
رحيل الرائدة
الجسورة باربرا غيست
نسمّيكِ أمّنا الروحية نحن شعراء أميركا الجدد
"عندما أقول كلمة
"بيت"، فإني تقريبا أهمسها: جملة مشحونة وحارقة، لا تصف
فقط القلق الوجودي الذي عاشته الشاعرة الأميركية الحداثية
باربرا غيست (1920 - 2006) إبان طفولتها وشبابها المبكر،
لكنها تؤشر أيضا الى عنوان عريض سوف يسم اندفاعاتها الحياتية
والأدبية، ويصبغ خلقها الشعري وتحولاتها الفنية. انه بوح
سيلهم حياتها فتكون واحدة من أهم الشاعرات اللاتي أثّرن
في مسيرة تطور الشعر الأميركي المعاصر طوال عقود طويلة.
في أحد حواراتها
الصحافية قالت غيست إنها في شبابها "لم يكن لديها بيت
فعلا"، ومع أنها استدركت بعد نحو نصف قرن بأن ذلك كان
"قلقا غير ضروري"، إلا أن الطفولة اليتيمة والمقطوعة الجذور،
بين ولايات نورث كارولاينا وفلوريدا وكاليفورنيا، قادتها
في مستهل عمرها الى أن تترك الجامعة في لوس انجلس لأن
أساتذتها كانوا، خلال الثلاثينات والأربعينات، ينظرون
إلى الحداثيين باعتبارهم دخلاء وبوهيميين قذرين، في حين
أن غيست اعتنقت الشعر منجذبة إلى طرائقه التجريبية وعالميته.
استقلاليتها المبكرة
تلك، ومنسوب الحرية العالي في أشعارها، ونظرتها المتميزة
الى العالم، قادتها مبكرا إلى الاختلاف. غادرت ولايتها
بعد حصولها على درجتها الجامعية من بيركلي عام 1943، وانتقلت
لتعيش في نيويورك، فانضمت هناك إلى مجموعة من الشعراء
والفنانين عُرفت لاحقا باسم مدرسة نيويورك الشعرية والتي
ستشتهر لاحقا بوصفها تيارا شعريا وفنيا رئيسيا ميّز القرن
الثقافي الأميركي.
كانت غيست، التي
توفيت منتصف شباط الماضي عن ستة وثمانين عاما، المرأة
الوحيدة وسط زملائها الشعراء الذكور من أعضاء المجموعة
التي ضمت: فرانك أوهارا، جون أشبري، كينيث كوتش، وجيمس
شايلر. وكانت قريبة جدا من أوهارا الذي كتب لأجلها عددا
من قصائده. كما أنها تعاونت في أعمالها مع عدد من الرسامين
والتشكيليين، وأنجزت خلال الخمسينات مجموعة كبيرة من الكولاجات
التي ستظهر لاحقا على غُلُف كتبها، وعملت ناقدة فنية في
عدد من المجلات المتخصصة مثل "نيوز آرت" و"أرت إن أميركا"،
إضافة إلى عملها كمحررة لشؤون الشعر في "بارتيسان ريفيو".
في نيويورك كانت
غيست جزءا من المشهد الأدبي، وعنصرا فاعلا وسط الجيل الأول
لمدرسة نيويورك الشعرية التجديدية، التي ثارت على ما كان
سائدا آنذاك من شعر تطهري ومعايير نقدية مغلقة تحكمها
النزعة الأكاديمية.
ومثل باقي أعضاء
مجموعتها، تأثرت بالفن التجريدي والرسامين التعبيريين،
من أمثال جاكسون بولوك ووليم دي كونينغ، وأيضا بحركة الشعر
السوريالي. وعُرفت بكتابتها في الفنون البصرية، وتركز
شعرها على الرسم والموضوعات الفنية الأخرى. وفي كتابها
"قوى الخيال"، وصفت غيست مشاعرها حيال تأثيرات السوريالية:
"في أجواء تلك الطقوس السحرية لم يكن ثمة فصل محدد بين
الفنون... إذ لا يستطيع المرء ابدا النظر إلى الشعر بوصفه
مملكة مغلقة، لقد اتسع الشعر أفقيا وعموديا ولم تكن حركته
أبدا تمضي عبر بناء خطي.
من جهة أخرى فإن
الحرية التي ميّزت نسقها الخلاّق، وضعت شعرها على مسافة
من الآخرين، حتى بمنأى عن زميليها في مدرسة نيويورك الشعرية،
فرانك أوهارا وجون أشبري. فمنذ أيامها المبكرة تجنبت غيست
المعايير التقليدية للذائقة الشائعة، وأصبحت تجريبية باطّراد،
عبر استخدامها الفضاءات البيضاء، ورفض القافية والوزن
في إنتاجها الشعري.
