البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

التعرف إلى برزويه

ما دمنا في وارد كتاب <<كليلة ودمنة>> الذي كتبه فيلسوف هندي يقال له بيدبا ليكون مرشدا لملك زمانه على تلك البلاد ولسائر ملوكها من بعده، ثم اتخذ مثالا لما يجب أن يكتب لتأديب الملوك وشحذ سجايا الحكمة والعدل والرحمة ورعاية مصالح الرعية لديهم في كل زمان ومكان، وهو الكتاب الذي ترجمه عبد الله بن المقفع في منتصف القرن الرابع الميلادي إلى الفارسية، التي نقله إليها شاب فارسي اكتمل فيه ما طلب ملك الفُرس من صفات وشمائل هي أن يكون <<رجلاً عاقلاً أديباً عالماً ماهراً بالفارسية والهندية، حريصاً على العلم، مجتهداً في استكمال الأدب، مثابراً على النظر والتفسير لكتب الفلسفة>>. كان اسم ذلك الرجل بَرزُويه. وكانت <<صناعته التي يُعرَف بها الطب>>، وكان ذلك الرجل الذي نَعِم بكل تلك المحامد أوَّل <<جاسوس عِلْمي<< سجَّله التاريخ على حد هذه المعرفة القاصرة.
ما دمنا في هذا الوارد، علينا أن نعيد التذكير بما أوصلنا إلى مورده. وهو لا يعدو شبهة أنه كأنما كان بيدبا الفيلسوف، واضع هذا الكتاب، يرى إلى حال العرب الراهنة، أو كأنه معنا يعايشنا ويرى إلينا من داخل ومن خارج.
وما دمنا في هذا الوارد فقد يجمُل أن نعزز تعرُّفنا على بَرْزُويه، معتمدين تعريفه بنفسه الذي ورد في الكتاب ذاته.
إنما قد يجدر قبل ذلك أن نأخذ شيئا مما قدَّم به بَرزُويه للكتاب؛ إذ رأى أن مادته هي ضَرب الأمثال والأحاديث التي التمسوا أن يُدخِلوا فيها أبلغ ما يجدون في النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء مِن كل ملة وأهل كل لسان يلتمسون أن يُعقَل عنهم ما بنوا لذلك بصنوف من الحِيَل، ويبتغون في إخراج ما عندهم من العقل، حتى كان من تلك الحِيَل وضْع بليغ الكلام ومُتقَنه على أفواه البهائم والطير، فاجتمع لهم بذلك خِلال. أما هم فوجدوا مُنصرِفا في القول وشعابا يأخذون فيها. وقد جمع هذا الكتاب لهوا وحكمة فاجتباه الحكماء لحكمته والسخفاء للهوه. فأما المتعلمون من الأحداث وغيرهم فنشطوا لعلمه وخفَّ عليهم حِفظه. فإذا خال الحدث واجتمع له الفعل وتدبَّر المتدبِّر ما كان مما صار مُقيَّدا مَريوبا في صدره، وهو لا يدري ما هو، عرف أنه قد ظفر بكنوز عظام، (...) فمن قرأ هذا الكتاب فليعرف الوجه الذي وُضع عليه ولا يكن هَمُّه بلوغ آخره ليعرف إلى أيَّة غاية يجري مؤلِّفه فيه، وأي شيء يُخشى منه عندما نسَبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مُفصِح وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها مثالا وأمثالا. فإن قارئه متى يفعل ذلك ولم يدرِ ما أُريدَ بتلك المعاني ولا أي ثمرة يُجتنى منها ولا أية نتيجة تحصَل له من مقدِّمات ما يصفه هذا الكتاب، فإنه ولو استَتَمَّ قراءته إلى آخره دون معرفة ما يَقرأ منه، لم يعُد عليه شيء يَرجِع إليه نفعه.

  

يروي بَرزُويه أنه في مطلع صباه اختار لنفسه تعلُّم الطب <<حتى إذا حصَّلتُ منه جانبا عرَفتُ فضله وازددتُ عليه حرصا وله اتِّباعا. فلما بلغت فيه إلى أن أدمنت نفسي على مداواة المرضى هممت بذلك في الناس قولا وعملا>>. ثم يروي كيف راودته نفسه أن يتخذ منه وسيلة إلى ما تتوق إليه النفوس من أعراض الدنيا، وكيف زجر نفسه وحاورها وداورها حتى نهاها عما كانت إليه تصبو.
لكن استغراقه في الطب وتفوقه فيه قاداه إلى الشك في جدواه المطلقة عندما وجد أن الطبيب <<لا يستطيع أن يداوي المريض من مرضه بدواء يزيل عنه داءه فلا يعود إليه أبدا ذلك الداء وغيره من الأدواء>>.
قاده هذا الشك بالطب إلى النظر في أمر الدين، لكنه وجد << الأديان والملل كثيرة من أقوام ورثوها عن آبائهم، وآخرين خائفين مكرهين عليها، وآخرين يبتغون بها الدنيا ومنزلتها ومعيشتها، وكلهم يزعم أنه على صواب وهُدى، فاستبان لي أنهم بالهوى يحتجون وبه يتكلمون لا بالعدل. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكُلاً على كُلٍ رادٌ، وله عدو ومُغتاب ولقوله مُخالف>>.
أخرجه هذا الكشف من الانشغال بالدين، لكنه قاده إلى النظر في النُسك. لكنه بعد طول التفكير وإمعان النظر قال لنفسه: <<ما يجوِّز هذا لي أن أفرَّ من الدنيا إلى النُسك إذا فكَّرت في شرورها، ثم أفرَّ من النُسك إلى الدنيا إذا تذكَّرت ما فيه من المشقة والضيق، فلا أزال في تصرُّف لا أُبرم رأيا ولا أعزم على أمرٍ كالقاضي الذي سمع من أول الخصمين فقضى له على الآخر ثم سمع الآخر فقضى له على الأول>>.
هكذا بقي بَرزُويه على الطب، حتى أوفده الملك إلى تلك المهمة الدقيقة.

  

عاد برزويه إلى بلاده بعد أن أنجز مهمته على خير وجه؛ حصل على أثمن ما في خزائن ملك الهند من الكتب ومنها <<كليلة ودمنة>> الذي طلبه الملك على وجه التعيين، فنسخها وأعادها إلى صديقه خازن ملك الهند ليعيدها إلى مكانها. ثم قضى الأيام وسهر الليالي يترجمها إلى الفارسية.
احتفى الملك الفارسي بعودة بَرزُويه أجمل ما تكون الحفاوة تقديرا وإعزازا، وأمر له بأَنفَس الجوائز. لكنه اعتذر عن قبولها شاكرا للملك فضله وكرمه ولم يقبل إلا ثوبا خلعه عليه الملك، لكنه طلب جائزة أبقى هي أن يأمر الملك وزيره الذي كان بدوره عالما أديبا أن يكتب عنه بابا يضاف إلى أبواب <<كليلة ودمنة>> <<ليحيا به ذِكري (...) إلى آخر الأبد ما دام هذا الكتاب منشورا في الدنيا يُقرأ>>.
وهو ما حدث، إذ نَقلَت هذه السطور عن ذلك الباب هذا <<التعرُّف إلى بَرزُويه>>. وكان الوزير قد كتب تلك السيرة المختصرة على لسان بَرزُويه نفسه مكتفيا باستهلالها بعبارة تنسبها إلى صاحب السيرة.

  

قرب ختام <<باب بَرزُويه>> أو سيرته التي كتبها الوزير على لسانه، نجده كأنما يعدد مناقب الملك في ما يشبه ما حفل به الشعر العربي من مدح الشعراء للخلفاء والملوك والسلاطين. لكننا لن نلبث حتى ندرك أنه كان له مقصد آخر. نجد المدح مسكوبا في صيغة الشرط.
<<... وإن كان الملِك قد جعله الله سعيدا ميمون النقيبة حازم الرأي رفيع الهمَّة بليغ الفحص، عدْلا بَرَّا جوادا صدوقا شكورا، رحْب الذراع متفَقِّدا للحقوق ومواظبا مستمرا فَهِما نفَّاعا ساكنا بصيرا حليما رؤوفا رحيما رفيقا، عالما بالناس والأمور،محبا للعِلم والعلماء والأخيار، شديدا على الظَّلَمة، غير جبان ولا خفيف القياد، رفيقا بالتوسُّع على الرعيَّة فيما يحبُّون والدفع عنهم لما يكرهون، فإنَّا على ذلك قد نرى الزمان مُدبرا بكل مكان. فكأن أمور الصِّدق قد تورَّعت من الناس فأصبح مفقودا ما كان عزيزا فقده وموجودا ما كان ضارا وجوده. وكأن الخير أصبح ذابلا وأصبح الشر ناضرا. وكأن الغَيَّ أقبل ضاحكا وأدبر الرشد باكيا، وكأن العدل أصبح غائرا وأصبح الجور غالبا، وكأن الكَرَم أصبح مدفونا وأصبح الجهل منشورا، وكأن اللؤم أصبح أَشَرا وأصبح الكَرَم موطوءا، وكأن الود أصبح مقطوعا والبغضاء والحسد موصولا، وكأن الكرامة قد سُلبت من الصالحين وتوخَّى بها الأشرار، وكأن الخَبَّ أصبح مستيقظا والوفاء نائما، وكأن العدل ولَّى غائرا وأصبح الباطل مرحا، وكأن اتِّباع الهوى وإضاعة الحُكم أصبح بالحكماء موكلا وأصبح المظلوم بالخسف مُقِرا والظالم لنفسه مستطيلا، وكأن الحرص أصبح فاغرا فاه من كل جهة يتلقَّف ما قرُب منه وما بَعُد وأصبح الرضا مفقودا مجهولا، وكأن الأشرار أضحوا يُسامون السماء وأصبح الأخيار يريدون مُطبَق الأرض، وأصبحت المروءة مقذوفا بها من أعلى شُرَف إلى أسفل سافلين، وأصبحت الدناءة مُكرَّمة مُمكَّنة، وأصبح السلطان منتقلا من أهل الفضل إلى أهل النقص، وأصبحت الدنيا جَذِلَة مسرورة مرِحة مُختالة تقول: غَيَّبتُ الحسنات وأظهرت السيئات.
كأنه أراد تنبيه الملك إلى أن شرط الصلاح هو المثابرة والدوام.

 

مصطفى الحسيني - السفير - 23/5/2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri