البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

<<مئة عنوان من الشعر العربي>>
الصادر في مارسيليا.. اجتمعت المئة فتحقق الكتاب

جان شارل دوبول: تنتفي النظرة النضالية إذا رضي الشعراء والنقد

<<مئة عنوان من الشعر العربي>>، عنوان الكتاب الصادر حديثا عن <<المركز الدولي للشعر>> في مارسيليا، وهو الجزء الثالث من سلسلة يعكف المركز على إصدارها، إذ سبقه <<مئة عنوان من الشعر الفرنسي>> و<<مئة عنوان من الشعر الاغريقي اللاتيني>>. الكتاب الذي أشرف عليه الشاعر الفرنسي جان شارل دوبول (وهو عالم انتروبولوجيا مختص بالعالم العربي) بالتعاون مع الشاعر العراقي كاظم جهاد وجيل لادقاني، يحاول أن يرسم للقارئ الفرنسي لوحة بانورامية عن تطور الشعر العربي، بالاضافة إلى مثبت بيبليوغرافي بالأعمال الشعرية التي ترجمت الى الفرنسية.

هنا حوار مع دوبول، أجري معه خلال زيارته الاخيرة الى بيروت.

› <<مئة عنوان>>، هو الكتاب الثالث من سلسلة كتب تصدر تباعا. والكتاب الحالي، هو عن الشعر العربي. هل لك أن تعرّف القارئ على هذا المشروع، على هذه السلسلة؟

 هذا المشروع، أولا، مدعوم من المجلس المحلي لمنطقة <<البروفانس الألب الكوت دازور>>، الذي شجع ودعم العديد من النشاطات الثقافية بين ضفتي المتوسط، وبخاصة مع لبنان، كذلك تأتي هذه السلسلة من الكتب، بمبادرة من المركز الدولي للشعر في مارسيليا، الذي كانت فكرته في وضع <<أداة عمل>> بخدمة القرّاء والمكتبات والباحثين، تتيح للجميع الاطلاع على بعض شعر العالم.

الكتاب الأول جاء حول الشعر الفرنسي المعاصر، والثاني جاء حول الشعر الاغريقي اللاتيني، والثالث الذي يصدر حاليا حول الشعر العربي المعاصر. منذ زمن طويل والمركز الدولي، يفكر في كتاب حول الشعر العربي...

› ولماذا يفكر في كتاب حول الشعر العربي؟

 أعتقد ان ذلك عائد لرغبته في التبادل الثقافي مع العالم العربي، وقد تجلى ذلك عبر العديد من النشاطات التي دارت مع المركز الدولي للشعر في مارسيليا، الذي أحيا قراءات وندوات. في البداية، كانت هناك قراءات لشعراء مصريين في مارسيليا، ومن ثم لشعراء لبنانيين (عباس بيضون وندى صطوف واسكندر حبش) ومن ثم أحيا المركز محترفات للترجمة الشعرية، الاول مع شعراء سوريين (نزيه أبو عفش وممدوح عدوان ومحمد فؤاد) وتبعه محترف آخر مع لبنان (بول شاوول وحسن العبدالله وعبده وازن وإسكندر حبش). أما المحترف الثالث فكان مع شعراء من المغرب وسيتبعه رابع مع شعراء من مصر.. الخ. كذلك دعا المركز شاعرا من لبنان، هو أنت، للاقامة لمدة 3 أشهر في مارسيليا، مثلما دعا العام الماضي، الشاعر المغربي عبد الله زريقة للاقامة عينها.

هذا جزء من المشاريع التي نفذت لغاية اليوم، والسؤال الذي كان مطروحا، هل نصدر جزأين من كتاب <<مئة عنوان>> من الشعر العربي، الاول يغطي الشعر الكلاسيكي حتى عصر النهضة، والثاني من النهضة حتى أيامنا هذه. لم يستمر النقاش طويلا، إذ نظراً للعناوين المترجمة الى الفرنسية، قررنا ان يكون جزءا واحدا. لقد حل <<العدد الحسابي>> المشكلة، مع العلم ان جميع العناوين العائدة للشعر الكلاسيكي العربي، موجودة وممثلة في هذا الكتاب..

على كل، الكتاب مقسم الى جزأين، الاول يحمل دراسات وأبحاثا نقدية وتعريفية عن الشعر العربي، بينما الجزء الثاني هو ثبت <<بيبليوغرافي>> بالعناوين الصادرة، وهو الاسلوب المتبع عادة في هذه السلسلة. اسمح لي هنا، أن أعود الى عدد الكتب المترجمة إلى الفرنسية لأقول، لو حاولنا منذ عشرين سنة إصدار كتاب مماثل، لما كنا نجحنا في ذلك، لأنه لم يكن هناك مئة عنوان. العدد الأكبر من العناوين التي ثبتناها في هذا الكتاب، هو من العناوين التي ترجمت في السنين الأخيرة.

مشروع الجنابي

› السؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه، هو أولا، كيف عملت وأشرفت على هذا المشروع (الكتاب)، والثاني، كيف تفسر <<إعادة اكتشاف>> الشعر العربي في فرنسا، خلال هذه السنين العشرين الماضية؟

 سأبدأ من السؤال الثاني: لو تحدثت عن تجربتي الشخصية، لقلت إنني بدأت الاهتمام بالشعر العربي منذ هذه الفترة تقريبا، او أكثر بقليل، إذ كانت البداية زيارتي للعالم العربي، ومن ثم أقمت في مصر للعمل، فأنا باحث اجتماعي، عملت على العالم العربي. بحثت عن الشعر العربي المترجم، لم أجد يومها، تقريبا، سوى <<الأنطولوجيا التي أصدرها ادوارد طربيه ولوك نوران في العام 1967 عن منشورات <<لوسوي>> وهي مختارات تظهر كيف ولد الشعر الجديد. انها بدون شك مهمة، لكنها تتوقف عند مرحلة تاريخية معينة، ومن ثم، لم يكن هناك أي شيء جديد، إلى أن ظهرت منذ 3 سنوات، انطولوجيا جديدة، مختلفة، أكثر معاصرة..

› تقصد كتاب عبد القادر الجنابي؟

 نعم. انها مهمة، لأنها لا تعود الى <<الآباء>>، كما هي الحال دائما، هناك مثلا عدد أكبر من الشاعرات، هناك أسماء أكثر حداثة، على الرغم من أنها تتوقف عند مرحلة تاريخية معينة أقصد أن الشعراء الشبان غير ممثلين، وذلك كما يقول الجنابي، لأنه توقف عند العام 1982. على كل، لقد عاد <<وأكمل>> مشروعه، إذا جاز التعبير، إذ أصدر بعدها كتب "Le Splein du desert" و"Paroles devoilŽs" و"Poemes en Prose"... بهذا المعنى، يبدو مشروعه ممثلا حقيقيا لهذه القصيدة العربية الجديدة.

من هنا، يبدو الحوار، الموجود في الكتاب، مع فاروق مردم بك، على جانب كبير من الاهمية، إذ يظهر جيدا أن القصائد العربية الاولى التي ترجمت الى الفرنسية، كانت منذ ثلاثين سنة، وهي جاءت لأسباب نضالية. أول شاعر عربي معاصر ترجم إلى الفرنسية كان محمود درويش، وقد تحققنا من ذلك، ثم جاء السياب من بعده، وأيضا للأسباب نفسها تقريبا، إذ وضع مع الشعراء <<الشيوعيين>> من مثل ناظم حكمت، نيرودا... والمفارقة ان من ترجم درويش لم يكن شخصا مختصا بالشعر، وإنما باحث سياسي، نشر القصائد في منشورات <<اليساريين الكاثوليكيين>>، وهي منشورات >"freC">، حول موضوع <<حق الفلسطينيين>>. وهذا ما أرخى ظله كثيرا حول شعر درويش، كذلك ترجم بعض الشعراء اليمنيين تحت عنوان عريض هو <<شعر الثورة>>.. هذه النظرة كانت سائدة لفترة لا بأس بها، والتي لم تسمح كثيرا برؤية منظور آخر للشعر العربي المعاصر. هكذا كانت البداية. لكن شيئا فشيئا، بدأت هذه النظرة تتغير وبخاصة في فرنسا، التي تسارعت فيها حركة ترجمة الأدب العربي، على كل إنها حركة أسرع مما يحدث في بلدان أوروبية أخرى. نجد اليوم العديد من الشعراء العرب الذين ترجموا، عبر المجلات والكتب والجامعات والأنطولوجيات، الخ، ما يسمح لنا بإطلالة أكبر على مختلف تيارات الشعر العربي المعاصر، أي عبر نظرة مختلفة. وان لم تنتف بعد هذه النظرة النضالية وبالأخص <<القضية الفلسطينية>>، الحاضرة دوما، مثلما نجد عندما يستقبل درويش الذي يعتبر نفسه أنه أسير هذه النظرة السياسية لعمله الأدبي، حتى وإن استمع اليه البعض بصفته شاعرا وقبل أي شيء آخر، مثلا مثلما قدمته في مدينة <<إكس>> الفرنسية، إذ اتفقنا على ان لا نتحدث سوى عن الأدب، فطرحت عليه اسئلة حول الوزن والأدب، اي اسئلة تقنية، وكان هناك العديد ممن تفاجأوا في تطرقنا الى هذه المشكلات فقط..

من ثم كان لحضور أدونيس في المشهد الشعري، ما ساعد على نزع هذه النظرة السياسية عن الشعر، وشيئا فشيئا، بدأت وجوه أخرى تحضر، عبر الترجمة، وإن جاءت الترجمة في البداية، داخل نوع من الفوضى، لكنها كانت عملية استلحاق لأسماء كانت غائبة. صحيح ان هناك اليوم العديد من الدروب التي علينا ان نسلكها، بيد ان العمل الأساسي قد بدأ.. والأشياء تتقدم، وسيكون المشهد في المستقبل أكثر شمولا واتساعا...

أسماء جديدة

› على الرغم من أهمية الأسماء الشعرية التي نقلت إلى الفرنسية، هل تعتقد أن هناك ميلا بعد إلى تكملة عملية نقل الشعر العربي. إذ هناك العديد من الأسماء المهمة التي لم تحظ بعد <<بفرصة>> الترجمة؟

 بالطبع، وكما يجد فاروق مردم بك، وعلى الرغم من معوقات النشر التي تفرض نفسها أحيانا، الا ان هناك الكثير من الفراغات التي يجب ردمها، هناك وجوه عليها ان تحضر، وإن كنا اليوم نجد بعض الأولويات...

› ما هي هذه الأولويات؟

 انها أولويات تتعلق بتاريخ الأدب نفسه. أن تقوم دار نشر بإصدار كتب، عليها أن ترتكز أكثر على التسلسل التاريخي، وهذا أمر قد لا تلجأ إليه المجلات الشعرية مثلا.. من هنا أيضا، أحببت ان يكون هناك بحث حول دور المجلات الشعرية، إذ تستطيع المجلة أن تكون بمثابة مختبر للعديد من التجارب..

› وهل تظن أنه سيأتي اليوم الذي يترجم فيه الشعر العربي، بصفته الشعرية فقط، وليس لأسباب سياسية او نضالية كما تسميها؟

 أعتقد أننا نسير قدما في ذلك، صحيح ان عبد الله زريقه كان سجينا سياسيا، لكنه ترجم قبل أي شيء لمكانته الشعرية، وعندما قدمت مرة عباس بيضون بالحديث عن تجربته السياسية الماضية، فاجأني بالقول انه نسي ذلك كله وهو يضحك. هذا يعني أنه إذا كان الشعراء أنفسهم مستعدين لذلك، وإذا كان النقد مستعدا بدوره، فاننا سنصل الى ذلك...

إحدى المشكلات الكبرى التي أجدها، هي ان الشعر العربي، يترجم في غالبيته من قبل <<العربوفونيين>>، وهذا ما يجعله محصورا ضمن فئة معينة في فرنسا..

› وهل يستطيع أن يخترق المشهد الشعري الفرنسي؟

 هذا ما أطمح إليه.. أعتقد أنه سينجح في ذلك.

› هل يهتم الشعراء الفرنسيون والجمهور الفرنسي بشعرنا؟

 لا أستطيع القول إن الجمهور كله يهتم، ولكن ان يصدر هذا الكتاب وهو ليس في الأساس ندوة جامعية يبدو لي شيئا مهما. أي لم يكن وراءه <<فرع اللغة العربية>> في جامعة ما، وإنما مركز دولي للشعر، يهتم بالشعر والأبحاث حول الشعر. ضمن هذا المفهوم، قبلت العمل على هذا المشروع، حتى وإن لم أكن مختصا بتاريخ الشعر العربي، ولا بنظرية الشعر، فأنا كما تعرف أهتم بالانتروبولوجيا في العالم العربي، إضافة الى كوني شاعرا فرنسيا.

› من هنا، أعود الى سؤالي السابق، كيف عملت على هذا المشروع؟

 كانت الفكرة في البداية هي التالية: هي تعريف الناس على فكرة عن الشعر العربي، وبخاصة عن الشعر المعاصر واختلافه عن التقليد الشعري والتراثي. الفكرة الثانية كانت القيام بهذا العمل، بشكل جيد، يستفيد منه المختصون، عبر جودة التحاليل والعرض. وقبل ان أكمل أقول ان هذا العمل مدين بشكل كبير لكل من كاظم جهاد وجيل لادقاني، لأني لم أقم به وحدي. على العكس انهما حاضران بقوة فيه، فكاظم مثلا، قدم لمحة تاريخية عن الشعر الكلاسيكي، كما تحدث عن الشعر الجديد، وفي مقالة ثالثة عن دور المجلات الأدبية العربية في تحديث الشعر. كذلك طلبنا من شعراء فرنسيين الحديث عن العلاقة مع الشعر العربي من مثل جيمس ساكري ودومينيك غراندمون وجان ماري غليز. إنه عمل جماعي، إذ طلبت من كاظم أن يساعدني في تنظيم هذا العمل، وبخاصة أنه شاعر وترجم العديد من الاعمال الى العربية والفرنسية كما أنه أستاذ جامعي وناقد مميز.

› اليوم وبعد ان اكتمل هذا العمل، هل تظن ان هناك شيئا ينقص، لم تتطرقوا إليه؟

 أعتقد إن كان ينقص شيء، لربما الحديث عن دور سعيد عقل، حتى وإن كان كاظم جهاد وجيل لادقاني يشيران الى ذلك، كما عن دور شعراء المهجر، في عملهم على اللغة الشعرية. ربما لم نحلل هذه الفكرة بشكل موسع، ربما..

 

اسكندر حبش - السفير - 06/05/2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri