
دكتوراه
عن ناديا تويني في كتاب
الإصحاح
الشعري
"دعوة لمرافقة الكاتبة
في رحلتها الشعرية"؟ بل تحريض على الشعر كما عاشته ناديا
تويني. تجربة حياتية متفجرة، وتوق الى ولوج خفايا الذات
والعالم. في "ناديا تويني، شعرية ارضٍ محلومة" الصادر
عن "دار النهار"، تسعى جوزفين حبيقة الخازن وفي اطار اطروحة
دكتوراه في جامعة باريس الثامنة، قسم الدراسات الادبية
والفرنكوفونية، الى اعادة قراءة لأعمال ناديا تويني في
مقاربة تهدف الى ازاحة النقاب عن ناحية جوهرية من شعرها
لطالما همّشها موقعها الاجتماعي وواقع مديني ووطني وقومي
القى بظلاله على كل الانتاجات الادبية التي ولدت في ذلك
الزمن.
تعتبر الخازن ان
المقاربات العديدة التي تناولت اعمال تويني ركزت على تعلق
الشاعرة بالارض والوطن واختزلتها تالياً الى شاعرة ملتزمة.
فاذا كانت الشاعرة تعتبر نفسها ملتزمة من منطلق ان كل
شعر هو ملتزم في ماهيته، وتالياً كل شاعر "ملتزم الحياة
اولاً، وثانياً ملتزم ارضاً ما"، فإن التزام تويني يتجاوز
واقعاً وطنياً او قومياً معيناً ليضحي سعياً جمالياً الى
هوية ذاتية وجودية.
هي الشوفية من اب
لبناني وام فرنسية. وهي الدرزية تلميذة راهبات البيزانسون
ولاحقاً البعثة العلمانية الفرنسية. وهي الشاعرة زوجة
الصحافي والسياسي والمفكر. وهي الام الملتاعة والنفس المتألمة.
هذه الـ"انا" المتعددة والمتعذَّر تحديدها، عاشت هذا التهجين
مثل عطب داخلي سيزداد تفسخاً مع احتكاكها اللصيق بالمنفى
والموت والمرض والحرب. حالة واحدة من بين هذه كلها قادرة
على استدعاء شاعرية شاعر، فكيف بها مجتمعة في نفسٍ على
هذا القدر من الانجراحية كنفس ناديا تويني؟ فقدان ابنتها
سيفجر البركان الذي هدر طويلاً في الداخل وسيدفعه الى
السطح حمماً لاهبة من الالم والغضب والخوف. لتكبر الطفلة
فيها فجأة وتتنبه الى "هلعها ازاء الحياة", بينما تصير
الكتابة المتنفّس الوحيد والطبيعي لما يعتمل في الداخل.
تقسم الخازن عمل
تويني الشعري ثلاث مراحل مرتبطة بثلاثة عوامل محفّزة.
الاول فقدان ابنتها والاضطراب الناتج بفعل هذه الخسارة
والذي سيترجم في عفوية "النصوص الشقراء" (1963) المكتوبة
باندفاع ام متألمة تقول كل سخطها وألمها. الثاني، هزيمة
1967 والذي سينتج منه بروز تيمة الارض في شعرها وتحديداً
في "حزيران والكافرات" (1968) حيث تتكثّف لغتها اكثر.
والعامل الثالث هو اندلاع الحرب اللبنانية في 1975 لتضاف
تيمات الحرب والعنف الى عملها في "حالم الأرض" و"لبنان:
عشرون قصيدة من اجل حب" (1979) وتتزاوج مع تيمة الموت
لدى اشتداد المرض عليها في "محفوظات عاطفية لحرب في لبنان"
(1982) حيث تصير البلاد المشرفة على الموت في تناغم كامل
وتماهٍ تام مع الاحتضار الشخصي.
انطلاقاً من هذا
التلاحم الوثيق بين الحالة الداخلية للشاعرة وما يجري
في الخارج من عنف وحرب، تؤكد الخازن أن الاعمال وإن انطوت
على تيماتٍ كالارض والحرب، وان كتباً على غرار "حزيران
والكافرات" و"محفوظات عاطفية لحرب في لبنان" وإن كانت
مستلهمة من سياق حربي، فإن ذلك كله لا يجعل من تويني في
الضرورة كاتبة ملتزمة. لذا تعيد الخازن وضع هذه المؤلفات
وسواها في السياق الثقافي، الادبي والشعري، الذي كتبت
ناديا تويني خلاله. فعملها كان اولاً على علاقة عضوية
بالتيار السوريالي الذي عرفته الكتابة الفرنكوفونية في
لبنان، لكن ايضاً وخصوصاً بتيار الحداثة الشعرية الذي
ازدهر في بيروت بدءاً من الخمسينات، متمثلاً في مجلة "شعر"
مع يوسف الخال وانسي الحاج وشوقي ابي شقرا وادونيس وسواهم،
في سعيهم الى اعطاء الشعر العربي بعداً عالمياً. ما يقرب
تويني من تجربة "شعر" هو المغامرة اللغوية والحرية الناتجة
من الخلق الشعري، مع احتفاظها في الوقت نفسه بخصوصية التجربة
الحقيقية والعميقة: "اذا كان ثمة مغامرة تسمح للانسان
بأن يتخطى ذاته، فهي من دون ادنى شك المغامرة الشعرية"،
تقول. في هذا الاطار كانت مقاربة ناديا تويني للحرب مقاربة
جمالية تسمو بها صوب المشاعر الكبرى والافكار والمجردة
من دون ان تهتم بالانحياز الى طرف في الصراع الدائر في
شكل مباشر.
