
بيوغرافيا
الجوع
آميلي
نوثومب
أملي نوثومب، الكاتبة
البلجيكية، تثير جدلاً مستمراً في الأوساط الأدبية الفرنسية،
وغالباً ما ينقسم النقاد بين متحمس لها وبين منتقد لها
الى حد الإلغاء.
مؤلفة شابة تواظب على نشر رواية كل عام، لدى قرائها ومعظمهم
من فئة الشباب التي ترى في أعمالها انعكاساً لعالمهم ومشاعرهم
وتجاربهم.
نوثومب تجمع الى الذكاء الحاد، خفة التعبير وسلاسته، كأنما
أحياناً تكتب "أدباً" لتهفيت الأدب. غير أنها في الأحوال
كافة تترك لدى القارئ إحساساً بالمتعة، يعز نظيره لدى
كتّاب آخرين.
***
1
إنّه أرخبيل أوقياني يُدعى فانواتو، ما كان يُعرف في الماضي
بـ"هيبريدِس الجديدة"، ولم يعرِفَ الجوعَ يوماً. نظراً
لموقعها في عَرضِ البحر قُبالَة شواطئ كاليدونيا الجديدة
وجزر فيدجي، حظيت فانواتو لعصورٍ بأكملها من مؤهِّلَين
كليهما نادرٌ وقلّ ما يجتمعان: الوفرة والانعزال. والميّزة
الأخيرة إذا كانت لأرخبيل بَدَت للسّامعِ حَشْواً لا طائل
تحته بالطبع. سوى أنّ بعضَ الجزر قد يكون مقصداً لكثيرين،
إلاّ جزر هيبريدِس الجديدة التي تكاد ألاّ تطأها قدمٌ
غريبة.
إنّها حقيقة تاريخيّة غريبة: فلا أحد راودته الرغبة يوماً
في الذهاب إلى فانواتو. حتّى أقلّ البقاع حظّاً وحظوةً
في عالم الجغرافيا، كجزيرة "ديزولاسيون" مثلاً، لها قاصدوها:
إذ يتضح أنّ لتخلّي الربّ عنها جانباً مثيراً يجذب إليها
الزائرين. فمن شاء التباهي بميله إلى العزلة أو رامَ التشبّه
بالشعراء الملعونين قد ينال المبتغى بقوله: "إني قادمٌ
من جزيرة ـ ديزولاسيون". كما للعائد من جزر الماركيز أن
يُثير من حوله انطباعاً بأنّه نصيرٌ للبيئة، وللعائد من
الجزر البولينيزيّة أن يوحي بأعمال غوغان، وغير ذلك. إلاّ
فانواتو فالعودة منها لا تثير أي ردّ فعل.
وقد يجعلُ الأمرَ أدعى لاستغرابنا كون الـ"هيبريدِس الجديدة"
جزراً ساحرة. إذ نجد فيها عدّة الجذب الأوقيانية المعتادة
الباعثة على الأحلام: أشجار النخيل، يُسر الحياة، وغير
ذلك. ولو شئنا تحوير عبارة فيالات الذائعة لجاز لنا القول
إنّها جزر غاية في الجزيريّة: فلِمَ يبطل سحر الطابع الجزيريّ،
الذي يكتنف عادةً كلّ نتوء صخري بارزٍّ وسط المياه، عندما
يتعلق الأمر بجزيرة فاتي وأخواتها؟
كلّ شيء يؤكّد أنّ أرخبيل فانواتو لا يثير اهتمام أحد
من الناس.
لا أرى فتنةً في تلك اللامبالاة
أمامي خارطة اوقيانيا المثبتة في قاموس "لاروس" بطبعةٍ
قديمة ترقى إلى عام 1975. في ذلك الوقت لم تكن جمهورية
فانواتو قد قامت بعد: إذ كانت جزر "هيبريدس الجديدة" لا
تزال خاضعة لحكم ثنائي بريطاني فرنسي.
