
"عن
النساء والكتابة حول البحر المتوسط"
النـــدوة كــــتــابــاً
كأن كارمن بستاني
تعيد كتابة روايات بأقلام النساء، إنما بقلم الباحثة المتعمقة
في رؤاهن، الكاشفة عما لم يقلنه فيبقى ستراً بين السطور.
هي كالتحرية في نبش حميميات المرأة الكاتبة، تفتق نسيجها
قطبة قطبة، كلمة كلمة، لتعيد شرحها بأسلوبها الاكاديمي.
استاذة الأدب ولاسيما
الأدب النسائي، جعلت من اللغة الفرنسية الخريطة، التي
عليها تعبر شرقاً وغرباً، بحثاً عن كنوز من الاقلام النسوية،
مرآة المرأة وهويتها. استهواها ما في النساء الكاتبات
من غموض وهواجس وخيال، ومن الندوات حول رواياتهن وأشعارهن،
صدرت كتب شيقة، أكان في نطاق القمة الفرنكوفونية التاسعة،
"على حدود النوعين"، تكريماً للشاعرة والاديبة أندره شديد،
ام في الندوة الفرنسية الاخيرة "عن النساء والكتابة حول
البحر المتوسط". كتب، هي لهذا النوع من الأدب النسائي
مراجع تشمل اعداداً من الكاتبات، مشرقاً ومغرباً.
لكارمن بستاني مؤلفات
خرجت بها عن إطار الجامعة لتتوسع في الفكر النسائي، كـ"الأدب
الرسائلي" و"الكتابة الجسد لدى كوليت" و"المؤثرات الأنثوية"،
وظلت وفية لذلك الاصغاء الى أقلام نساء عصرها، بالغيرية
المثالية، التي تجعل منها دوماً المربية، مربية الفكر
والتحليل الصحيح.
"عن النساء والكتابة"،
الندوة التي نسقتها بستاني في فرنسا بالتعاون مع الاستاذ
في السوربون ادمون جوف، أنجبت كتاباً ذا شقين: "المتوسط
الشرقي" و"المتوسط الغربي"، وقدمت له الكاتبة فينوس خوري
غاتا، ومن التقديم "أن "الكتابة او الحياة" عنوان رواية
للاسباني جورج سومبرون ينطبق على العديد من الكاتبات اللواتي
استبدلن متعة الحياة بمتعة الكتابة وآثرن الحياة الفرضية
المولودة من أقلامهن، حياة من حبر وورق". جمعت بستاني
في هذه الندوة، الكاتبة ورأي كاتبة أخرى في إحدى رواياتها،
موقنة أن الرواية المكتوبة بأقلام النساء إنما تشكل وطناً
حقيقياً لهن.
في مستهل الكتاب
تقول بستاني إن الهدف من الندوة "عن النساء والكتابة"
إلقاء ضوء تحليلي على أبعاد الكتابة الفرنكوفونية لدى
نساء البحر المتوسط اللواتي استنطقن خصوصياتهن، بأقلامهن
خلال العقود الاخيرة، بدءاً من تيارات تحرير المرأة في
السبعينات والثورات السياسية والتكنولوجية، الى الحرب
اللبنانية، وهي أسباب اعطت الانطلاقة لخيال المرأة وقلمها.
لماذا البحر المتوسط؟
"لأن هذه المنطقة من العالم شهدت ولادة العديد من الحضارات
القديمة وزوالها. والكتاب إنما يجمع ثلاث حضارات مختلفة
بثقافاتها لكنها متكاملة، فلو قرعنا باب الاسطورة لوجدنا
أن الاله زوس خطف أوروبا من صور خالقاً بفعله هذا رباطاً
وثيقاً بين المتوسط الشرقي والقارة الاوروبية".
تذكّر بستاني بأن
الميتولوجيا السائدة حول البحر الابيض المتوسط عابقة بالحضور
النسوي حيث الصورة المركزية ليست للأب القوي القدير. اليوم،
اذا تماهى دور الأم في هذا العالم فإنه انتقل الى النفوذ
الانثوي الذي أثبت ذاته رغم الارث الضاغط الذي زرعته الاديان.
الغاية من الكتاب
ومجموعة الاقلام التي كتبته وحللت فيه اختبارات نساء وجدن
في الكتابة مخرجاً الى الضوء والحرية، هي أن نقرأ المرأة
تعبّر عن اشياء مختلفة عن الرجل انطلاقاً من واقعها. تقول
بستاني: "لقد كفّت المرأة عن أن تكون بينيلوب المنتظرة
بصبر وصمت عودة أوليس. تقول "أنا" وهي تروي سيرتها، أكانت
في بلدها أم البلد الذي تبناها. "الأنا" النسوية تطل مؤكدة
خصوصياتها بعيداً عن تفوق المجموعة على الفرد، بيد أن
البحث عن إثبات الذات لا يتم سوى بالضغوط والألم". لذا
يركز الكتاب على إبراز سلطة الكتابة ويلقي ضوءاً على الصلة
بين الجنسين، وتالياً تعويض المرأة عن غياب نفوذها السياسي
الانثوي على ضفتي المتوسط، ولا سيما الضفة الجنوبية.
أدب "الأنا" الذي
لاقى توسعاً على الضفة الغربية، لم يلق القدر نفسه على
الضفة الشرقية. لكن العالم العربي الاسلامي شهد جرأة بعض
الشرقيات للتفوق على هذا الامحاء، إمحاء الفرد في جماعته،
من بينهن آسيا جبار في "العطش" خلال الخمسينات، وليلى
بعلبكي في "أنا أحيا" خلال الستينات، الى أن تفشت الكتابة
النسوية من المشرق الى المغرب.
في بداية الجزء
المتعلق بالمتوسط الشرقي من الكتاب ألقت بستاني الضوء
على الأدب اللبناني النسوي الفرنكوفوني، انطلاقاً من تحليل
"المايسترا" لفينوس خوري غاتا. ثم القلم لأفلين عقاد التي
تحلل علاقة فينوس خوري غاتا مع الكتابة. في فصل ثالث من
هذا الجزء كتبت كريستيان ماكوارد من جامعة بنسلفانيا عن
"الزمن والجسد بالانثى "لأندره شديد. مرة أخرى عن اندره
شديد بقلم فرنسواز كولان تضيء على رواية "لوسي" و"نيفرتيتي
وحلم أخناتون"، وايضاً "بيرنيس المصرية".
في بحثها عن الكاتبات
اللبنانيات المغتربات عثرت بستاني على عبلة فرهود المقيمة
منذ بدايات الحرب في مونتريال، والتي تعتبر أن كل كتاب
تكتبه إنما هو وطنها اثناء تأليفه. تقول لوسي لوكان، قارئة
عبلة فرهود، إن مؤلفاتها محاولة لترميم النسيج السردي
المكسور ومعه النزاعات بين الاجيال. فالى دومينيك إده
في كتابها "طائرة الورق" أو زوال الحلم العربي، والقراءة
لجمانة دبس.
نساء كاتبات، نساء
"مكتوبات". حكايات بالمؤنث في مصر القرن العشرين انطلاقاً
من صالون ماريا كافاديا في الثلاثينات وآمي خير وجيهان
إثراي ونيلي زنانيري. قامت كتاباتهن على اختباراتهن وعلى
أدب يتناول وضع المرأة الاجتماعي في بدايات القرن العشرين.
مارك كوبير من جامعة
باريس تطرق الى موضوع الكاتبة في مصر برمته من بدايات
القرن العشرين حتى التسعينات مع "خشب ونحاس" و"البئر"
لسميا رمضان "الخيمة" و"الباذنجانة الزرقاء" لميرال صحاوي
و"فردوس، صوت من الجحيم" و"مذكرات سجن النساء" لنوال السعداوي،
الكاتبة المناضلة والطبيبة التي التزمت حقوق المرأة العربية
ودافعت عنها وسجنت عام 1981.
آسيا جبار ذات الوجه
المتعدد، كاتبة ومؤرخة وصحافية وشاعرة واكاديمية. موضوعاتها
حول الجزائر، وحرب الجزائر، ماضيها وحاضرها. نقرأها بالفرنسية
كأننا نستمع اليها بلغة القبيلة. ومن الجزائر ضوء على
"نزيد" لمليكه مقدّم ومحور روايتها الهوية التي ترفض أن
تكون سجناً لأن "المرء ينبغي له أن يكون من مكان ما لكي
يشعر بالغربة".
مارتا سيغارا من
جامعة برشلونة حللت أعمال الروائية منينا براوي الجزائرية
من أم فرنسية، "الكاتبة المتوسطية بامتياز والواقفة على
ثقافتين". تناولت سيغارا "المسافرة الممنوعة" للدخول في
عمق سيرة هذه الكاتبة انطلاقاً من طفولتها.
من فصل الى آخر
نتعرف الى كاتبات بأقلام النقاد. فمن ماري أولمب دو غوج،
المناضلة في القرن الثامن عشر لحقوق المرأة، الى كارلا
لونتري، فالى قدر المرأة الكورسيكية التراجيدي في مؤلفات
ماري سوزيني.
مي منسى / (النهار)
-
may.menassa@annahar.com.lb