كانت أعمال غيست
متأثرة على نحو كبير بالرسم التجريدي حتى وصفت بأنها كانت
تضع كلماتها على الورق مثلما تضع الطلاء على اللوحة. كانت
غيست الوحيدة، دون شعراء نيويورك جميعهم، التي آمنت على
نحو جدي وعميق بفكرة أن القصيدة يمكن أن تكون مثل لوحة
تعبيرية تقوم على التجريد، ومارست ذلك في أشعارها جديا،
حتى أصبح الباحثون والفنانون يدرّسونها الآن في الولايات
المتحدة بوصفها نموذجا لذلك.
رحلت غيست مكللة
بنجوم الشهرة، لكنها لم تنعم بها طوال حياتها، حيث عرفت
دورات من التجاهل والتغييب، وخصوصا خلال حقبتي الستينات
والخمسينات، إذ جرى انتقادها على نحو واسع، لأنها كانت
ترفض على الدوام توظيف شعرها كبيان سياسي أو حتى لحمل
أفكار الحركة النسوية.
شهدت الستينات عملية
إطلاق الإنتاج الشعري، واستهلت غيست الإعلان عن شاعريتها
بإصدار مجموعتها الشعرية الأولى، "موقع الأشياء"، عام
1960، بعدها "السموات المفتوحة" عام 1962، ثم "الدرجات
الزرقاء" عام 1968، وقد صادف إصدارها حقبة مشتعلة على
الصعد السياسية والاجتماعية، لكن تلك الفترة كانت بالنسبة
إليها لجوجة ومثيرة للجدال، حيث تجنبت بشدة التصنيفات
والتقسيمات السياسية، وانتقدت بقسوة استخدام الشعر لأغراض
سياسية، بقولها: "لقد قاتلنا النازية بسبب ذلك، فما الذي
يفعله الناس الآن؟".
كما أن تلك الحقبة
كانت قاسية جدا أيضا، بسبب موت صديقها الشاعر أوهارا في
حادث مؤسف، ولم يكن بعد قد تجاوز الأربعين، الأمر الذي
اثر في استبعادها عمليا من حلقة شعراء مدرسة نيويورك،
حتى أنه تم تجاهلها في "انطولوجيا شعراء نيويورك" التي
نشرت عام 1970، مع أنها كانت عضوا أساسيا في الجيل الأول
لواحدة من أهم المدارس الشعرية الأميركية، وقد عزا البعض
ذلك إلى إهمال المؤلف أو عدم كفاءته، لكن الرسالة التي
بعثها الشاعر جيمس شايلر إلى غيست عام 1971 تكشف ربما
عن استبعاد مقصود مورس ضدها، حيث أعرب فيها عن استنكاره
وأسفه لعملية الاستبعاد، واصفا غيست بأنها "الرأس الخامس
لنجمة" مدرسة نيويورك.
ومع ذلك فإن كتاباً
آخر عاد لينصف غيست، عنوانه "شعراء مدرسة نيويورك"، عام
1969، لكنه لم ينتشر على نحو واسع بعكس سابقه، إذ ذهب
فيه مؤلفه جون برنارد مايرز إلى وصف غيست بأنها من "نسل
اندره بروتون"، كاهن السوريالية الاشهر ومؤسسها، وأعتبر
أنها الأكثر نجاحا من تلك المجموعة في تتبع مفاهيم بروتون
وأطروحاته الجمالية.
عادت غيست في السنوات
الأخيرة إلى تصدر المشهد الشعري الأميركي، حيث يصر جيل
جديد من الباحثين والكتاب وخصوصا من يسمّون "الشعراء اللغويون"،
على أنهم أمضوا ربع القرن الأخير ينظرون إلى غيست بوصفها
"أمهم الروحية" أو ربّة البيت، الرائدة الجسورة التي مهدت
الطريق لتجاربهم الشعرية. وجرى وفقا لذلك، إعادة إحياء
أسلوبها الشعري على يد عدد من "الشعراء اللغويين" مثل
تشارلز بيرنشتاين ودوغلاس ميسيرلي وكذلك في كتابة شاعرات
اصغر سنا مثل كاثلين فريزر ونورما كول، والذين أخذوا عن
غيست تجديدها النحوي، وصورها البلاغية، وأوزانها، وكذلك
قصائدها "البصرية التجريدية" abstractly visual أو ما
يطلق عليه بعض النقاد وصف painterly poems.
يشار إلى أن باربرا
غيست أصدرت 29 كتابا بين الشعر والسيرة والرواية والنقد
الفني والمقالات، وحصلت على عدد من الجوائز أشهرها "فروست
ميدال" عن جمعية الشعراء الأميركيين عام 1999 والتي تمنح
عن مجمل الإنتاج الشعري.
نشرت غيست أعمالا
كثيرة، ومن أشهر كتبها: "النظرة الحمراء" (2005)، "قوى
الخيال" (2003)، "التحفة وقصائد أخرى" (2002)، "صخور في
طبق" (1999)، "ريشة، شبح العزلة" (1996)، "قصائد مختارة"
(1995)، "نشوة دفاعية" (1994)، "الواقعية الجميلة" (1989)،
"نشدان الهواء" (1978)، و"كونتيسة منيابوليس" (1976)،
و"منازل موسكو" (1973).
حسين جلعاد