الخارطة واضحة. فأوقيانيا مقسّمةً بفعلِ هذه الظواهر العبثيّة
الرائعة التي تُسمّى الحدود البحريّة: أمرٌ معقّد ودقيق
كالرسم التكعيبي. ثمة جانب فيها متعلّق بنظرية المجموعات:
هكذا نلاحظ تداخلاً بين حدود جزر "والّيس" وبين جزر "ساموا"
التي تبدو، بدورها، جزءاً من جزر "كوك" ـ كأنها حروف طلسميّة.
كما نجد فيها تعقيدات سياسيّة، لا بل أزمات حادّة: فثمة
نزاع بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على جزر "ليني"،
المعروفة أيضاً تحت اسمٍ آخر، مذهل، هو جزر "سبوراد الاستوائية"
(المتفرّقات الآسيوية). وجزر "كارولين" التي تتدبّر جيداً
أمرَ انتمائها، في وقتٍ معاً، لكل من أوستراليا ونيوزيلندا
وبريطانيا، متوّجةً هذا الشذوذ الفاضح بكونها، على الرغم
من ذلك، تحت الوصاية الإنكليزية. وغير ذلك.
ينتابنا شعورٌ بأن أوقيانيا هي كائن غريب الأطوار في الأطلس.
ووسط هذا القدر الهائل من الغرائب، تنعم فانواتو برتابة
لافتة. ولا نجد عذراً لها في ذلك: كونها خضعت لسيطرة مشتركة
من قبل بلدين عدوين تقليدياً كفرنسا وبريطانيا من دون
أن تنجح يوماً في أن تكون سبباً لخلافٍ بسيط بينهما، أمرٌ
محيّر يشي بالتقاعس. كما أن نيلها استقلالها من دون أن
يعترض أحد، ما يدعو في ذاته للرثاءِ ـ ومن دون أن يأتي
أحدٌ على ذكرِه!
منذ ذلك الحين وفانواتو مصابةٌ بما يشبه الكدر. ولا أدري
إذا كانت "هيبريدِس الجديدة" عانت من الكَدَر نفسه. المؤكّد
أن فانواتو غارقة في كَدَرِها. وعندي الأدلّة على ما أقول.
لقد شاءت صُدَفُ الحياة أن أتلقّى ذات يوم كتالوغ الفنّ
الأوقياني مهدىً إليّ (لماذا؟) من قبل مؤلّفه، وهو أحد
رعايا فانواتو. لهذا السيّد ذي الاسم المبهم الذي أعجز
الآن عن نسخ حروفه، مأخذ عليّ إذا صدق ظنّي مما فهمته
من عباراته المقتضبة:
إلى آميلي نوثومب
بلى، أعلم، أنت لا تبالين.
توقيع
11/7/2003
حملقتُ بعينين مذهولتين بعباراته. لِمَ يقرّر هذا الشخص
من تلقائه، ومن دون معرفة سابقة، أنّ كتالوغه سيولّد عندي
مثل هذه اللامبالاة الفظّة؟
غالبتُ جهلي المطبق وتصفّحتُ كتاب الصور. من المؤكّد انني
لا أفقه شيئاً مما أراه: ورأيي هو مما لا يُعتدّ به من
بين الآراء قاطبة. غير أن هذا لا يعني أنني لا أملك رأياً
في ما رأيت.
رأيتُ تعاويذ مذهلة من غينيا الجديدة، وأقمشة أنيقة مزركشة
من جزر ساموا، ومراوح يد جميلة من جزر والّيس، ومزهرياتِ
خشبٍ لافتةً من جزر سليمان، وغيرها. ولكن كلّما طالعني
شيء يوحي بالضجر، كنت أعلمُ مسبقاً من دون اللجوء إلى
الشرح المصاحب أنه مشط (أو قناع أو رسم) مصدره فانواتو،
وهو نسخة طبق الأصل عن الأمشاط (أو الأقنعة أو الرسوم)
التي نشاهدها عادةً في تسعة وتسعين في المئة من متاحف
العتقيات البلديّة في العالم أجمع حيث نشقى ونتأفّف لاضطرارنا
إلى التحديقِ إلى ما لا نهاية بأعقابٍ من الصوان أو قلاّدات
من الأسنان التي ارتأى أسلافنا أنّ واجبهم يقضي بأن يملأوا
بها كهوفهم. لطالما بدا لي أن عرض أشياء مماثلة هو ضرب
من ضروب العبث وهو أشبه بحرصِ علماء آثارنا المستقبليين
على عرض ملاعقنا البلاستيك وأطباقنا الكرتون.
بدا الأمر وكأنّ هذا السيّد الذي من فانواتو قد أيقن مسبقاً
أن عاديّات بلده لن تثير إعجابي. والأسوأ من ذلك كلّه
أنّه كان محقّاً في ظنّه. ولعلّ التفصيل الوحيد الذي لم
يتوقّعه هو أنّ هذا الأمر سيثير انتباهي.
بعد التأمّل، لفتني تفصيل في هذا الكتالوغ. إذ بدا لي
أنّ العنصر الزخرفي المتكرّر في الفنّ الأوقياني البدائي
هو الـ 7-7- يام 7-7-: أي الإنيام، صنفٌ من البطاطة الأوقيانية،
والتي هي موضع تقديس فعلي في المعتقدات الغالبة هناك.
والويل لمن يقرأ ما سبق على محمل السخريّة: فإنسان ما
قبل التاريخ عندنا قد رسم هو أيضاً صنوف الأطعمة. وحتّى
في أيامنا هذه ألا تزخر لوحات "الطبيعة الصامتة" بما يؤكل
من نبات وفاكهة؟
وللمحتجّين منكم بالقول: "ولكن ليس البطاطة!" أجيب بأنّ
الناس مشارب وأذواق، ولكل منّا أن يحتفي بما ملكت يداه.
الثابت الوحيد في التصوير الفنّي للأطعمة يكمن في أن الرسّام
(النحّات، المصوّر، وغيرهما) ينتقي من الأطعمة النادرة،
وليس من مأكول كلّ يوم. هكذا أمكن البرهان على أنّ إنسان
"لاسكو" كان غذاؤه يقتصر على لحم الرِنّة ـ ولا أثر لرسم
رِنّة على جدران الكاتدرائيّة الباذخة. فيا لعقوق النفسِ
البشريةّ السرمديّ التي تؤثِر تمجيدَ صعوةَ الحطب والكركند
على تمجيد الخبز الذي به تحيا.
فإذا كان أهل أوقانيا قد أكثروا، بالاختصار، من تصوير
الإنيام فإنما ذلك لأنّ الإنيام كان وليمة أعيادهم لشدّة
ما كان عسيراً عليهم زرع تلك العساقيل. ولو كانت البطاطة
نادرة عندنا لكان أكل هريسة البطاطة ينمّ عن تفاخر.
مع ذلك، لم أجد في الكتالوغ ولو رسماً واحداً لثمرة يام،
أو تصويراً، مهما كان، لصنف من صنوف الطعام مصدره فانواتو.
المؤكّد إذاً أنّ هؤلاء ما كانوا يحلمون بالطعام. فَلِمَ؟
لأنهم لم يجوعوا في يومٍ من الأيام.
ملاحظة أخرى: من بين جزر أوقانيا قاطبةً، كانت غينيا الجديدة
هي أكثرها تصويراً للإنيام وصنوف الطعام. كما كانت الجزيرة
التي بدا لي أن إبداعها الفنّي هو الأغنى والأكثر حيويةً
وابتكاراً ـ ليس فقط في رسومه "الغذائيّة"، بل أيضاً في
بعض الأشياء التي لا تخلو من صنعة حقيقية وفذلكة. فكيف
لا نخلص من ذلك إلى أنّ هؤلاء جاعوا، وأنّ هذا الجوع قد
أيقظ مَلَكاتِهم؟
وقد شاء حُسنُ المصادفات أن ألتقي مؤخراً ثلاثة رجال من
أبناء فانواتو. كان مظهرهم رائعاً، إذ بدوا لي أشبه بثلاث
شجرات باأوباب.
كانت قاماتهم السامقة بطول جذوعها الباسقة، وشعورهم الكثّة
الباذخة، وكذلك، إذا جاز لي القول، نظرتهم: الكابية في
عيونٍ وسيعةٍ ناعسة. وليس في قولي هذا ما يُضيرُ، فالنعاسُ
ليس نقيصة.
وجدتني أثناء مأدبة غداء بصحبة هؤلاء الثلاثة. إلى طاولة
الطعام، كان المدعوون الآخرون يأكلون، أي أنّهم كانوا
يُقبلون على الطعام بشهيّة بادية، وكانوا، تاليا، يلتهمونه
لقمةً تلو الأخرى بوتيرة لا تكلّ.
أمّا أصحابي الثلاثة فكانوا بالكاد يمسّونه ـ لا كما يأنف
الطعامَ كلُّ ناسكٍ من أهل الزهد، بل كما يأنفه كلّ شبعانٍ
لتوّه ومتخم. سأل أحد الحضور ما إذا كانت أطباقهم لا تناسب
أذواقهم: فأجاب أحدهم أنّ الطعام لذيذ جداً.
ـ إذاً لِمَ لا تأكلون؟
ـ لأننا لسنا جائعين.
وكان جلياً أنه صادقٌ في ما يقول.
اقتنع الآخرون بما سمعوه من إجابة. أمّا أنا فقد كنتُ
أبحث عن إجابة شافية.
ـ لِمَ لستم جائعين؟ سألت.
وكان من حقّ أبناء فانواتو أن يشعروا بالإهانة لاضطرارهم
إلى تبرير أنفسهم بهذا الشأن. غير أنّهم لم يشعروا بالإهانة.
فالظاهر أنّ المتبرّع للنطق باسمهم ارتأى أن لا ضير في
الإجابة عن سؤال مماثل: فتنحنح متباطئاً كمن تقعده التخمة
عن بذل أي جهد، ونطق بقوله:
ـ عندنا في فانواتو، الطعام وفير. ولم نضطرّ يوماً إلى
إنتاجه. نمد يدينا الاثنتين فتسقط في إحداهما جوزة هند،
وفي الأخرى قِرطُ موز. نخوّض في مياه البحر لنبترد فتجتمع
من حولنا وبمتناول أيدينا أنواع الأصداف اللذيذة وتوتياء
البحر والسرطانات والأسماك ذات اللحوم الغنيّة. أمّا إذا
جلنا قليلاً في أرجاء الغابة المكتظّة بالطيور نشعر بأنّ
من واجبنا، وكرمى لهذه الطيور نفسها، أن نأخذ من أعشاشها
ما يفيض من بَيْضِها، وأحيانا أن ندقّ عنق مجنّحٍ منها
هي التي لا تكبّد نفسها عناء الفرار منّا. إناث الهَلوفِ
ذوات ضروع مدرارة لأنها، هيأيضاً، تتغذّى بما يفيض عن
حاجتها، وتتوسّل إلينا أن نستخرج من حليبها ما يثقل عليها:
ولا تكفّ عن الزعيق بأعلى صوت إلاّ إذا انصعنا لطلبها.
سَكَت. وبعد برهة من الصمت، أردف قائلاً:
ـ إنّه لأمر فظيع.
وإذ ضاقَ، هو نفسه، بما استرسل في سردِه، خلص إلى القول:
ـ وعلى هذا المنوال، منذ الأزل، تجري الأمور في فانواتو.
