البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

حول كتاب ريتا عوض عن خليل حاوي

جَمْعٌ وتقديم يؤكدان المكانة والحضور التاريخيّ

ها هي رفيقتنا ريتا عوض لا تؤخر ولا تقدم، وكنا نتمنى في المطلق ان تقدم ولا تؤخر، اما ان والنقد عندنا واقع في ما واقعة فيه الحداثة عندنا من تخبط وتفسّخ وهوس ونرسيسية، كي لا اقول عمى قلب ونصر هوى وضلال بعيد، فرغبنا، والموضوع يهمنا، لصلته بالشاعر حاوي الخالد الذكر ابدا، احد الآحاد في الاكاديميا الملتزمة، على الاقل بطلابها، ان تقدم ريتا ولا تؤخر، رحمة بالغائب منذ عقدين، وما عندي شك في انها تتوهم ان المقدّمة الى "كتابها" الاخير نصر وفتح، فما هو الا مقدّمة حبّرتها لمحاضرات حاوي على طلابه، وإن يكن بريق عنوانه خادعا، لكن نحن مُقلعو الاضراس من تجارب القلة والقهر ونزاهة الاكاديميا المحنّطة عندنا وبراءة الثقافة المقمّطة عندهم لا تنطلي علينا هذه الاماني الواهية مذ قرأنا زمن الصبا في "أنا والتنين" ان "من غازل الشر تزوج الفجيعة" و"من لا يصغي الى همسات الضياء تصرعه العتمة".

وحديثاً نورد مثلاً انه لما هجر الجامعة احد الرواية، عند المنقلب الآخر من هذه الفانية، الا من اعين الحساد والجشعين، غبريال غارسيا ماركيز، معلقا آماله، مثلنا، المسكين، على رزق يرتجى من الكتابة للصحف، سيارة وطيارة، ربما نفاثة، فالدهر لاهث، ونحن واقفون ابد الدهر، اعلن، متحمسا لعبادة [ربما] من جورج برنارد شو: "منذ طفولتي المبكرة اضطررت الى قطع تعليمي كي اذهب الى المدرسة" [سيرته الصادرة حديثا بالعربية: "عشت لأروي" ترجمة صالح علماني، لدى "دار البلد"، دمشق، ،2003 ص15]، فتحالف ضمنيا مع معلم ثورة الحرية روسّو القائل، صائبا، وعلى خطى سيدنا الناصري، عند متى، ان العلم متى فقد نضارته وعَدُمَ بهاؤه سيبطل، في معنى ما جاء به سِفر الجامعة، قبله بدهور، انه كآبة الروح، هذا العِلم، فكيف الادب متى خلا من متعة وظرف، والنقد متى حاد عن سكّته وجانَب الصواب، وعليه، فالنقد الادبي متى خرج على اصوله طوّح في مسالك ضياع، ففي النقد، كما في التأريخ، اصول لا يجوز الخروج عليها، والا فالانحطاط الادبي اهون السبل، اي ما نحن فيه واقعون، وبجهدنا، وحدنا.

كنا نتمنى لو ان رفيقتنا زمن الصبا الذي ولى في اميركيّة بيروت، ريتا عوض، اعادت النظر وكرت البصر في عنوان "كتابها" الصادر قبل نحو سنة: "خليل حاوي: فلسفة الشعر والحضارة" (*) اذ يعتقد القارئ ان حاوي في فلسفته موضوع "كتابها" لولا عنوان فرعي يشير الى ان حاوي نفسه "واضعه": "تحرير وترجمة وتقديم ريتا عوض" (*)، مما يزيل بعض اللبس الحاصل، وإن كان لا ينسخه كليا.

للكتاب اهمية نقدية وتاريخية، نقدية لأنه يرد الى شاعر "الجسر" مكانته اللائقة به على رف الحداثة، وهو رف مثقل بالغث والسمين، وتاريخية لأنه يصدر بعد عشرين على غياب حاوي فيبرهن عن حضوره القوي ويلح على مقولة فؤاد سليمان الشائعة "الميزان الذي لا خلل فيه هو ميزان الزمان"، فحاوي غائبا حاوي حاضرا، وفي زخم، فالعشرون التي انصرمت زادته وهجا وتألقا، فالأصالة لا تصدأ، بل تبرعم ذهبا في ظل الانحطاط الضـارب ببوقــه الغليــظ من محــيط الى خليــج، وبتأثير اليباس اللاحــق بقشــرة الفكـــر من ساحــل الى صحـــراء، فما قاله حاوي نفسه يصدق اليوم: "ليس في الافق سوى دخنة فحم من محيط الى خليج".

وكنّا نتمنى ايضا لو ان ريتا عوض اعادت النظر وكرّت البصر، ايضا وايضا، في غلاف الكتاب الثاني الذي يصرّ على ان حاوي ولد عام ،1925 مع ان حاوي نفسه اصر في سيرته التي أملاها على ساسين عساف على انه من مواليد ،1919 وكان ايليا حاوي شقيق خليل، رحمهما الله، اكد على ذلك في كتابه الجامع المانع عن خليل.

يقدم الكتاب بادئ ذي بدء نديم نعيمة صديق حاوي وزميله في الدائرة العربية في الجامعة الاميركية في بيروت، ومقدمته، على قصرها غور تجربة وعمق رؤيا، اذ تضع حاوي في اطاره الفكري الصحيح. ففي عشر صفحات من القطع الوسط [ص 11 - 20] يرسم نعيمه في وضوح سيرة حاوي الشعرية في ايجاز وايحاء ليبرهن عن ان هذا الشاعر الفذ "اطل على الشعر من الموقع الاصعب" [ص13]، ولا يغيب عن بال نعيمه اهم ما في حاوي من "نشأة عقائدية طبعها الحزب السوري القومي وزعيمه انطون سعاده بطابع تخطى التعاليم التفصيلية وسما في نفس خليل الى مستوى الرمز واستمر فيها قائلا في صورة او في اخرى حتى النهاية. ثمة شيء اسمه الامة" [ص12]، فيما لا تأتي ريتا عوض بمقدمتها المستفيضة [ص21 - 42] على اي علاقة لحاوي بالحزب القومي رغم اعترافها صراحة: "كان يحكي لي تفاصيل سيرته الذاتية ومسائل حياته اليومية، [ص22]، ويعرف القاصي والداني ان حاوي نشط في الحزب القومي ما بين 1933 و1955 اي ثلث "سيرته الذاتية" واكثر قليلا إنْ خرج من الحزب اثر انقلاب 1961 على نظام الرئيس شهاب واكثر كثيرا إن خرج من تعاليم سعادة يوم خرج من هذه الدنيا النزيهة بالنقد المحلّق في اجواء التخمين. وحتى يكتمل نقل التخمين بزعرور اليقين تخصّ ريتا عوض استاذها حاوي لاثنتي عشرة سنة بعُشر مقدمتها للدلالة على انفتاحه على فكرة القومية العربية [ص38-40] وعلى أنه عاش "نبيا بشّر بالقومية العربية" [ص39]، فاحترنا يا قرعة من اين نبوسك، وصرنا نشك في سلامة ذاكرتنا وصحتها، فانا لا اتذكر حاوي الخالد الذكر إلا قائلا عبارته الدائمة حتى رحيله "لم اخرج على تعاليم سعادة قيد انملة"، وشهادته الحياتية التي املاها على ساسين عساف برهان، وكتاب اخيه ايليا فيه يؤرخ لحياة له مديــدة في الحــزب القومــي، لكن الناقد في واد وسيرة حاوي في الحزب القومي في واد، وعلى هذا النحو هو نمط النقد بين ظهرانينا، فلا عجب ان تتبنى وجهته ريتا غوض، فحتى جهابذة النقد عندنا لم يخرجوا على هذه القاعدة الذهبية، ولله في خلقه شؤون، ولا عجب ان بئس المصير افضل مصائرنا: قلّة رجال وكثرة مال.

الكتاب اذن محاضرات حاوي على طلابه في الاميركية [وربما بعضها في اللبنانية يوم تفرّغ لها مع زميله انطون غطاس كرم] مادة تعليمية تعرّف بالمذاهب النقدية الادبية المختلفة في تاريخ الحضارة الغربية منذ الاغريق الى الزمن الحديث، وفي الكتاب ايضا مقالات نشرها حاوي بين 1956 و1981 تناولت العقل والايمان في الغرب و الشرق [اربع مقالات هي جزء من اطروحته الجامعية في اميركية بيروت في اشراف المقدسي الجليل اسحاق موسى الحسيني]، وفي الكتاب ايضا وايضا فصلان من اطروحة حاوي في كامبردج عن جبران (1959) في اشراف شيخ المستشرقين آربري تترجمهما ريتا عوض بعدما وجدت ان ترجمة الاطروحة الى العربية [نهض بها سعيد فارس باز] "ضعيفة المستوى اجمالا، وتفتقر، احيانا كثيرة، الى الفهم الصحيح للاصل الانكليزي، والى التعبير الدقيق عن الغرض الذي قصد اليه المؤلف" [ص26] وندرك تماما من ناحيتنا ان الترجمة بعامة ضرب احتمال وتقريب، فلا نصدر حكما غيابيا على سعيد فـارس بـاز وإن كان في وسعنا ان نصدر حكما وجاهيا على ريتا عوض.

الى مباحث حاوي ومحاضراته، هناك ثلاث مقالات كتبها في عبدالله غانم والسيّاب وكريم كركي. الكتاب اذن لحاوي، ست عشرة مقالة في النقد من افلاطون الى مالارميه، وسبع مقالات في الفلسفة والحضارة. ثلاث وعشرون مقالة تحتل 230 صفحة من اصل 276 صفحة من القطع الوسط هي الكتاب بتصدير نعيمة وتقديم عوض. الكتاب بعد عشرين على غياب صاحبه رد اعتبار اليه، ومن هنا فضل عوض في جمع شتيته ولمّ اجزائه، اما الباقي فتفاصيل لا ينكر احد جهد محرّرة الكتاب ولا يجحدها عرفانها بجميل معلمها، ولكن عتبنا من باب انها زادت في الرقة حتى انخرق النقد، وقد تعتب علينا اكثر من عتبنا عليها، ولكن يشفع بنا اننا نتوخى وضع حاوي في المكانة الصحيحة التـي انزله فيها مسار حياته من حيث ايمانه المطلق بعقيدة سعادة، وإن يكـن يشفع بعوض، والى يوم القيامة، نهوضها بالعمل الجلل، هذا.

(*) صدر في منشورات "دار النهار"، ايار ،2002 بالتعاون مع "مؤسسة سعادة للثقافة".

 

محمود شريح - النهار - الاربعاء 14 أيار 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri