حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر
الصفحة الرئيسية | تحديث | طباعة | إضافة إلى المفضلة | دفتر الزوار

أغاثا كريستي..
سيرة للمؤلفة الأوسع انتشارا في العالم

بين عام 1920، حينما نشرت أول أعمالها (العلاقة الغامضة في منزل ستايلز) وهي في الثلاثين من عمرها، ووفاتها في 1976، نشرت اغاثا كريستي 71 قصة ورواية تدور موضوعاتها حول الجريمة الغامضة. إضافة إلى ذلك فقد أصدرت خمس مجاميع قصص قصيرة، كتابي شعر، عدد من المسرحيات الناجحة وبعض السير الذاتية؛ كانت خمس روايات من التي كتبتها كريستي لا علاقة لها بالجريمة ظهرت تحت اسم مستعار هو: ماري ويستماكوت. كان يصدر لها العديد من الكتب في سنوات متقاربة أحيانا؛ بين 1939 و 1946 على سبيل المثال أصدرت 19 كتابا. وخلال سنة 1950 بلغت مبيعات كتبها 50 مليون نسخة، وما زالت تعتبر حتى يومنا هذا المؤلفة التي تحقق كتبها اكثر المبيعات في أنحاء العالم. يبدو من المعقول الآن ان يتسائل المرء عن السبب الذي يكمن وراء هذه الظاهرة الفريدة.

لقد أتيح للكاتبة لورا ثومبسون المجال للوصول إلى كمية من الرسائل التي لم تنشر سابقا لاجاثا كريستي، إضافة إلى أكداس من الصحف ودفاتر ملاحظات محفوظة في منزل غرينواي في ضواحي ديفون الذي اشترته كريستي في 1938 وبعدها حولته إلى وديعة عائلية لتفادي الضرائب. واكتشفت بان كريستي، التي لم تكن أبدا تؤرخ رسائلها، قامت بتغيير تفاصيل معينة من حياتها في المذكرات التي كتبتها وكذبت بشأن عمرها على وثيقة عقد زواجها. لكن على أي حال لم تكن ثومبسون تركز في منهجها الذي اعتمدته في تتبع سيرة حياة كريستي على تنظيم مادة البحث بل على اكتشاف سر تلك المؤلفة الغامضة التي كتبت قصص جريمة محكمة البناء مليئة بالأسرار الغامضة. كأن الباحثة كانت شخصية في إحدى روايات كريستي تريد بحرارة الوصول إلى حل بشأن حبكة حياة كريستي من شأنها ان تفسر ظاهرة نجاحها الفريدة من نوعها. بدلا من ان تقوم المؤلفة بترتيب مواد هذه السيرة بشكل سرد متسلسل تاريخيا، تريد منا ثومبسون ان نعرف بان اغاثا التي درستها عن كثب كانت واعية بشكل استثنائي لوقائع وتفاصيل حياتها وتشعر بحافز يلح عليها دوما لان تعبر ولو بشكل ملغز عن حالاتها الذهنية. تقول مؤلفة الكتاب: "كانت حياتها في الظاهر تبدو كئيبة وموحشة كأنها تتحرك على ساحة التمارين في احد السجون، وعقلها يقع فريسة تتابع يومي للحظات مشحونة بالمعاناة والعذاب" هكذا تصف رد فعل كريستي على طلاقها من زوجها آرشي في وقت يعود إلى 1927. كانت تلك في الواقع حادثة مهمة في حياة كريستي بقيت حقائقها غير معروفة بشكل مؤكد.

