامجها وأسنُنها ونماذجها: يحكي قصة خياط ويحكي قصة حلاق وقصة عطار: عبرتفاصيل الموضة يوضع الرائي (القارئ) أمام معطيات تخبر عن زمن (باس ما يخبر عن فترة تاريخية) وعن فضاء (باس ما يخبر عن أصل صاحبه أو صاحبته). إننا نودع الجسد قيما ومفاهيم وبرامج.إن النص الجسدي، في مظاهره وأشكاله تكتبه الموضة و "النگافة"والخياط.

حاولنا في الصفحات السابقة أن نعرض لبعض القضايا الخاصة بالجسد من حيث هو موضوع، ومن حيث هو حجم إنساني، ومن حيث هو مادة منها تنسج الأشكال ومنها تنسج الدلالات. وتندرج هذه الدراسة ضمن محاولات فهم أكبر وأحسن للإنسان ولجسد الإنسان. إنها محاولة للبحث عن معنى للجسد، وإن كنا على يقين أن البحث عن معنى للجسد هو البحث عن معنى للحياة نفسها.إننا نبحث عن معنى للجسد تماما كما نبحث عن معنى للحياة. وسيظل هذا المعنى متواريا، مستعصيا على الضبط. سيظل كُنه الجسد وجوهره سرا، وكل ما نستطيع القيام به حقا هومحاولة تحديد أشكال وجوده وتحديد أشكال تجلياته.

إن الجسد واقعة اجتماعية؛ ومن ثم فهو واقعة دالة. فهو يدل باعتباره موضوعا، ويدل باعتباره حجما إنسانيا، ويدل باعتباره شكلا. إنه علامة، وككل العلامات لا يدرك الا من خلال استعمالاته. وكل استعمال يحيل على نسق، وكل نسق يحيل على دلالة مثبتة في سجل الذات وسجل الجسد وسجل الأشياء. إن أي محاولة لفهم هذه الدلالات والامساك؛ بها يمر عبر تحديد مسبق لمجموع النصوص التي يتحرك ضمنها ومعها وضدها.


الهوامش:

1) Greimas (A.J): Du Sens ed Seuil Paris 1970 p 52

2) Merleau-Ponty (Maurice): Phenoménologie de la perception Ed Gallimard1945 p 173

3) نفسه ص 173

4) Greimas, Du Sens, p. 57

5) Greimas, Du Sens, p. 58

6) ,op cit,p. 52 Greimas

7) ,op cit ,p. 59 Greimas

8) يعرف بودريار الوظيفية بقوله: > إن الوظيفية لا تعود إلى ما هو مرتبط بهدف، بل تعود إلى ما هو مرتبط بنظام أو بنسق. إن الوظيفية هي القدرة على الانضواء ضمن مجموع < أنظر: Baudrillard (Jean) : Le Système des objets, ed. Gallimard, Paris, 1968, p. 89

9) op cit, p. 59 Greimas

10) ابن منظور، لسان العرب، مواد: نهد وثدي وجسد وجسم وبدن

11) انظر التيفاشي: نزهة الألباب في لم يذكر في كتاب، دار نجيب الريس 1992

12) أنظر: Brémond(C): Pour un gestuaire des bandes dessinées, in Langages 10, Paris, 1968

13) إن الفيم (phème) هو السمة المميزة على مستوى التعبير. وقد اقترحه برنار بوتيي ليعين به الوحدات التي نستعملها كأداة تمييزية للوحدات الصوتية.

14) إن المعنم (sème) هو أصغر وحدة دالةو وهو سمة مميزة على مستوى المضمون.مثال ذلك: رجل = انسان + عاقل +مذكر... فكل وحدة من هذه الوحدات تشكل معنما.

15) Brémond, op. cit. p. 96

16) Baudrillard, op, cit. p. 66

17) Pulcinelli Orlandi Eni: silence,Sujet, Histoire, in L'esprit de société, vers une anthropologie sociale du sens, ed. Mardaga, Bruxelles, 1993, p. 228.

18) يقول بولسينيلي (Pulcinelli) في المرجع السابق عن الصمت :>إن الصمت هو سيرورة اختلافية ضرورية لاشتغال اللغة وعنصر مساهم في التداول العام للمعنى <ص228

19) إن السابق، الحالة السابقة لا تعتبر "عدما"، إنها تشكل المزيد من الصمت< Henry, P: Sens, Sujet et Origine; أنظر بولسينيلي Pulcinelli المرجع السابق ص 229

20) يرى بولسينيلي Pulcinelli أن الصمت ضروري لإنجاز أي فعل لغوي > فالذات، لكي تتكلم، في حاجة دائما إلى احتمالية الصمت الذي تعيد تشكيله من خلال كلامها < نفسه ص 229

21) يقول بولسينيلي Pulcinelli > إذا كان الضجيج باعتباره مادة فيزيقية، لا يشكل عند اللساني موضوعا للدراسة، فإن الصمت الفيزيقي وحده لا يهمنا<ص 228

22) روجيه دادون: الرغبة والجسد، ترجمة محمد أسليم مجلة "علامات" العدد الرابع 1995 ص (التشديد من عندنا)

23) Greimas A;J, Fontanille, Jacques: Sémiotique des passions, des états de choses aux états d'ame, Ed, seuil, Paris, 1991, p. 24.

 

سـعيــد بـنـگراد / كلية الاداب مكناس



.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri