يتناول الدكتور محمد
عمراني على سبيل المثال نظرية داروين في النشوء والارتقاء، واكتشافها
من قبل آخرين في الفترة ذاتها، محاولا طرح ما يعنيه بمفهوم الاستعارة،
وينقلها بعد ذلك إلى اكتشاف الحاسوب وأشباه المواصلات والشفرات،
ويقول عن الشفرات أنها كلمة السر الجديدة المبشرة بالعصر الإعلامي
الجديد، ثم ينقلنا في فصله الأول المعنون بـ "ظلمات الأنوار إلى
عهد التنويريين العرب الذين رموا مخالفيهم بالظلامية كما يقول الكاتب
ص7، وفي الفصل المعنون بعثات الاغتراب ينقلنا الكاتب إلى عصر محمد
علي باشا في مصر، ويحدثنا عن أولى البعثات العلمية إلى أوربا في
ذلك التاريخ، ويفرد لعصر النهضة اليابانية حيزا في فصله، وفترة تلك
النهضة تمتد منذ عام (1868-1912) ويقول عنها أنها كانت نهضة فعلية،
وفي الفصل الثاني يتحدث عن مفهوم الثقافة ويعرفها كما جاءت في لسان
العرب وعند الإنكليز والفرنسيين، وفي الفصل الثالث المعنون "صناعة
الثقافة كدين" ينقل لنا ما حدث في الثورة الفرنسية من ارتداد على
الدين المسيحي، وفي الثوار لرجال الدين المسيحيين إلى الجزر البعيدة
وإعدام القسم الآخر بالمفصلة، ويورد تصريح الثوري لاروفليير في السنة
الخامسة من الثورة الفرنسية: "عندما تتم الإطاحة بدين ما، مهما كانت
عدم صلاحيته للمجتمع ولا معقوليته، تحتم دائما إبداله بجينات أخرى،
فإن لم يبدل أمكن القول بأنه أبدل ذاته بذاته بتولده من حطامه. وانطلاقه
من هذا الفهم
لجدلية الدين، قامت حكومة المديرين الثورية باستحداث ديانة ثورية
أطلقت عليها اسم "محبة الرب" وهو حسب تعريف القاموس: "دين قام على
الإيمان برب قادر وطيب، من غير عبادة" ص17. ويورد اسم آخر لهذا الدين
يقول بحب الإنسانية، ثم يعرج الكاتب لانعكاس ذلك الدين الجديد على
إطلاق الناس في باريس بعد الثورة الفرنسية: "ثم نظر الثوار أحباء
الرب إلى الأخلاق نظرتهم إلى السيد الأحد. فإذا كانب المسيحية تدعوا
إلى العفة، فدين محبة الرب سوف يدعوا إلى الدعارة المفتوحة، وإذا
دعت إلى الحشمة فالأحباء سوف يدعون غلى العرين وهكذا مع باقي التعاليم
المسيحية، حتى غدا واضحا للملأ الثوري أن المؤمن بمحبة الرب المثالي
هو: من يعرف المسيحية معرفة راهب، ويتصرف كسلب ونقيض لهان لذلك أكثرت
الثورة من احتفالات الرقص. فرقصت باريس في كل مكان، في المقاهي،
في الصالونات، في الكنائسيين في الحدائق العامة فوق الأسطح على ضفاف
نهر السين. ثم وجد من ابتدع الموضة للرجال والنساء بأقل تغطية لَحْمِيَّةٍ
ممكنة وبأكثر إثارة لنوازع الجنس الغريزية. وانفجرت الرذيلة كنقيض
للفضيلة المسيحية في كل مكان، وبين سني 1795 إلى 1799 انغمس الفرنسي
الثوري في اللذة الحسية والسفاح حتى لم يكد يتميز عن القطط حول قمامة
الزبالة، في الأزقة المظلمة، واغتنى القاموس الثوري برصيد لغوي جذوره
كلها تدور حول كجامع ومجامعة، لقيط وملقوطة، خليل ومخلولة ، خادن
ومخدونة، خادع ومخدوعة "ص19".
ثم
ينقلنا إلى الثقافة، وتاثرها بالطبقة المسيطرة وينقل لنا مفهوم الفيرسة،
والفيروس الثقافي، والمثقف الفيروسي باستحضار شريط كل هذه الآليات
الفيرسية المخبرية بالأساس ونقلها بالاستعادة إلى ميدان الثقافة
على غرار ما تخصصت فيه المدرسة الثورية الفرنسية البذورية ما قبل
عصر الشفرة. فالمثقف الفيروسي هو: العميل المحلي الناقل لثقافة دخيلة
على بيئة الأصل، بغرض تفكيكها وإحلال الدخيل مكان الأصل. فالثقافة
تحتفظ بمظهرها الخارجي الذي الفه المجتمع، إلا أن المضمون العقائدي
تابع من مرجعية الدخيل. فالعميل يقابله المرتد والخائن والجاسوس
كمترادفات. فنحن لسنا هنا أما حالة تثاقف أو تبادل معرفي بين مرجعيتين
متكاملتين بغرض إغناء التجربة أو تنويع القهم وتعميقه كما في ثقافة
وولف، وإنما أمام حرب غير معلنة وخفية، غزو صامت بدون دوي او فرقعة
يتبعه تحلل وتفكيك وموت بطيء. "ص28".