لقد ازدادت تلك الحقائق إرباكا مع مضي ثومبسون في متابعتها لمسيرة الأحداث في حياة كريستي وتحليلها للاقتباسات التي أخذتها من قصصها. كان حب كريستي لمنزل طفولتها في اشفيلد يبدو جليا على نحو متكرر من خلال شخصياتها التي تتوق في الكثير من مواقفها لمنزل مريح مهما كان نوعه ؛ لقد عرضت تجربتها المؤلمة المحبطة في الحب على انها شيء لا تجرؤ بطلاتها على تكراره ثانية أو التفاعل مع ما ينطوي عليه من خيبة ؛ كانت علاقتها الصعبة مع ابنتها روزالند، التي تتطرق اليها بشكل موجز وغير مباشر، قد انعكست على الكثير من الأطفال البليدين المهملين لمظهرهم، وحتى الذين يحملون نزعات إجرامية في كتبها. تتساءل ثومبسون ببراعة المحقق البوليسي فيما اذا كانت كاثرين غراي الباردة الأعصاب برغم جاذبيتها في قصة (القطار الأزرق) تتوق كثيرا لان تكون مثل ارشي كريستي، وتستنتج قائلة بان "إحساسها الغريزي بالذات يأتي لإنقاذها في الوقت المناسب". من وقت لآخر نجد محاولة تعتمد على خيال خصب لإعادة تركيب الحوادث في حلقات متسلسلة، أو تجسيد درامي للحظة مهمة بأسلوب مكثف وتنوع ألوان توزعها أنامل فنان بأناقة وسخاء.

بعد فترة من متابعة حياة كريستي يكاد القارئ يسمع حتى صوتها. ربما كان ذلك الأثر الذي تخلقه المؤلفة ناتجا عن قراءة الكثير من كتب كريستي ورسائلها، لقد تبنت كاتبة السيرة موضوعها بحماسة نادرة وأصدرت أحكاما واثقة نتيجة اقترابها قدر الإمكان من الموضوعية في المعالجة. تصبح الأماكن ذات طابع سحري والناس مجسدين لأفكار مستقلة عن بعضها إلى حد كبير. كانت فترة شباب كريستي التي أمضتها في توركواي هي ذلك النوع من الحياة التي تشتاق أي فتاة عادية لان تحياها. كان ماكس مالوان، الذي اصبح زوجها الثاني فيما بعد "يعرف مواطن الضعف التي تكمن داخل شخصيتها التي من السهولة مهاجمتها من خلالها." تستعير ثومبسون الحروف المائلة المشددة التي تستخدمها كريستي في رواياتها في تأكيدها على بعض العبارات "كانت اغاثا تستمتع بصحبة بواروت لكنها في ذلك الوقت أحست بالحاجة إلى الآنسة ماربل." واستخدام الكاتبة لتدافع تيارات من الأسئلة التي تصوغها بأسلوب مرصع بالبلاغة: "لماذا سمحت اغاثا لنفسها على أي حال ان تهمل منظرها فيتبدد بهاؤها ورونقها؟ الم تنتبه إلى ان الرجل يرغب دوما برؤية جمال الطلعة في زوجته؟"

بشكل أو بآخر، يعتبر هذا المنهج الوجداني في التعامل مع السيرة الأدبية قديما، لكن بالرغم من انه لا يقدم كثيرا من الفائدة للنفاذ المتبصر إلى أعماق الشخصية التي نحن بصددها، أو سبر أغوار المرأة من الداخل ومعرفة أسرار شخصيتها، الا انه يبدو مناسبا هنا لمعالجة قصة حياة اغاثا كريستي، سواء في خطوطها العريضة أو تفاصيلها الدقيقة. مثلما تقول ثومبسون، فالأسلوب الذي تعتمده هنا كان ينسجم تماما مع خصائص روايات اغاثا كريستي وحياتها بحد ذاتها. لقد عاشت اغاثا طفولة هادئة مبهجة لا يكدر صفوها فقر ولا مآسي كبيرة، وكان بوسعها وهي فتاة ان تترنم ببعض الأغاني بشكل جميل وشعرها الأشقر كان طويلا بحيث يمكنها الجلوس عليه. كان زواجها في 1914 ذا طابع رومانسي، حيث تزوجت من طيار في الحرب العالمية الأولى، أعقب ذلك فترة مشوبة بشيء من التعاسة أمضتها كأرملة وحيدة في سننغديل. بعد ذلك علمت بان زوجها كانت لديه عشيقة جميلة تدعى نانسي نيل، وأنها تعمل سكرتيرة في شركة الغاز الأوربية الإمبراطورية. أما بالنسبة إلى زواجها الثاني فقد ارتبطت فيه برجل يصغرها بخمسة عشر عاما، اصطحبها معه في بعثات استكشافية أثرية إلى منطقة النمرود في العراق في الأربعينات، حيث كانت تنظف اللقى الأثرية العاجية بمستحضرات تجميل الوجه. يبدو ان حلقة معارفها هناك تضمنت عددا من النساء الجميلات المسرفات في مظاهر الترف، أرامل الحروب، أساتذة جامعات يعملون بين القبور ووجوه حجرية لنساء جميلات لكن فانيات. في ذلك الوقت ايضا كانت كتبها تحقق نجاحا وشهرة بشكل متزايد.

حدث الشيء الأكثر إثارة للأسى في حياتها في تلك الفترة سنة 1926، حينما قيل لها ان زوجها ارشي يرغب في الطلاق منها. غادرت كريستي على حين غرة منزلهما الجميل في سننغديل، تركت السيارة ثم استقلت القطار إلى هاروغيت حيث سجلت نفسها في فندق هايدرو باسم السيدة نيل (عشيقة زوجها وهو الاسم ذاته الذي أعطته فيما بعد لواحد من اكثر رجال شرطة التحري ذكاء في كتبها). أمضت اثنا عشر يوما في هاروغيت، كانت تتجول في الأسواق، تحتسي الشاي في المقاهي، تدخل إلى صالونات التجميل وتغني أحيانا بصحبة فرقة الرقص والغناء في الفندق، في الوقت الذي كانت فيه تتابع قصة بحث رجال الشرطة عن السيدة كريستي التي نشرت أخبار اختفائها في صحف (ديلي ميل) و(ديلي سكيتش). كان حادث اختفاءها شيئا غريبا لا يمكن تخيله، وتستخدم ثومبسون هنا قدراتها التعبيرية بأسلوب يمزج بين التسلية والإثارة، فهي تخترع حوارات ومسارات تفكير بارعة كأنما تكتب قصة بوليسية. لكن يبدو ان تفاصيل الحوادث العرضية هنا تتميز بالقدرة على استيعاب الصور الخيالية بشكل بعيد عن التنافر. تركت كريستي السيارة وراءها، وفيها معطف الفرو ورخصة السياقة عند حافة مقلع للحجارة ؛ تم العثور على السيارة في الصباح اليوم التالي من قبل صبي من الغجر. لقد قام رجال الشرطة والمتطوعون بحملة بحث واسعة ودقيقة، خاضوا في البحيرات والمستنقعات بحثا عن أي اثر لها، وجابوا المناطق الريفية المجاورة، ذلك لان مفتش المباحث كينوارد من شرطة إقليم سوري كان بعد ان أصيب بالإحباط قد اقنع نفسه بان آرشي قتل زوجته؛ حيث تم الإبلاغ عن مشاهدات متفرقة تتعلق بنساء مختفيات في أنحاء مختلفة من البلاد. لقد تناولت ثومبسون الكثير من أخبار الصحافة التي نشرت في تلك الفترة والتي كانت تتسم بالمبالغة والرغبة في الإثارة، منها على سبيل المثال قصة ملفقة عن احتمال تعرض كريستي لفقدان الذاكرة لسبب ما، وهذا ما كانت تتمسك به العائلة، إضافة إلى التأثير الجيد المحتمل لمثل تلك الأخبار على مبيعات كتبها.

 

ترجمة: مصطفى ناصر
اسم الكتاب: أغاثا كريستي، اللغز الانكليزي
تأليف: لورا ثومبسون



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.