قد يكون "حزيران
والكافرات" من اكثر اعمالها التي تم تناولها من منظار
الالتزام الوطني والقومي. وتعتبر الخازن ان هذا العمل
بالذات يكشف عما تسميه "اساليب التلاعب بعمل ادبي يراد
اعطاؤه فحوى سياسية". ففي معظم المقاربات التي تناولته،
ادبية أكانت ام مسرحية ام نقدية تحليلية، تمت الاضاءة
حصرياً على التمزق الحاصل في نفس الشاعرة بعد هزيمة 1967،
في حين ان جنون العناصر في المجموعة يمكن ان يكون انعكاساً
لحالة داخلية بالقدر نفسه الذي قد يعكس فيه حالة خارجية.
اذ ان ناديا تويني، في هذه المجموعة، وضعت الصراع العربي
الاسرائيلي في اطار اوسع، هو جدلية الموت والولادة المتجددة،
الملازمة عضوياً لهذه الارض. تصير الحرب مساحة اسقاط للعطب
الداخلي، ومحرضاً على سبر اغوار النفس واكتشافها، وتصير
الهزيمة محفزاً للتساؤل العميق حول الهوية الشخصية والتمزق
الذي يعتريها. الامر نفسه ينسحب على"محفوظات عاطفية لحرب
في لبنان" حيث تزيد الحرب اللبنانية من حدة صراع الهوية
لدى الشاعرة ويدفعها اكثر الى التساؤل حول الجذور، وهي
مسألة عاشتها ناديا تويني بألم وتمزق. كما ان هذه القصائد
كتبتها في السنة التي سبقت موتها، في حين ان المرض يتقدم
والموت الوشيك يزيد من الشعور بالخطر والحياة المهددة.
وتؤكد الخازن تالياً انه اذا كانت المجموعة تشير الى حرب
ما فهي قبل كل شيء حرب الشاعرة ازاء هويتها المتشظية.
تكشف الحرب لدى
تويني عن تيمة اخرى اساسية في اعمالها هي تيمة الارض التي
قادت كذلك الى اختزال قصائدها الى البعد الوطني وحده.
في حين ان الأرض الشعرية بالنسبة الى ناديا تويني لا تقف
عند حدود وطنية او قومية: "في النهاية أليست الارض بالنسبة
الى الشاعر هي قبل كل شيء المساحة الداخلية؟".
لذا تخلص الخازن
الى ان شعرية نادية تويني، قبل الوطنية والقومية والتعلق
بالارض، هي شعرية سموّ وروحانية. فطريقها الشعري مطبوع
بسعي مزدوج روحاني وميتافيزيقي يغذّيه القلق والآمال والشكوك.
فهي شرعت في الكتابة في صلب ازمة ميتافيزيقية وفي سياق
من الشكوكية التامة تسبب بها موت ابنتها، ازاء المبادئ
والقيم والمسلّمات وحتى ازاء معرفتها لذاتها. هذه الازمة
ستتفاقم مع شعورها بفقدان نقاط الاستدلال، ومع الحضور
القوي للموت في حياتها المطبوعة بالفقر والمرض والحرب
مما سيدفعها الى التعبير عن تمردها ضد السكون الإلهي.
وهو تعبير يبدأ غاضباً ليبلغ حد اعلان موت الله بنبرة
نيتشويّة، لتتعاقب الحالات الشعرية في ما بعد بين سكون
ويأس وتمرد، وتضحي الكتابة لديها مرآة لأزمة وجودية، ورسالة
تسمو على حالة بشرية محكومة بالعبث والخواء، في سعي روحاني
مرتبط رمزياً وإيحائيا بنفس متعطشة الى الروحانية لكنها
في تناقض دائم مع ذات يستعر فيها قلق لن يعرف الهدوء قبل
السكون الأخير.
سيلفانا الخوري
- النهار