حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"منزل القرّاص" لفينوس خوري غاتا
الكثير من برد الموتى يتعلق بأذيالي

تبدو فينوس خوري غاتا في "منزل القرّاص" الصادر لدى "اكت سود" الفرنسية، كمن يقشط قعر ذاكرته في بحث دؤوب عن بقايا ذكريات تنسج منها روايتها الجديدة قبل ان تنطلق صوب آفاق اخرى مختلفة. واذ يفصح العنوان حالاً، بالنسبة الى قارئ معتاد، عن العالم الذي تنبثق منه الرواية، فإنه يستدعي تالياً تساؤلاً اساسياً لا سبيل الى تجاهله: بعد "منزل على حافة الدموع" و"اي ليلة من بين الليالي" وسواهما، ماذا لدى الكاتبة بعد لتقوله عن ذاك المنزل المسيّج بالقرّاص، وعن تلك الوجوه الآتية من ثنايا الذاكرة، وجوه الام والاب والاخ - الشاعر الملعون؟ ماذا تبقّى منها بعدما كتبتها كلها نثراً وشعراً، في شبه استبسال للتصالح مع ماض لا ينفكّ يتمسك بأذيالها تاركاً شعوراً باستحالة الانفصال عن الرحم الاولى؟

منذ المقدمة تقول الكاتبة نفسها ان هذا الكتاب يكاد يكون بطريقة ما التتمة لـ"منزل على حافة الدموع"، قبل ان تضيف: "لا تحمل هذه الصفحات الا نتفاً مما عشته". وهي النتف حقاً، ذكرياتٍ ووجوهاً واحداثاً، من التي تبقى كالاطلال بعد اختبار الفقد بكل اشكاله، موتاً وغربة ووحدة ورحيلاً متكرراً. "الكثير من الموتى يتعلقون بأذيالي. احاول تفادي نظراتهم المستهجنة. لم أحرك ساكناً لانقاذ احدهم من المرض، والآخر من الجنون او من الحرب"، تقول. ومن هؤلاء، الام أولاً التي تعود من تلك القرية الجبلية في شمال لبنان لتقف خلف كتف الابنة الكاتبة وتملي عليها وتوجّه كتابتها، تذكّرها وتتذكر بدورها كيف كانت تعد نفسها كل يوم باقتلاع القرّاص الذي ينبت حول ذلك البيت الفقير كنذير اول لما سيحل به في ما بعد: "سوف اقتلعها غداً"، لا تنفكّ تكرر، لكن الغد الموعود سيظل رهن التأجيل. ذلك ان الام "لم تكن تحب المنزل. ونحن كذلك. كان يكفي ان يضيع المفتاح، ان يُترك الباب مشرعاً للامطار والرياح لكي يصير جزءاً من الحديقة ولكي يجتاح القرّاص الاثاث...". في ما بعد، تتوالى صور ووجوه اخرى: الاب الذي تخلّى عن نذوره الرهبانية ليرتبط بنذور زواج وابوة لن يتمكن مرة اخرى من البقاء وفياً لها. الاخ الشاعر الذي يعود من المصح العقلي ليطالب بقصائد ملعونة. الزوج الذي غادر من دون موعد، والعشيق الرسام الغريب الاطوار الذي احبت وثنيته لا لوحاته، وغيرها من الوجوه التي تنهار كالجدران من حولها لكي تتركها وحيدة الا من هرتين وبعض الكتب.

من بين هذه الصور التي يمر بعضها سريعاً خاطفاً، صورتا الام والزوج في شكل اساسي، اللتان تحومان فوق حياة الكاتبة في إلحاح غريب. وفي حين انها هي التي يستدعيهما، نراها من ناحية اخرى تحاول الهرب منهما الى علاقة مع مَن لا تسميه الا "م". علاقة متذبذبة، حائرة في استقرارها على برودة او شغف. لكنها المؤاساة قبل كل شيء، او ما يشبهها، تتحكم بالعلاقة وتحكمها: "م" الرسام يواسيها من موت الزوج المحقق فعلياً انما المعلق في حياة الزوجة، وهي تواسيه من شيخوخته، موته المؤجل. تصير العلاقة اشبه بلعبةٍ قواعدُها حضور "م" النرجسي وكلامه الطالع كالالوان من ريشته وحيله لخداع الموت والتحايل على الحياة لتأجيل استحقاقها الاخير. لكن أشخاصاً مثله "لا يليق بهم الموت"، نقرأ ونكاد نسمع تلك النبرة الاقرب الى الشفقة، كأن الموت هدية يجب ان نستحقها.

بنبرة فيها من شاعرية الشرق انما من دون ان تجنح صوب البكائية، تنزع الكاتبة طابع الفاجعة عن كل هذه الاحداث - الاطلال لتروي التعايش مع الآثار التي تبقى بعد التئام الجرح. هذه التي وصفت نفسها إثر موت زوجها بـ"اليتيمة ذات الخمسين عاماً"، تنزع قرّاص الذكريات لتروي، من دون استرسال، ما يبقى بعد الحروب الصغيرة والكبيرة، الشخصية منها والعائلية والاهلية، تروي اليتم والفقدان. فقدان المنزل الاول قبل كل شيء، ومن ثم الزوج والوطن وحتى اللغة. اننا هنا ازاء الازرقاق الذي يلي اللطمة والالم الناتج منها. انه وجع الجرح بعد ان يبرد. وجع الخواء الذي يخلّفه الفقد حيث استدعاء الذكريات فيه من الارغام ما يشبه الطرق على ابواب الموتى، فتعود هذه الوجوه المرتحلة مرة اخيرة لتطالب بما هو اكثر من النسيان. وفي حين يتأرجح ذلك الماضي بين تضخّم وأفول، يحلّ كل التطيّر الممكن على شكل قرّاص، يعود لينبت فوق اليدين وفي العيون.

"الشعراء اشبه بالعقبان، يتغذّون من الجثث"، تقول الكاتبة، قبل ان تلوذ باللغة التي تذكّر في بعض اللقطات بلحظات سابقة اكثر حرارة وشغفاً ونهماً. في "منزل القرّاص"، تلملم فينوس خوري غاتا بقايا الحياة المعلّقة بخيوط الذكريات الواهنة، التي تتحلل قبل الجثث، لتنسج كتاباً يريد ان يكون "فك الحداد" او لفتة الوداع الاخيرة. الا ان الكاتبة التي تصفق باب الذاكرة بعد ان تفرغها من آخر بقاياها، تجازف بنسيان نفسها هناك وغلق الباب من الجهة الخاطئة.

 

(النهار)
سيلفانا الخوري -
Sylvana.elkhoury@annahar.com.lb



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri