حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر
الصفحة الرئيسية | تحديث | طباعة | إضافة إلى المفضلة | دفتر الزوار


لينا لاندر

لينا لاندر في «بيت الفراشات السوداء»:
أكتب عن اليتم والأيتام كي أقاوم الألم والقسوة

شهد الأدب الفنلندي في السنين العشرين الأخيرة ازدهارا وانتشارا واسعا تخطى الحدود القومية, وانتقل إلى الكثير من لغات العالم, ومع ذلك فإن معرفة القارئ العربي برموز هذا الأدب وأسمائه اللامعة ماتزال محدودة جدا, وهي ربما لا تتعدى في أحسن الأحوال الإطلال على بعض ملامح تجربة الشاعر بوكاربلان والقاص ايسا ساريولا, وفرانز إيميل سيلانيا الحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 1939, وهو الأمر الذي جعل من صدور رواية «بيت الفراشات السوداء» للكاتبة لينا لاندر باللغة العربية سابقة من نوعها, أولا لأنها الرواية الأولى التي تُرجمت عن الفنلندية مباشرة وليس عن لغات أخرى, وثانيا لأنها نص أدبي مميز يدخلنا إلى تجربة هامة من تجارب الكتابة النسوية على المستوى العالمي.

لينا لاندر كاتبة فنلندية من مواليد العام 1955, درست العلوم الإنسانية, والتحقت للعمل بجريدة «أخبار توركو» منذ العام 1989, وما زالت تعمل هناك وروايتها «بيت الفراشات السوداء» التي صدرت أخيراً عن دار قدمس بدمشق ضمن سلسلة ولادة وبالتعاون مع برنامج التبادل الأدبي الفنلندي, كانت الرواية قد ظهرت في فنلندة العام 1991, وهي الرواية السابعة للمؤلفة في قائمة رواياتها العشر, وقد تُرجمت إلى عشر لغات مختلفة, ورُشحت لنيل جائزة فنلنديا للآداب.
أما مترجمة هذه الرواية مارية الهلالي فهي مغربية الأصل من مواليد 1977, درست الأدب الإنكليزي في جامعة محمد الأول, وترجمت كتابين عن الإنكليزية قبل أن تختار العاصمة الفنلندية مقرا لإقامتها وعملها, وقد قامت بإنجاز أول قاموس عربي فنلندي تم صدوره اخيرا.
في روايتها تأخذنا الكاتبة لاندر إلى مجاهل عالم مليء بالوحشة والبؤس, تُدخلنا إلى جزيرة نائية ومعزولة عن العالم, وإلى مأوى لإصلاح الأطفال والأحداث الجانحين والمشردين, تجول بنا ما بين مدير قاس ومتسلط وبين حيوات ومعاناة هؤلاء المحرومين من الحب والحنان, تفعل ذلك عبر شخصية يوهاني يوهانسن حين تبدأ ذاكرته باستعادة تفاصيل دخوله إلى ذلك المأوى وتفاصيل حياته فيه بعد أن تخلى عنه والداه الفاسدان, وعبر تداخل الماضي بالحاضر واختلاط الذكريات بالوقائع والأخيلة وتقنية الرسائل والوثائق تتخلّق الشخصيات الأخرى, ترسم صورا متشابكة للرذيلة والحب والأخلاق والرغبة في مقاومة الشر.
وحين تكتب لينا وترسم ملامح شخوصها فهي تفعل ذلك أصلا كي تثير الأسئلة الشائكة على قارئها, فمن خلال شخصية الطفل يوهاني اليتيم تثير العديد من الأسئلة التي تتعلق بقيمة وجودنا وأفعالنا كبشر في ظل غياب العدالة وتكافؤ الفرص من الحياة؟ ومن خلال شخصية المدير الصارم تطرح سؤالها إن كانت الرغبة في الإصلاح والنوايا الطيبة تبرر الاستبداد والتسلط؟ وعبر شخصية زوجة المدير التي تقع في حب أحد فتيان المأوى تفتح الكاتبة صفحاتها على الشهوة الجامحة التي تعيد صياغة مفاهيم الخطيئة والإثم والرغبة الجارحة, وحين تكتب لينا تتكشف خصوصيات لغتها الماثلة بالإيجاز والصور البليغة القادرة على الوصول إلى الجوهري والحقيقي في الحياة.