وعندئذ راح الرجال الثلاثة يتبادلون فيما بينهم نظرات
تشوبها الغُمّةُ كأنّما يتشاركون من خلالها سرّ تلك الوفرة
الدائمة التي يعجز اللسان عن وصفها، ثمّ لاذوا بصمتِ الحَرَج
كأنهم يقولون لنا: "أنتم لا تدركون من حقيقةِ الأمر شيئاً".
2
انتفاء الجوع مأساةٌ لم يتطرّق إليها أحد من قبل.
على غرار تلك الأمراض اليتيمة التي لا تحظى باهتمام الباحثين،
لا يثير اللاجوع أي قدر من الفضول بشأنه: فيما عدا أهل
فانواتو، لا أحد يصابُ به.
التغذية المفرطة التي نشهدها، عندنا، في الغرب، لا تشبه
حال فانواتو في شيء. إذ يكفي أن ينزل أحدنا إلى الشارع
لكي يصادف أناساً يتضوّرون جوعاً. كما أننا لكي نكسب قوتنا
علينا أن نعمل. الشهيّة عندنا متأصّلة.
ما من شهيّة إلى الطعام في فانواتو. يأكل الناس من قبيل
المراعاة واللباقة، لكي لا تشعر الطبيعة، وهي هناك ربّة
المنزل الوحيدة، بالإهانة. فهي التي تعنى بكلّ شيء: السمط
يُطبخ على حجرٍ ألهبته أشعة الشمس، لا أكثر ولا أقل. وطبعاً
سينضج السمك لذيذ الطعم، ومن دون جهد يُبذل ـ "ليس الأمر
لعبة"، قد يقول واحدنا شاكياً.
لِم يتكبّد المرء مشقّة ابتكار صنوف الحلوى عندما توفّر
له الغابة فاكهةً لذيذة الطعم فاخرةً إذا قارنا بها صنوف
الكعك التي نبتدعها نحنُ لبدَت سوقيّةً وبلا طعم؟ لِمَ
قد نشقى في إعداد أنواع الصلصة عندما يكون طَعمُ عصارة
الصدفيّات ممزوجة بحليب جوز الهند الصلصة التي تجعلَ من
كلّ مزيج نعدّه في مطابخنا أقرب إلى طعمِ المايونيز المنفّر؟
لا نحتاج إلى صنعةٍ لكي نفتح توتياء البحر التي التقطناها
للتوّ ولكي نستلذّ بلحمها النيء. وهذه قمّة الذواقة. أمّا
إذا انتقع بعض ثمار الغوافة في حفرةٍ ما حيث سقطَت عَرَضاً
فإذ ذاكَ يحظى المرء، من دون ان يدري، بشرابٍ مُسكِر.
أمرٌ بسيط.
لقد لَفَتني سلوك هؤلاء الثلاثة الوافدين من مخزن الطعام
الذي يُدعى فانواتو: كانوا ودودينَ، كيِّسين، مهذّبين.
ولم تبدر منهم أي بادرة لؤم أو عداوة: كأننا إزاء أناس
مسالمين للغاية. لكنّ ناظرهم يشعر بأنّ السأمَ مقيمٌ في
نفوسِهم: كأنّهم لا يكترثون لأي شيء. حياتهم لطالما كانت
نزهة متبطّلينَ، متواصلة. يُعوِزها السعيُ.
3
ليس متعذّراً علينا أن نعيّن ما هو نقيض فانواتو: كلّ
الأمكنة الأخرى هي نقيض فانواتو. ذلك أن القاسم المشترك
بين الشعوب قاطبةً هو أنها شهدت المجاعة في فترةٍ ما من
تاريخها. المجاعة تولّد الروابط والصلات. وهي مادّة لحكايات
تُروى.
زعيمة البطون الخاوية من دون منازع هي الصين. فماضيها
سلسلة متّصلة من الكوارث الغذائية أسفرت عن أعداد لا تحصى
من الموتى. وأوّل ما يبادر به صينيّ صينيّاً آخر هو سؤاله:
"هل أكلت؟".
كان على الصينيين أن يعتادوا أكلَ ما لا يؤكَل، لذلك نجد
هذا القدر من الرهافة في فنّ الطبخ لديهم.
هل من حضارةٍ تفوق الحضارة الصينية تألقاً ومهارة؟ الصينيون
اخترعوا كلّ شيء، وفكّروا في كلّ شيء، وفهموا كلّ شيء،
وتجرّأوا على كلّ شيء. والانكباب على دراسة الصين هو انكباب
على دراسة الذكاء مجسّداً.
بلى، لكنّهم غشّوا. كانوا يحقنون أنفسهم بمنشّطٍ غير مشروع:
كانوا جائعين.
لسنا هنا في معرض ترتيب المكانات بين الشعوب. بل على العكس.
نحن هنا بصدد البرهان على أن الجوع هو هويّتها الأسمى.
وبصدد الإعلان لكلّ بلدٍ يُضجرنا بالطابع الفريد المزعوم
لشعبه، بأنّ كلّ أمّة هي معادلة متمحورة حول الجوع.
مفارقة: إذا كانت جزر "هيبريدِس الجديدة" لم تُثِر أية
أطماع حقيقية لدى الغزاة الأجانب، فلأنّ هذا الأرخبيل
لم يكن يعوِزه شيء.
وهذا أمرٌ مستهجَن بعض الشيء لأن التاريخ قد أثبت مراراً
وتكراراً أن أكثر البلدان تعرّضاً للاستعمار كانت أغناها
وأخصبها، إلخ... أجل، لكنّ الملاحظ هنا أن فانواتو ليست
بلداً غنياً: فالثروة هي نتاج عمل، والعملُ هو مفهوم لا
تعرفه فانواتو. أمّا الخصوبة فتفترض أنّ الناس قد زرعوا:
والحال أنّ أحداً لم يزرع شيئاً في "هيبريدِس الجديدة".
إذاً، ما يجذب غزاة الأرض ليس ثراء البلدان في حدّ ذاته،
بل الجهد الذي بذله الناس فيها: أي نتاج الجوع.
للكائن البشريّ قاسمٌ مشتركٌ مع الأجناس الأخرى وهو أنه
يبحث عمّا يشبهه: فحيث يرى صنيع الجوع، يسمع لغته الأمّ،
ويشعر بأنه يحلّ في دياره.
أتخيّل لحظة وصول الغزاة إلى "هيبريدِس الجديدة"؛ فالمؤكّد
ليس فقط أنهم لم يواجهوا بأية مقاومة، بل أيضاً أنّ الأهلين
تصرّفوا حيالهم كأنما لسان حالهم يقول: "جئتم في الوقت
المناسب. ساعدونا في الإجهاز على هذه الوليمة، لقد أتخمنا".
والباقي تكفّلت به الأعراف البشريّة: ما لا يُصان لا يستحقّ
الجهد المبذول لأجله، فلن نشقى في سبيل هذه الجزر المأهولة
بشعبٍ مكتفٍ لم يتكبّد حتّى عناء الدفاع عن نفسه أو تشييد
أي شيء.
مسكينة "هيبريدِس الجديدة"! لا بدّ أن الحكم عليها بمثل
هذه القسوة كان مثار حنقها. وكم كان مهيناً استعمارها
من قبل أناسٍ أبدوا عدم رغبتهم في البقاء فيها!
الفصول الأولى من رواية "بيوغرافيا الجوع" لأملي نوثومب
التي تصدر خلال أيام في ترجمة لبسام حجار عن دار نشر المركز
الثقافي العربي بيروت ـ دار البيضاء.
ترجمة: بسّام حجّار