أمس:
المكان الآن
ويكتب
د. العمراني عن الحداثة في الفصل المعنون: " الميتا اصولية الشافعية
حداثة؟ أم ما بعد حداثة؟" ويستهله بالقول: فإن كان هذا هو ما يطبل
وله يزمر ادباء آخر زمن، فلا شك أن طلبة القرويين والزيتونة والزهر
المغفلين فاقوا الحداثيين وما بعدهم ومن بعدهم، لأنهم منذ قرون
وهم لاشغل شاغل لهم سوى الميتا نقد، ونيتا نقد النقد، وميتانقد الميتانقد،
الذين يسمونها بلغتهم القديمة الشرح و "شرح الشرح" و "الشرح لشرح
شرح النص" إلى مستويات جيولوجية وأركيولوجية تمتد على مدى قرون ص47،
فهو في هذا المبحث يتابع حداثية النقد عبر شرح الشرح وفي أصول الفقه
عند الشافعية. ويقول عن كباب المحصول لأبي عبد الله محمد بن عمر
بن الحسين الشهير بابن الخطيب الرازي الشافعي (544هـ-606هـ) أنه
جاء تلخيصا لثلاثة كتب، هي على التوالي البرهان والمستصغي والعهد
وكتاب العهد في الأصول، حيث يكون المحصول بقراءة ابن الخطيب سوف
يخضع بدوه لقراءة ميتالغوية وميتانقدية.
وفي
الفصل الثاني عشر والذي جاء بالعنوان الكتاب ذاته، تضمن مقاطع من
كتاب أدونيس المعنون "أمس المكان الآن" الصادر في عام 1995 عن دار
السافي في لندن، ومن كتابه "الثابت والمتحول" الصادر في عام 1995
عن دار الساقي في لندن، ومن كتابه " الثابت والمتحول" الصادر في
عام 1974 بعنوان -الثابت والمتحول: تأصيل الأصول الطبعة الأولى الصادر
عن دار العودة- بيروت. ومن ذلك التضمينات، ما كتبه ادونيس: "قال
الراعش (في الأصل قال الشاعر ولكن مؤلف الكتاب قلتب الحروف رأسا
على عقب، متتبعاً النصيرية التي ينتمي إليها أدونيس والتي تقلب تسمية
القمر إلى مقلوبها الرمق).
-
قال الله، الأرض مهاد الإنسان "وسأجعل منها عرشا، ويكون التاج خليفة"
وثنى الواوين هو ذا العرش بهبا تحت سقيفة استفسر العقل الفعال :
إذا السقيفة عرش؟ من توج الإمام ***
قال
الراعش: وكيف أبايع من قال الله وقال رسول الله بأني أولى منه ما
حجتكم ضد الأنصار؟ بها أحتج عليكم.
النفري
والعربي اوالصوفية
ويناقش
د.محمد العمراني كتاب الثابت والمتحول للأدونيس بقوله: فتقمصات الرجل
هي عين التحولات وما كتاب الثابت والمتحول ببعيد عن هذه المعاني
-ويقصد المعاني التي يستخدمها أهل النصيرية الطائفة التي ينتمي إليها
أدوننيس في إشاراتها الاعتقادية- بل خصص للتحولات كتابا في كتاب
التحولات والهجرة في أقاليم النهر والليل، كما أن عقيدة وحدة الوجود
لها ديوانها عنده، كما يليق بابن الطائفة.
في مفرد بصيغة الجمع، فاطروحته
في "التصوف العربي" التي نال بها الستاذية من شعبة الفلسفة والآداب
من جامعة دمشق تجد استمرابيتها في المنح من كتاب الموافق والمخاطبات
لبي عبد الله محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري (ت364هـ) أو كتاب
الاسفار وكتاب التجليات وكلاهما لمحيي الدين محمد بن على ابن عربي
الحاتمي الأندلسي (ت:638هـ) الوحدوي الوجودي المشهود الكفر، وأب
كل المفككين على الإطلاق، والذي لملم مهابيله من مثل هذه البيئة
المستعدة بالتنشئة غلى الطيران إلى عوالم الخرفة والسطورة. ص87.