أُعلن عن صدور رواية «بيت الفراشات السوداء» باللغة العربية في حفل استقبال نظمته السفارة الفنلندية بدمشق يوم الخامس والعشرين من تشرين الأول بحضور مؤلفة الرواية والمترجمة, وعلى هامش هذه المناسبة التقينا الأديبة لينا لاندر, وسألناها بداية عن المؤثرات التي دفعتها لخوض تجربة الكتابة الروائية عموما, وولوج عالم الأطفال الجانحين بشكل خاص؟ فقالت:
­ بشكل عام نحن الفنلنديين شعب يقرأ ويكتب كثيرا, وقد نكون من أكثر البلدان اهتماما بهذا المجال, وبشكل خاص فقد عشت طفولتي في مركز تربوي للأطفال الجانحين, ولم يكن هناك ما أفعله غير القراءة, وكان ذلك المركز مخصصا للأطفال الذكور فقط, وقد سكنت فيه لان أبي كان يعمل هناك, والمركز كان مغلقا على هؤلاء الجانحين, ولم يكن لدي ما أفعله سوى أن أخترع قصصا وأحكيها لأخوتي, ومن خلال ذلك تعلمت أن أرتب العالم في حكايا وقصص, وكانت تلك طريقتي التي ابتكرتها للعيش في ذلك المكان ومقاومة القسوة.
واستطردت لاندر بعد زفرة حزينة: إن متابعة المصير المحتوم لأولئك الأطفال الذين كانوا يعاملون بقسوة مبالغ فيها, ويفتقدون للحب والحنان, جعلني منذ طفولتي أفكر في ما إذا كان هذا العالم المملوء بالقسوة مكاناً جديراً لأن يعيش الإنسان فيه؟ وهل هناك إمكانية فعلية لتغيير شروط الحياة غير العادلة, هل هناك من أمل؟
€ وهل توصلت إلى إجابة عن هذه الأسئلة المريرة؟
­ حتى الآن مازلت أبحث في هذه الأسئلة, وأتقصى فيها, وهذا ما يجعلني أكتب روايات جديدة, وفي الحالات التي أكون فيها متشائمة أرى أشياء غير عادلة في المحيط الذي أعيش فيه وأشعر باليأس, ولكن الهدف من الأدب في نهاية المطاف, هو أن نعطي الأمل للقارئ, والحياة بكل وجوهها المختلفة تستحق أن تعاش, وكل الروايات التي كتبتها تحكي عن الشقاء والبؤس الإنساني والظروف الصعبة التي يعيشها الإنسان, ولكن في الوقت نفسه كنت دائما أحاول في نهاية النفق المظلم أن أجد بصيص ضوء, أن أختلق أمل ما.
€ وماذا تقولين في تجربتك الروائية؟
­ حتى اليوم كتبت عشر روايات, ورواياتي الأولى كانت تاريخية, لكني أعترف أنها لم تكن بالقدر الكافي من العمق, وكان الهدف منها الترويح عن الآخر, فقط كتبتها في ظروف معيشية قاسية, وتحت ضغط الحاجات المادية اليومية, ولكن مع روايتي «بيت الفراشات السوداء» وهي الرواية السابعة لي, وهي أول رواية استندت فيها إلى تجربتي الشخصية, وغيّرت مصيري بشكل هائل, فقد حولتني إلى روائية تناضل من أجل فكرة معينة, ورواياتي التي كتبتها بعد هذه الرواية تتابع القصة ذاتها في نفس المدرسة التي هي بمثابة سجن, تتابع وجوهاً أخرى من حيوات هؤلاء الأطفال الجانحين, من خلال أجيال ومراحل مختلفة, تغوص أكثر في حياة هريولا التي استلهمتها أصلا من شخصية والدي.
عموما أنا أكتب كثيرا عن اليتم, وعن أناس أيتام يبحثون عن ملجأ آمن, ويصرخون أعطونا حبا وحنانا, أكتب عن مواضع الألم في سيرة هؤلاء, وحين أكتب عن الألم أشعر أنني أقاومه.
€ وما هي الحدود الفاصلة ما بين الواقع والخيال في تركيب شخوص الرواية؟
­ الأدب عموما يقوم على الخيال مع أنه يستلهم الواقع في جزء منه, وكذلك الأمر بالنسبة لشخوصي, ففي كل شخصية منها ثمة جانب حقيقي, لكن الخيال بلوره وصقله, وكما ذكرت فإن شخصية هاريولا تشبه إلى حد كبير شخصية والدي, لكن شخصية زوجته تختلف تماما عن شخصية والدتي, لأنها كانت امرأة متدينة, ولا يمكن أبدا ان تختلط مع أولئك الأولاد, وان تأتي بالآثام التي صورتها الرواية, أما بالنسبة ليوهاني فهي شخصية تتراكب فيها الكثير من الخصال المشتركة, كما تجمع إليها شخصية أخ زوجي, الذي قُتل في سن مبكرة, وقد اهديت هذه الرواية لروحه.
€ ما هو سبب استخدامك لصيغة الرسائل والوثائق في بداية الرواية ونهايتها؟
­ على الكاتب دوما أن يبحث ويتقصى عن الحقائق, وصيغة الوثيقة التي اعتمدتها في الرواية هي بالأصل وثائق حقيقية استخرجتها من الدوائر الرسمية, وقمت بتغيير الأسماء والتواريخ فقط بما ينسجم مع العمل الروائي, وهي وثائق تخص جنحاً قام بها أطفال وفتيان, منهم من ينتمي إلى أسر فقيرة, وبعضهم ينتمي إلى أسر غنية, وهناك بعض الأطفال الذين لم يفعلوا أي جنحة أو إثم غير أنهم كانوا ينتمون إلى أسر مفككة وأبوين فاسدين.
€ كيف تشعرين إزاء صدور إحدى رواياتك بالعربية؟
­ ما كنت سوف أكون في سوريا وأشعر بهذه الغبطة, لولا هذه المترجمة الرائعة €مارية الهلالي€ التي أتاحت للقارئ العربي أن يتعرف على جزء من نتاجي الأدبي, وأعتقد أنها خطوة هامة لبداية مد جسور حوار بين الثقافتين العربية والفنلندية, ومن جهتي فأنا أهتم بالمنطقة العربية وبالثقافة العربية وبمدى إسهام المرأة في الحياة العامة.
€ وماذا عن المرأة الفنلندية, وهل تطرقّت لواقعها في إحدى رواياتك؟
­ حصلت المرأة الفنلندية على حق الانتخاب منذ العام 1906 وكانت بذلك الأولى من بين النساء الأوروبيات التي تحصل على هذا الحق, وفي روايتي «الأمر» التي صدرت بعد «بيت الفراشات السوداء» تناولت واقع المرأة المناضلة من خلال تناول أحداث الحرب الأهلية الفنلندية بين الحمر والبيض التي جرت في العام 1918 وامتدت لعدة شهور.
€ عفوا للمقاطعة, هل تقصدين بالحمر اليساريين؟
­ كان الحمر من الطبقات الكادحة والفقيرة, ومن أولئك الذين يحملون ميولا يسارية من دون أن يكونوا منخرطين في أحزاب سياسية, وكان البيض من الطبقات الأخرى, لكن المهم في هذه الأحداث التي انتصر فيها البيض هو إسهام النساء في صفوف الحمر, وأن البيض المنتصرين في نهاية المعركة, لقنوا الحمر درسا قاسيا للغاية, فقتلوا أربعين ألف شخصا, وهو رقم خيالي بالنسبة الى تعداد سكان فنلندة €حاليا خمسة ملايين نسمة€ وأكبر نصيب من تلك المذابح كانت من نصيب المقاتلات الحمر, فكن ضحايا مرتين, مرة حين قٌتلن, ومرة أخرى لأنهن أنجبن الرجال الذين قضوا في تلك الأحداث.
€ ما هو أثر تجربتك الصحفية الطويلة في نتاجك الصحفي؟
­ العمل الصحفي علمني الكثير, ففي عدد محدود جدا من الصفحات على الصحفي أن يقول الكثير, ويقدم كما كبيرا من المعلومات, وكانت التجربة الصحفية بالنسبة إلي بمثابة مدرسة للكتابة جعلتني أكتب بطريقة مختزلة, تصل مباشرة إلى صميم الموضوع.
€ هل حدث وقرأت شيئا من الأدب العربي, وما هو انطباعك؟
­ قرأت من الأدب العربي الشعر, قرأت مجموعات كاملة مترجمة إلى الإنكليزية, ومجموعة شعرية كانت مترجمة إلى الفنلندية, وقد لا أستطيع الآن أن أتذكر أسماء الشعراء والأعمال الشعرية التي قرأتها, لكنني أذكر جيدا أنني قرأت في هذا الشعر تعابير عن الحب كانت من أجمل وأرق التعابير التي قرأتها في حياتي, وأعتقد أن التعبير عن الحب من أكثر الأحاسيس البشرية سمواً, وهو القوة الأولى المحرّكة في هذه الحياة.

 

حاورتها: تهامة الجندي



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.