حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مراسلات أم وثائق تاريخية

ملوك وأدباء وماركيزات وراء الكواليس

رسائل ماري أنطوانيت وثيقة تاريخية نشرت المؤرخة الفرنسية (إيفيلين لوفيه) أواخر شهر تشرين الأول لعام 2005 رسائل آخر ملكات فرنسا "ماري أنطوانيت عند دار: تالينريه" الباريسية... وهي المرة الأولى التي تظهر فيها تلك الكتابات إلى العلن بعد أن فرض عليها أرشيف فيينا حظراً حتى هذا العام... ويحتوي الأرشيف النمساوي على 700 رسالة، تشكل شهادات موثوقة ناطقة باسم خاتمة ملكات فيرساي... و"لوفيه" صاحبة سيرتين ذاتيتين: الأولى تناولت حياة "ماري أنطوانيت"، والثانية مسيرة المركيزة "دوبومبادرو" راعية الأدباء والفنانين في عصرها، ومحظية ملك فرنسا لويس الخامس عشر...

عاشت الأخيرة بين الأعوام 1721 و1764... وتؤكد "رسائل ماري أنطوانيت" (1755 و1733) أنها اكتسبت عداوة الشعب الفرنسي لها نتيجة معاداتها الإصلاحات الاجتماعية، ودفعها "لويس السادس عشر" زوجها وملك فرنسا الجديد لمعارضة الثورة الشعبية التي اندلعت يومئذٍ... ويظهر التناقض في شخصيتها من خلال رسائلها تلك... فإلى جانب كونها امرأة سطحية الثقافة لم تتلق "ماري أنطوانيت" تعليماً يتناسب ومركزها الاجتماعي...

وتكشف تلك الرسائل غيرتها على لقبها ومكانتها في شجرة آل هابسبورغ... فوقوعها في شباك البلاط الفرنسي القديم، إضافة لخضوعها لمؤامرة قريبها "لويس الخامس عشر،" وعشيقته الكونتيسة "دوباري" التي على غرارها وضعت المقصلة حداً لحياتهما عام 1733... تتعرض رسائل "ماري أنطوانيت" للعلاقات الدبلوماسية الفرنكونمساوية ولتصعيد تحركات الثورة الفرنسية التي رفضت الملكة الاعتراف بوجودها... وتتوقف مضامين رسائلها عند تقاليد بلاط لويس الخامس عشر، وعند زوار حاشيته من أدباء ومفكرين... وتزدحم تلك الكتابات بالتفاصيل عندما يصل الرد عليها من والدة الملكة: الإمبراطورة "ماري تيريز"... وتتناول علاقات التحالف بين فرنسا والنمسا من خلال زواج "ماري أنطوانيت" من وريث عرش "فيرساي"... و.... وبعد الثورة الفرنسية تصبح مدلولات تلك الرسائل أكثر عمقاً... فها هي "ماري أنطوانيت" أمام حدث لم تتوقعه، ولا تفهم أبعاده: "الثورة"... لكنها مع ذلك تبدأ الكيل بمكيالين، واللعب على حبلين: تدعم في الخفاء الملكيين الذين يساندوها خوفاً من شقيقها ملك النمسا وذلك أمام البلاطات الأوروبية...، وتؤيد في العلن جماعة الإصلاح من خلال سعيها لكسب ودّهم... لتظهر في رسائلها الدبلوماسية ازدواجية المعايير: الملك من جهة، والجمعية العمومية من جهة أخرى...

فرنسا وبلاط فيرساي في كفة، وتوجيهات والدتها إمبراطورة النمسا في الكفة الثانية... تدفع شقيقها "ليوبولد" إمبراطور النمسا القادم لإعلان الحرب على فرنسا الثائرة والسائرة إلى الجمهورية... فتخسر "النمساوية" كما دعاها الشارع والشعب الفرنسي كل شيء... لتأخذ رسالتها الأخيرة الموجهة إلى شقيقة زوجها "لويس السادس عشر" وتدعى "مدام إليزابيت". ودوّنتها صباح سوقها إلى المقصلة يوم 16/10/1793 ـ طابعاً مأساوياً حين كتبت لها الكلمات التالية: لقد صدر الحكم بحقي: "الموت لكن ليس بطريقة تدعو للخجل لأن ذلك لا يليق إلا بالمحرمين وإنما بدعوتي للقاء شقيقك" (وسبقها إلى المشنقة)...

فيتوريا كولونا: شاعرة عصر النهضة... إنها مركيزة "بيسكارة"... المدينة الإيطالية الحالمة على ضفاف بحر الأدرياتيكي وتعتبر اليوم منتجعاً سياحياً متقدماً في تلك البقاع.... تدعى "فيتوريا كولونا" (1490-1547)، وتشكل مراسلاتها مرآة للمجتمع الأوروبي خلال القرن السادس عشر... تسلِّط تلك المراسلات الأضواء على تاريخ حقبة عامة من عصر النهضة الأوروبية... ولا تنتمي "كولونا" إلى طبقة النبلاء فحسب، وإنما هي شاعرة من الطراز الرفيع في عصر النهضة الإيطالية... تميزت بطباعة رسائلها في "البندقية"، بينما لا تزال عملية ظهور مراسلاتها حتى بُعيد وفاتها عندما عمدَ "بيرآروتان" ـ وهو أديب إيطالي ساخر ولد في آزيرو عام 1492 وتوفي في 1556 ـ إلى نشر ثلاث رسائل بعثتها "فيتوريا كولونا" عام 1551 لصديقها "آروتان" قبل أن ترسل مجموعة أخرى إلى الكاردينال "بيترو بيمبو"، وهو مؤرخ البابا "ليون العاشر" وصاحب كتاب "تاريخ البندقية"، ويمسح المستجدات على الساحة الاجتماعية في تلك المدينة بين عامي 1487 و1537... ولم تتمكن دور النشر الإيطالية من جمع تلك الرسائل إلا في نهاية القرن التاسع عشر للمرة الأولى، واليوم للمرة الثانية... وربما يعود السبب في هذا التأخير إلى علاقات الشاعرة الإيطالية بعدد من الإصلاحيين من مفكرين وأدباء أثاروا غضب رجالات الكثلكة ضدهم...

ألم تتبادل "المركيزة كولونا" الرسائل مع كل من "مايكل أنجلو" الفنان الذائع الصيت، وكان من المغضوب عليهم في فترة من حياته... و"شارل كانت" ملك أسبانيا وألمانيا والنمسا وبلاد الغلاندر... ومع الكرادلة: "جيلبرتي"... و"بولو"... و"كونتاريني"... و"بيمبو"... و"تاسو" المؤيدين للإصلاحات في الكنيسة والمجتمع على حد سواء؟! من هنا تأتي مكانة مراسلات "كولونا" المدججة بالمرافعات الفلسفية والمداخلات الأدبية والمواقف التاريخية لكبار المسؤولين في عصرها... مراسلات صنّفت كمصدر لمعلومات ظلّت مجهولة حول مرحلة الإصلاحات الإيطالية وسيطرة تيار "شارل كانت" على الحياة الفكرية لقرن مليء بالتحوّلات والمتغيرات على الصُعد كافة... مراسلات "ريلكه" النسائية... تتوزع مراسلات الأديب والشاعر النمساوي "رينيه ماريا ريلكه" (1875-1926) في مجموعات تمتد بين عامي 1892 و1926... ظهرت مختارات منها في "زيوريخ" عام 1950 في جزئين... ، وتنقسم تلك المراسلات إلى رسائله المتبادلة مع نساء أحبّهن، وارتبط بهن عاطفياً... كمراسلته لخطيبته "كلارا ويستوف". وبدأت أواخر عام 1900 لتستمر حتى وفاته... وكان الشاعر النمساوي قد انفصل عن "كلارا" التي أصبحت زوجته، لكنهما تابعا تبادل الرسائل الأدبية مما جعل تلك الكتابات وثيقة لمعرفة التطور الفكري لـ"ريكله"...

فزوجته "كلارا" فنانة تشكيلية، تحترف النحت..، وشاطرت مشاعر زوجها الفنية الذي لم يبخل عليها بأروع قصائده خلال إقامته في باريس... وفي عاصمة الأنوار قام "ريلكه" بزيارة مرسم "رودان" النحات الفرنسي الذائع الصيت آنذاك، ونقل انطباعاته حول الزيارات المتكررة تلك، حيث التقى بضيوف وزملاء "رودان" إلى "كلارا" في رسائل عدّة... أجملها رسالته الخاصة بالرسام الفرنسي "بول سيزان" ـ وتحتفل الأوساط الثقافية الفنية العام القادم بمئوية وفاته سنة 1906، وهو صاحب مدرسة انطباعية خاصة والقائل بأن التفكير يعمل على تغيير رؤية الفنان... وكتب رسالته تلك في تشرين الأول عام 1907... ثم جاءت مراسلته لصديقته "لوندارياس صالومي" عام 1903 التي يعود إليها الفضل كما كتب الشاعر النمساوي في انصرافه إلى الثقافة الروسية... وكانت رحلته إلى روما في العام المذكور وراء تسجيله رسائل تنضوي تحت عنوان: "أدب الرحلات"... وفي مراسلاته مع "لو صالومي" قرأ النقاد آراء "ريلكه" الأدبية ومشاريعه المستقبلية بالنسبة لقرضه الشعر...

تلت تلك المرحلة رسائله مع الأميرة "ماري دو تورن" التي قدمت لـه الرعاية المادية والمعنوية... ونشرت تلك الأعمال في مجلدين في زيوريخ عام 1951، ولأن الأميرة امرأة مثقفة ازدحمت في رسائل الشاعر النمساوي انطباعاته حول كتابات عدد من أدباء عصره إلى جانب عرفانه للجميل تجاه "دوتورن" التي استضافته في قصرها "دينو"... كذلك الأمر بالنسبة لمراسلاته مع "ميرلين" السيدة "بالادين كلسوفسكا"، وتعتبر رواية حب حقيقي... نشرت تحت عنوان: "رسائل فرنسية لـ"ميرلين" قبل نصف قرن من الآن... ودوّنت تلك الرسائل الغرامية باللغة الفرنسية تتخللها مقاطع من نثره الشاعري... وتكاد رسائل الحب التي كتبها "ريلكه" لا تنقطع خلال حياته الأدبية على غرار مراسلته لعازفة البيانو النمساوية: "بينغنوتا" وهو الاسم المستعار للفنانة الشابة: "ماجدة فون هتنفبرغ"... وظهرت في مجلد تحت عنوان: "ريلكه وبينفنوتا"...

كذلك الأمر بالنسبة لصداقته مع "كليرغول" ونشرت تلك الرسائل في كتاب: "ريلكه والنساء" عام 1955، أمَّا هيامه بفاتنة الأدرياتيكي "ميمي روما نيللي" فحمل عنوان: "رسائل إلى صديقة من البندقية"، وطبعت عام 1941... وكشفت مراسالاته مع "البارونة لاسكافون أوسترين" علاقة روحية أملتها ظروفه الخاصة يومئذٍ...

ونشرت تلك المجموعة عام 1945... وتعتبر كتاباته الموجهة للأديبة التركية "نعمت علوي بيك" من الرسائل الوجدانية، وظهرت تحت عنوان: "آخر صداقات ريلكه" عام 1949، وتختلف مراسلاته مع الشاعرة "ايريكا ميتيرير" التي طبعت عام 1950 عن رسائله التي سجلها للكونتيسة "مارغو سيزو" في العام المذكور من حيث مضامينها وأسلوبها الرومانسي المدجج بعاطفة جياشة بالنسبة للأولى ومن تعابير بروتوكولية بالنسبة للثانية. هذا على صعيد كتاباته المرتبطة بالنساء أمَّا مراسلاته الموجهة لأنداده وزملائه من الأدباء فتحتلّ مكانة خاصة في مجال النقد...

فمراسلاته مع "فرانز كابوس" تتبوأ مرتبة الشرف، ويكشف "ريلكه" فوق صفحاتها مفهومه للشعر...، وينصح "رينيه ماريا" صديقه الشاعر "كابوس" احتقار المجد والابتعاد عن الجمهور العريض والشهرة والانصراف إلى تلبية الحاجة الداخلية لغرض القصيد... ومن عالم اللاوعي تنطلق ملكة الشعر، وليس من النظريات الأدبية التي يروّج لها النقاد....

وتحمل هذه المجموعة عنوان: "رسائل إلى شاعر شاب"... كذلك تبادل الشاعر النمساوي عشرات الرسائل مع ناشره "أنطون كينبرغ" الذي دعم "ريلكه" مالياً اعتباراً من عام 1906، عندما وقع هذا الأخير في ضائقة مالية نتيجة المرض... وسرعان ما تحول "أنطون" إلى كاتم أسرار شاعره ومستشاره الخاص... يطلعه "ريلكه" على أوضاعه الصحية، ومواعيد نشره مؤلفاته وقراءاته، وإعجابه بـ"غوتيه" و"كلايست" و"فاليري" و"بروست"... ترافقت تلك الحقبة مع تفعيل مراسلاته مع "كاترينا كينبربرغ" كاتبة سيرته الذاتية بين عامي 1910 و1996... وتظهر تلك الكتابات مواقف "ريلكه" من الحرب العالمية الأولى، وعمّا أسفرت عنه من نتائج، وعن الانطباعات التي خلفتها الثورة الروسية في أعماقه... أمَّا تعليقاته على الحركة الفاشية الناهضة في إيطاليا، فقد استحوذت على مجمل مراسلاته مع الكونتيسة "اوريليا سيتا ديلك فيفودازيري" تحت عنوان: "رسائل ميلانو" (1921-1926)... ويبدو من خلالها تعاطف الشاعر النمساوي مع الفاشية... هذا بالإضافة إلى رسائله الخاصة بأسرة "فيشر" (ط1947)، ورسائله إلى "يونغ هانزوزيمرمان" وطبعتها مؤسسة "أصدقاء الكتاب أولفنر" 1945...

ورسائله إلى الناشر "كورت وولف" ونشرتها جامعة "ييل" 1950... وهناك أيضاً مجموعة ثالثة من الرسائل دوّنت باللغة الفرنسية، وتتوجه للنحّات الفرنسي الواقعي "أوغست رودان" (1840-1917) وامتدّت بين عامي 1928 و1931... ومراسلاته مع "أندريه جيد" (1869-1951) الأديب الفرنسي الذي حصد جائزة نوبل عام 1947، واستمرّت خلال السنوات 1909 و1926... وتتناول متابعات "ريلكه" لما يجري على الساحتين الثقافيتين النمساوية والفرنسية وتعليقاته النقدية على مؤلفات عدّة نزلت إلى المكتبات آنذاك..

 

هدى أنتيبا / كاتبة ومترجمة من سوريا



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri