يؤمن
شللي بأن كلّ الشعراء عبر كلّ العصور يشتركون في كتابة قصيدة واحدة
عظيمة هي دوماً في طور النموّ. أما بورخس فيري بأن الشعراء يخترعون
أسلافهم. إذا كان الشعراء المزتى، كما يصرّ إليوت،
هم المسؤولون عن تقدّم المعرفة لدى الأحفاد، فإن هذه المعرفة ستظلّ
من صنيع هؤلاء الأحفاد، أنتجها أحياء لتلبية حاجات الأحياء.
ولكنّ الشعراء أو على الأقل الأقوياء بينهم، لا يقرؤون بالضرورة
كما يقرأ الأقوياء من النقّاد. الشعراء ليسوا قرّاء مثاليين أو
عاديين، ليسوا جونسونيين (ساموئيل جونسن) ولا أرنولديين (ماثيو
أرنولد ). عندما يقرؤون لا يميلون إلى القول بأن " هذا ميّت
وذاك حيّ في شعر x "
الشعراء ما إن يصبحوا أقوياء، لا يقرؤون شعر x، ذلك لأنهم في حقيقة
الأمر لا يقرؤون سوى أنفسهم. بالنسبة لهم، أن تكون حيادياً يعني
هذا أن تكون ضعيفاً، وأن تقارن بدقة وموضوعية، يعني أن لا تكون
من النّخبة. إن شيطان ميلتون، بوصفه رمزاً للشاعر الحديث في أقوى
حالاته، يصير ضعيفاً عندما يقف على جبل نيفاتس، يعلقن ويقارن،
وبذلك يبشر بعملية انحدار تصل ذروتها في قصيدة (الفردوس مستعاداً)
وينتهي كرمز للناقد الحديث في أضعف حالاته.
دعونا نجرّب (وهذا يبدو سخيفاً للوهلة الأولى) قراءة القصيدة الملحمية
(الفردوس مفقوداً) كأمثولة لأزمة الشاعر الحديث في أقوى حالاته
. الشيطان هو ذلك الشاعر الحديث، أما الله [في القصيدة] فهو سلفه
الميّت، لكن الخصب والحاضر أبداً، أو لنقل، الشاعر الجدّ .آدم
هو مشروع شاعر حديث وقوي، ولكن في أضعف حالاته ، ما دام لم يعثر
على صوته الخاصّ بعد، ليس لله ربّة شعر، ولا يحتاج إلى واحدة،
ما دام بحكم الميت، وإبداعه تجلّى في الزمن الماضي للقصيدة_الفردوس
مفقوداً _فحسب.
من بين الشعراء الأحياء في القصيدة، للشيطان إثمة، ولآدم حواءه،
ولميلتون عشقه الجوّاني الذي هو بمثابة التجلّي في العمق الأقصى،
ينوح بلا انقطاع على ما اقترفه من ذنب، وهذا ما يتمّ استحضاره
بشكل رائع في القصيدة لمرّات أربع. مليتون لا يملك اسماً لحبيبة،
رغم أنّه يستحضرها تحت أسماء عدّة، ولكن، وكما يقول:
" أناجي المعنى وليس الاسم " الشيطان بوصفته شاعراً
أقوى حتى من ميلتون نفسه، يتقدم دونما حاجة لمناجاة ملهمته".
لماذا ندعو الشيطان شاعراً حديثاً؟
لأنه ينبأ بمعضلة كبرى هي من شعر ميلتون اللّب، ومن شعر بوب أيضاً
. معضلة تأخذ شكل حزن يتصفى بالعزلة لدى كولينز وغراي، سمارت وكوبر،
وتبلغ ذروتها عند وردذورث النموذج المثالي للشاعر الحديث ، بل
للشاعر بإطلاق . إن عملية تبلور الشخصية الشعرية لدى الشيطان تبدأ
عندما تبدأ فعلاً قصة ميلتون، أي مع خلق الله لابنه ورفض الشيطان
لهكذا خلق. الشعر الحديث يبدأ بتصريحين للشيطان " لا عهد
لنا بعهد لم نكن فيه كما نحن الآن " و " أن تكون ضعيفاً
يعني أن تكون بائساً، عملاً أو معاناة ".