ويتابع صاحب الكتاب طرحه للمؤثرات الصوفية على أدونيس عبر أبي يزيد
طيفور بن عيسى البسطامي (المولود سنة 188هـ والمتوفي سنة 261هـ)
ويعيب عليه أنه ليس مبدعا، وأنه أعاد إنتاج ما كتبه الأولون، ويختم
قوله ذلك بقوله عن الذين يمارسون اللعبة اللغوية بدون معنى حقيقي:
"إذ مجانين اللغة في العربية لا يحصيهم عد، بعد مجنون ليلى... ولأنهم
على طول التاريخ لم يجدوا ما يضيفونه للغة غير التكرار والتخريف.
ص87.
معركة
حجازي وأدونيس ساهمت بنفاد الكتاب
ويورد
الكاتب فصلا في كتابه عن سيرة الشاعر أدونيس تحت عنوان " معالم ومحطات:
الأركان المظلمة للتنشئة والبيئة والموروث": يقول فيه: " ولد علي
أحمد سعيد اسبر في قرية قصابين السورية سنة 1930. تربى كما يقول
في بيئة نصيرية مشبعة بالمأثور الشيعي الشعبي. لم يلج مدرسة إلى
سن الرابعة عشرة وإنما درس على أبيه في المنزل شعراء الطائفة والشعر
القديم. في سنة 1944 نظم قصيدة شعرية أمام شكري القوتلي زعيم الاستقلال
عن فرنسا وأول رئيس للجمهورية أثناء مروره ببلدة جبلة القريبة من
قريته، في جولة قطرية، أعجب القوتلي بالقصيدة ومنح الشاب منحة دراسية،
فانتقل إلى العاصمة دمشق حيث سيحصل على البكالوريا بعد خمس سنوات.
التحق
بالجامعة السورية وتابع دراسته في شعبة الفلسفة والآداب بين سني
1950-1954 إلى أن نال الأستاذية بأطروحته عن الصوفية العربية، أثناء
إقامته بدمشق انخرط في الحزب القومي السوري الذي أسسه المسيحي أنطون
سعادة (1904-1949) وتعرف على زوجته خالدة سعيد التي كانت ضمن نشيطات
الحزب، وتزوجها في عام 1956 وانتقلا إلى لبنان وفي لبنان يتعاون
مع يوسف الخال في تحرير مجلة شعر، ذات الميول الاغترابية للفترة
(1957-1963) وافترقا (أدونيس ويوسف الخال) بعد ذلك، أو كما يقول
كاتب الكتاب " افترقا يلعن بعضهما البعض" وحصل أدونيس على منحة من
الحكومة الفرنسية للدراسة بالسوربون سنة 1960، وبعد نكسة 1967 أصدر
أدونيس من بيروت مجلة "موافق" ويقول الكاتب عن تلك المجلة: أنها
ظاهرة الشيوعيين العرب وتعاطفت مع شعرائهم في انعطاف بـ 180 درجة
كالنقيض للنقيض لموقفه الذي تبناه مع الخال في مجلة شعر. في سنة
1973 حصل أدونيس على دكتوراه من جامعة القديس يوسف ببيروت، وموضوع
الأطروحة كان الثابت والمتحول، الذي صدر ككتاب بعد ذلك.
يقول
عنه صاحب الكتاب: سيصدر ككتاب مَنِِفِِسْتُو لمشروعه التهديمي ضمن
مشاريع أصنام مثقفي تلك الفترة...ص 78. وفي عام 1975 يترك الشاعر
لبنان إلى سوريا، وفي عام 1986 يذهب إلى فرنسا ويعمل مع زوجته على
إصدار مجلة مواقف من هناك.
وتضمن
الكتاب إصدارات أدونيس وملابسات صدورها، وفصلا عن التصوف النصيري،
وعن علاقة الشاعر بأنطون سعادة، وعن أدونيس في السوربون وجامعة القديس
يوسف، وعن تأثيرات الثقافة الفرنسية بأدونيس. في حقيقة الأمر كان
عنوان الكتاب ملفتا للنظر، أما بالنسبة للمادة التي وردت فيه فهي
في الكثير من الفصول مكررة ومعروفة في الوسط الثقافي العربي والمغربي،
إلا أن تزامن وجود الكتاب في السوق مع ما أثارته زيارة أدونيس للقاهرة
من أصداء والمعركة التي حصلت بينه وبين الشاعر المصري أحمد عبد المعطي
حجازي أعطت الكتاب والمؤلف فرصة كبيرة في التوزيع والاهتمام من قبل
المثقف المغربي، المتعطش للمعرفة، وما يدور في العالم من حوله.
فيصل
عبد الحسن / كاتب مقيم في المغرب - الزمان - 16.04.1999