
الباحثة
والكاتبة الفرنسية كاترين ستول سيمون:
الشعر
صوت وطريقة في الحياة
هي مسكونة
بالحلم، بل ترتكب المغامرة تلو الأخرى في سبيله، عاشقة
بامتياز للكشف وللاكتشاف، ويدنها السؤال الباذخ ذلك الانسان؟
بانتمائها
للضفاف الغربية من الحضارة والثقافة، جعلت هاجسها الابداعي
عالما يقودها الي العوالم الاخري من المشرق والمغرب في
الجغرافيا العربية فضلا عن القارة الافريقية هامت بالصحراء
بدوز تحديدا مثل هيامها بهيدغار عرفت ان المشوار يكمل
بل يصيغه ويؤسسه الشعراء كتبت اشعارها الاولي، احبت جلال
الدين الرومي، طبعت ارتساماتها المبكرة واللاحقة علي بياض
الخشب حيث عانقت الالوان والاشكال تنظر للآخر لنقاط الضوء
فيه، لتحل في ثقافته وابداعه نشدانا للانسان في منطلق
العبارة والمعني.
هي كاترين
ستول سيمون، الباحثة والكاتبة الفرنسية التي عشقت صحراء
تونس وعانقت مدينتها الجنوبية دوز منذ الرحلة الاولي وهي
في الخامسة عشرة من عمرها.
التقيناها
في مساحة من الحوار لتنفذ الي هواجسها واحلامها ومشاريعها
ايضا.
ماذا
يمكن ان نعرف عن كاترين المبدعة؟
تلقيت
تكوينا ادبيا من خلال الاستاذية في الدراسات الأدبية ثم
الاتصال في المؤسسة واعتبر الكتابة مهمة جليلة بالنسبة
لي وخصوصا في الخطاب والمقالة لحيوية النص وما يحتمله
من متاهات وابداعية.
منذ ولادتي
في باريس، عرفت المعني الآخر للحياة فمنذ السابعة عشرة
من عمري رسمت حيرتي واسئلتي وتطورت التجربة لتبرز في معارض
جماعية وأخري فردية في الاروقة الكبري والصالات وعبر تقاليد
محطات سنوية وآخرها كان معرضي التشكيلي بالمركز الثقافي
السوري في باريس سنة 2004.
استمد
اعمالي من مشاهد في الكاريبي وافريقيا السوداء عبر المنحي
الشكلاني اضافة الي الرسم علي الخشب والزيتي بالخصوص.
من هناك
تطورت تجربتي عبر المنحي التجريدي المطلق مع استعمالات
لعدة ادوات في رسم المادة والنحت واستعمل نوعا من الجبس
فيه اشارات وتفاعلات، لقد انجزت 11 عملا في المركز الثقافي
السوري بكميات من رمال صحراء دوز.
وماذا
عن الجانب الأدبي لديك؟
بالتوازي
مع ما ذكرت كتبت الشعر ولي ديوان صدر سنة 2000 بعنوان
الدائرة الحميمة عن دار العربة الصغيرة بنانت. وعملت كاتبة
وصحافية من خلال انشطة متنوعة لعدد من المجلات مثل صحيفة
القنطرة مجلة معهد العالم العربي وحررت سنة 2003 مقالا
حول دوز وتقاليد المرازيق واكتب الآن ضمن منشورات لارماتان
اضافة الي نصوص ومقالات حول جون سيناك الفرنسي من أصل
جزائري المعروف بصداقته لالباركامو.
ولي منذ
عامين عمل في سنة الجزائر بفرنسا اضافة الي اشتغالات علي
الامير عبد القادر ضمن معرض بالصورة والنص.
وهذا يمثل
في عمومه، جوهر رؤيتي للحوار بين الفكر العربي والفكر
الغربي.
ضمن
اي اطار؟
كل ذلك
في اطار الحوار وتجاوز الافكار الخاطئة والصراعات لكي
نفهم بعضنا اكثر ودعما للاختلاف والتنوع.
وضمن مشاريعي
التونسية، يصدر لي قريبا ديوان باللغتين العربية والفرنسية
في ترجمة للدكتور الهادي خليل وذلك عن مؤسسة بيت الشعر،
هذا الديوان الشعري بعنوان قطرات ضوء وهي تجربة مهمة بالنسبة
لي فيها نصوص مستوحاة من صحراء دوز بجمالها وسحرها التونسي
والاهداء سيكون الي دوز والمرازيق، هؤلاء اعطوني اكثر
من تصوراتي وخيالي وهم يلقبونني بمرزوقية باريس.
لقد عشت
معهم في تفاصيل حياتهم ويومياتهم بعيدا عن صفة السياحة،
انا عاشقة لدوز، طفولة وحلما وشعرا وحياة.. هي ولادتي
الثانية لانها علمتني انني طفلتها في الغرب، إنَّ علاقاتنا
الجيدة مكنتنا من التبادل القوي والمهم. هناك كتاب آخر
عن ناشر فرنسي بالتعاون ايضا مع معهد العالم العربي وتونس
والجزائر والمغرب حول ايزابيل وهي تجربة مهمة، توفيت وعمرها
27 سنة وصارت عربية ومسلمة وهي من أصل روسي وتكتب بالفرنسية،
تكتب القصة واليوميات، ويصدر هذا الكتاب بفرنسا وهو مختلف
عن كتاب شارل لرو، فهو تاريخي بينما كان اهتمامي بتجربتها
المهمة في الحياة من خلال ثلاثة اشهر من تونس، خصوصا في
جانب هذه التحولات ومسيرتها مهمة لي لأني حين ذهبت الي
دوز وجدت علاقتها بوادي سوف الذي يتوازي مع دوز في الخريطة
ولاحظت ذاك الشبه بين تجربتينا. هذا الكتاب يصدر خلال
الاشهر الاول من هذا العام.
والشعر؟
لي مجموعة
شعرية عن منشورات لارماتان بباريس فيها مزاوجة بين الشعر
والفلسفة، عنوانه الحلول في الذات ويمثل تلك المحاكاة
مع حركات الذات ضمن نصوص انطولوجية تتماهي مع الذات والكينونة
مثلما جاء في كتابات هيدغر. وفي الفلسفة العربية الاسلامية
من ذلك ابن سينا، وهذا اتجاه شعري يتواصل مع الفلسفة والوجدان.
والعلاقة
التي تربطك بدوز؟
سقطت في
الصحراء مثل ذلك الملك الذي سقط فيها مع مسيرة الجمال
للبحث عن معني للحياة ولأجل التواصل مع الفكرة الكونية
للصحراء.
رجل المدن
يتألم من هذه القطيعة مع الصحراء والحيوانات، نحن مقطوعون
عن هذا العالم الجميل، الارض نستعملها كأداة للثروات وننسي
حبنا الطبيعي لها في النبات والحيوان وغير ذلك من المخلوقات.
هناك دلالات
عميقة في القرآن حين يتحدث عن قيمة الارض والانسان والمخلوقات.
المطلوب منا هو ابراز هذا الحب والصفاء للعودة الي الذات
في حميميتها وعلاقتها بالآخر، بالعناصر ومنها الارض. الصحراء
هذه الحركة الطبيعية للتواصل منحتني الطريق الي دوز وسعدت
جدا وقد عدت مرات وهكذا كان الحب المتين والحوار الجميل
في الحديث الذي لن ينتهي.. لقد مشينا كثيرا في الصحراء
لحد الألفة ولم اشعر بالأذي.
جئت للمرة
الاولي وعمري 15 سنة في زيارة مع صديقة عبر الباخرة وكان
الأمل عفويا، هذه علاقتي بدوز التي تطورت الي يومنا هذا
عبر هذا الاخذ الذي اصابني نظرا لتراث الصحراء الغني وكذلك
العمق الوجداني اضافة لمعالم المدينة واهلها وطقوسهم الحضارية
والانسانية.
هناك قيمة
فارقة لهذا التراث الثقافي المادي واللامادي مثل الشعر
الشعبي والتقاليد واعتقد ان علاقتي بدوز هي في هذا الاتجاه
ايضا.
وماذا
عن التظاهرة؟
دوز ليست
تظاهرة فحسب بل هي تتجاوز الجانب السياحي والثقافي الي
جوانب اخري كغربية مهمة في حياة الناس.
هي ذاكرة
حية للثقافة الصحراوية العريقة وهــــذا الإرث الشعبي
والمحلي في هذا العالم المهدد بالعولمة وعولمة الثقافة.
لقد اقمت مع دوز علاقات حيوية وهكذا اري الافكار والابداع
والتواصل في عمق النظر والرؤية.
العلاقة
بين الحضاري والثقافي والشعر كيف تبدو لك؟
لا بد
من تجاوز افكار الصراع رغم عــــدم الغاء طبيعة نواياه،
وبعيدا عن سياسة النعامة لا بد من ابراز دور الابداع والحوار
الحضاري في مواجهة الصــدام والحروب ولجلــــب الاحترام
لحضارتنا فلا بد لنا من الذهــــاب تجاه بعضنا. انا من
الغرب ولكـــن لا بد من تعميق العلاقة مع الآخر ثمة صورة
اخري للعرب وثقافتهم لدي الآخر وهنا وجب النظر بعمق الي
الثقافة المغايرة بعيدا عن الاحكام الجاهزة. بالحضارة
العربية الاسلامية، انا مسلمة منذ ثلاث سنوات واشعر بحب
دفين يأخذني الي الآخر، انها الحضارة في تواصلها وانفتاحها.
اطلعت
علي آثار جلال الدين الرومي وابن عربي، والمهم ليس نظرنا
الي الآخر عن بعد بل الاقتراب لتلمس اكثر حميمية الاكتشاف
والتواصل يجب الغاء صراع المصالح، لعبتنا الحقيقية (صراعنا)
هي معرفة مدي استطاعة الكائن الانساني الاقتراب من الانسان
الآخر في حساسيته وعواطفه ومشاعره والا بقينا في مستوي
رغبات العولمة والادوات.
هناك مصلحة
في تحاور الافكار وتجاورها وتعايشها، انا لست امرأة ايديولوجيا،
فكرتي هي الادب والفن، في خلاصة لا بد من جوهر الاشياء
والحياة.
الكتابة؟
هي سبيلنا
للذهاب الي جوهر العناصر وطبيعة الاشياء وبالتالي تلك
الالماعات التي تهرب من منظومة اجتماعية معلومة، والابداع
هو كشف لهذا الهروب في الذات ومدي طاقته وممكناته المرتبطة
بالعالم.
الانسان
ليس رقما، بل هو ذات كاتبة ومبدعة وان باشكال مختلفة،
العالم بأسره يحتفظ بعلاماته البديعة، هناك ابداع في كل
لحظة ومثلما قلت في كتابي الحلول في الذات اللحظة الحاضرة
تذهب باللحظة الاخري .
كيف
تنظرين للشعر إذن؟
الشعر
ليس شكلا ادبيا فحسب، انه الصوت وطريقة الحياة.. فبالروح
نفهم ذواتنا ولكن بصرامة خاصة.. انها الشعر الخالص.
وأخيرا..
نقيم ونظل
في الكلام والسؤال.
حوار: شمس
الدين العوني