في
روايتها نصف شمس صفراء..
النيجيرية جيماماندا أديشي بين الولاء والخداع
هل نحن جاهزون لرواية
عن أمة منهارة تمزقها النزاعات الدينية والخصومات الدموية التي
تهيمن على المرافق العسكرية والمدنية والنفط؛ رواية عن السلب
والنهب والعبوات الناسفة على جانب الطريق والقتل والانتقام المشتغلة
خلف ستارة القوى الأجنبية المتطفلة؟ رواية فيها شعوب عديدة مستعمرة
سابقاً تغضب بسبب الحدود القومية التافهة التي تجمعهم معاً وفيها
مواطنون متروكون على قارعة الطرقات المخيفة ويجب عليهم الاختيار
بين الفيدرالية المتفجرة والتقسيم المضطرب.
إن رواية "نصف شمس صفراء" لـ" جيماماندا نغوزي
أديشي" (مواليد 1977 – نيجيريا) تقع أحداثها في غابات جنوب
شرق نيجيريا قبل 40 سنة مضت.
إذا كانت نيجيريا عند
استقلالها عام 1960 " مجموعة من الأجزاء في حالة تشابك
هش" فإنه في عام 1967 تفكك هذا التشابك فاندلعت الحرب البيافرية
التي استمرت ثلاث سنوات وأظهرت القوات التي يسيطر عليها المسلمون
من الشمال تفرض الحصار على أيبو المسيحية من الشمال والتي حاولت
الانفصال عن نيجيريا بعد المذبحة الكبيرة بحق سكانها.
في السياق التاريخي الغريب
والمخيف فإن رواية " نصف شمس صفراء" تجل ذاكرة حرب
منسية كثيراً خارج نيجيريا، عدا كونها مرادفة للمجاعة، وعلى
الرغم من أنها تستعمل التاريخ لإضفاء الفعالية على الحاضر فإن
" أديشي" هي حكواتية وليست صليبية.
تركز الرواية على أختين
توأمين، (أولانا) و(كاينينا)، وهما عضوان في نخبة "إيبو"
متباينتان في المزاج والبدن و تكافحان من أجل الولاء المشترك
المتبادل الذي يتعارض مع الارتياب والخداع. تنجذب التوأمان أيضاً
نحو رجال مختلفين جداً: تصبح "أولانا" خليلة "
اوديجنبو" وهو مثقف ذو نزعات خيرة،يؤيد الاتحاد الأفريقي،
ويدرّس في جامعة أقليمية بينما تقع " كايننا" في حب
"ريتشارد" وهو رجل إنكليزي خجل أخرق لكنه ذو مبادئ
يتولى قضية بيافرا. إشاعات الحرب والنزاع بأكمله حينئذ تلقي
بعالم الشخصيات الأربع الثري في الفوضى وبتواز مع العالم المختلف
جداً لـ " أجوو" وهو عامل التنظيف لدى " اوديجنبو"
" الذي ينحدر من قرية ريفية فقيرة. أحياناً تكون كتابة
" أيديشي" مباشرة جداً وخطى الرواية بطيئة جداً.
لكن ما أن تشتغل على ثيمتيها
المفضلتين – الولاء والخداع – حتى يصبح نثرها مفعما بالحيوية،
ومثلها مثل نادين غورديمير فهي ترغب في وضع شخصياتها على مفترق
الطرق حيث الولاءات الشخصية والعامة مهددة بالصدام. إن كلاً
من رواية إيديشي " شمس نصف صفراء" وروايتها الأولى
" الخبيزة القرمزية" (التي فازت بجائزة كتاب الكومنولث)
تتحريان الهوة بين الأداء العام للأبطال الذكور وتهربهم من المسؤوليات
الشخصية وكلتا الروايتين تفحصان النساء بعمق - الزوجات و البنات
اللاتي تركن معلقات في تلك الهوة.
متى يتدفق الولاء من
الحب ومتى يتدفق من المحنة المشتركة أو الميراث؟ إن رواية "
نصف شمس صفراء" تتحرى هذه الأسئلة من خلال علاقة التوأمين
القلقة ومثل شعوب "نيجيريا" ما بعد الكولونيالية فإن
حياتيهما مرتبطتان بصورة لا إرادية إنهما مع أمتهما عليهما أن
تختارا ما بين الوحدة العنيدة والانفصال الكارثي.
إن حرب بيافرا ألقت بظلها
الكثيف على الخيال الأدبي في نيجيريا وحركت تقريباً كل الكتاب
النيجيريين البارزين من "تشنوا آشبي" و "وول
سوينكا" إلى "كرستوفر أوكيبو" و"فلورا نوابا"
و "يوجي أميشيتاوا" و" كن سارو وايوا".
إن " أديشي" التي ولدت قبل الحرب تنتمي إلى جيل جديد
من الكتاب الشباب النيجيريين الموهوبين : هيلين هابيلا، أوزونديما
آيويلا، هيلين أوييمي وكريس أباني (التي تعد روايته " أرض
الشرف" من أفضل الروايات الميتروبوليتانية لعصرنا وهي تدور
عن ممثل لشخصية "الفس" في قطاع المدينة الرث".
إن "أديشي"
لم تعايش الحرب الأهلية التي شكلت خيالها بصورة عميقة. و بعض
من أفراد عائلتها من "الأيبو" نجوا من حرب "بيافرا".
حتى شخصياتها الأشد احتراماً
لديها عيوب إنسانية. تفهم أيديشي أن الروايات، وبالاخص كل روايات
الحرب، لا يمكن بسهولة أن تنجو من الاندفاع نحو الحكم. لهذا
فهي تأخذنا في داخل عقل فتاة بار تغتصبها عصابة وجندي مراهق.
وبعد أن نفهم عميقاً نجد " كتلة صلبة من الخوف" داخله
في "القسوة الكارثة لهذا العالم الجديد" وهي القسوة
التي يصبح فيها معقداً بصورة متعلقة بالنمو. تتحدث رواية "نصف
شمس صفراء" من خلال التاريخ عن عصرنا المجهد بالحرب ليس
من خلال القياس التجريدي بل من خلال طاقة التفاصيل المتحركة
والمخيفة أحياناً- لاجئ يفرّ إلى الشمال بالقطار حاملاً في وعاء
فيه رأس ابنته بجدائلها الرقيقة. أطفال جوعى في معسكرات اللاجئين
يجدون أنفسهم غير قادرين على الإمساك بالسحلية. صبي جندي يلقب
بـ" محطم الهدف" يستعمل كلمات مثل نار العدو و "
اهجم على المقرات الرئيسة" ببرود غير مبال إذ يقول بصرخة
ملفقة :" بطن الفتاة بدأ بالانتفاخ وتتساءل أمها:"
هل هي حامل أم تعاني من سوء التغذية؟".
تأخذنا رواية "
نصف شمس صفراء" في داخل الحياة العادية لأناس دمرها الانحلال
كما دمر الأمة. حين يدخل أحد معارف "أولانا" إلى إحدى
مخيمات اللاجئين يلاحظ بأنه " كان أضعف وأكثر هزالاً مما
كان يتذكره وبدا وكأنه ينشطر إلى نصفين لو جلس على نحو مفاجئ".
إنه قياس لمهارة "أيديشي" على وصف الاشياء الصغيرة
والفوضى التي يعيشها العالم إذ نرى ذلك الانسان وهو ينتقل من
بلد إلى آخر مراراً وتكراراً..
- روب نيكسون -
ترجمة: نجاح الجبيلي