البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

جدلية البنيوية في الشعر العربي المعاصر

في غياب نظريات نقدية عربية ستظل دور النشر تصدر كتباً مترجمة عن مدارس النقد الغربية بهذه الكثافة اللافتة للنظر خصوصاً في حقول الألسنيات والبنيوية ومدارس ما بعد الحداثة بدءاً بـ"سوسور" مروراً بـ"رولان بارت ـ تودورف ـ جاك لاكان ـ ميشيل فوكو ـ جيرار جينت" وليس انتهاء بتفكيكية داك دريدا.

غياب النقد الأدبي ـ وغيره ـ عربياً يشير الى محدودية السؤال الذي ينتجه العقل العربي إذ طالما هبت موجات من التماهي مع مدارس النقد الغربية مدرسة إثر مدرسة وقد يمر عقدان من الزمن على رواج مدرسة غربية حتى يظهر كتابان في نقد نقدها مثل "المرايا المقعرة ـ المرايا المحدبة" لعبد العزيز حمودة... ينطويان على استعانة مستفيضة بنقد النقد الغربي لها. وفي ذلك سؤال في سلسلة من الأسئلة عن السؤال العربي في مطلع قرن جديد، لا مجال فيه ـ كما يبدو ـ للأجوبة الجاهزة.

عن مصداقيات الترجمات

وهي ما يقاربه ـ من حيث لا يحتسب د. غسان السيد في مقدمة ترجمته للكتاب الذي بين أيدينا حيث يشير الى ترجمتين لمقالة رولان بارت ذاتها "مدخل الى التحليل البنيوي للمحكيات" الأولى لـ أنطوان أبو زيد التي حفلت بأخطاء كبيرة وتعقيد ناجم عن عدم فهم المترجم لكثير من المصطلحات بينما كان جهد د. منذر عياشي في الترجمة الثانية أكبر وإن لم يخلُ من الأخطاء غير المقصودة نابعة من اختلاف فهم المصطلحات، وهذه ليست أول مرة ـ ولا آخرها ـ يتراشق فيها المترجمون بالاتهامات مما يضع القارئ العربي في التباس مزدوج، الأول نابع من ذهنية النصوص النقدية الحداثية الغربية، والثانية من تفاوت مستويات الترجمة التي تغمر المكتبات من غير تدقيق... في انتظار معجم عربي موحد للمصطلحات في كل المجالات بما في ذلك النقد الأدبي ولا أظن ذلك قريب المنال لافتقادنا الى هيئات أكاديمية مختصة وحتى يحين تأسيسها سوف تظل الأمور منوطة بالجهد الشخصي وحده.

التحليل البنيوي للمحكيات

يقرر رولان بارت أنه لا يمكن حصر المحكيات في العالم فهي حاضرة في الأسطورة والحكاية الخرافية والحكاية والقصة والملحمة والتاريخ والتراجيديا والدراما والكوميديا وفي المسرحية الإيمائية وحتى في اللوحة والرسم على الزجاج وفي السينما والبرلمان كما هي موجودة في المحادثة وفي كل الأزمنة والأمكنة حيث لا يوجد شعب دون حكاية.

المحكي حاضر مثل الحياة وهو عالمي متجاوز للتاريخ والثقافات ويضيف بارت: علمنا الشكلانيون الروس وبروب وكلود ليفي شتراوس أن المحكي إما مجرد كلام فارغ أو أنه يمتلك بنية قابلة للتحليل. ليتساءل: أين نبحث إذاً عن بنية الحكاية؟ يجعل رولان بارت من الإنجازات الألسنية نقداً منطلقاً لدراسته البنوية وفي موقفه العام أن اللسانيات قد غرقت في التصنيفات العديدة المتشابكة للمحكي، فإذا كانت اللسانيات قد اعتبرت أي خطاب ـ بما فيه المحكي ـ غير متحقق خارج الجملة يضع بارت الفرضية التماثلية التالية: المحكي جملة كبيرة حيث المحكي بنيوياً شريك الجملة دون إمكانية اختزاله الى مجموعة من الجمل، فلم يعد ممكناً ـ اليوم ـ تصور الأدب كفن لا يهتم بأي علاقة مع اللغة منذ أن يستخدمها كأداة للتعبير عن الفكر والعاطفة أو الجمال إلا يصنع الأدب ـ اليوم ـ لغة بالشروط نفسها للغة؟

وفي مستويات المعنى ينوه بارت بأن المحكي ليس مجموعة بسيطة من العبرات بل هي تتضمن عدة مستويات ولكل مستوى وحداته وعلاقته الخاصة به، لكن أياً منها لا يستطيع أن ينتج المعنى لوحده إلا إذا استطاع الاندماج بمستوى أعلى. وقد قرر كلود ليفي شتراوس في تحليله لبنية الأسطورة أن الوحدات المكونة للخطاب الأسطوري لا تحمل دلالة إلا لأنها تتجدد ضمن مجموعات تتوحد في ما بينها، واقترح شتراوس بالاستناد الى فكرة الشكلانيين الروس العمل النقدي على ثلاثة أقسام: أولاها القصة المتضمنة لمنطق الأفعال، وثانيهما: علم تركيب كلام الشخصيات وثالثها: الخطاب المشتمل على أزمنة الحكي وصيغه ونماذجه.

بينما يقترح بارت التمييز بين ثلاثة مستويات للوصف ضمن العمل السردي وهي: مستوى الوظائف ـ مستوى الأفعال ـ مستوى السرد لأن العمل يأخذ معناه الأخير من حقيقة أنه مسرود ومعهود به الى خطاب له قانونه الخاص به. وحول الشخصيات يشير رولان بارت الى نفور التحليل البنيوي من دراسة الشخصيات بوصفها ماهية، ومثلما ذكر تودورف فإن توما شيفسكي ذهب الى حد إنكار أي أهمية سردية للشخصية واختزلها (بروب) الى تصنيف بسيط قائم على وحدة الأفعال التي يمنحها لها المحكي ثم اقترح (غيريماس) أخيراً وصف شخصيات الحكاية وتصنيفها ليس وفق ما هم عليه ولكن وفق ما يفعلون. يتساءل بارت: من هو الفاعل "البطل" في الحكاية؟

قد يكون الفاعل مزدوجاً "حكاية عن عدوين" ولذلك لا نستطيع اختزاله عبر استبداله حيث لا تجد الشخصيات معناها إلا إذا دمجناها بالمستوى الثالث للوصف والذي يسميه بارت هنا مستوى السرد حيث لا توجد حكاية من دون سارد ومن دون مستمع أو قارئ.

يتساءل بارت هل السارد هو المؤلف الذي تتغير في داخله الشخصية باستمرار أم أنه سارد داخلي بالنسبة الى شخصياته لأنه يعرف كل ما يدور في دواخلهم وهو في الوقت نفسه سارد خارجي لأنه لا يتطابق مع شخصية أكثر من غيرها أو أن السارد من وجهة نظر "هنري جيمس ـ سارتر" عليه حصر حكايته ضمن حدود تستطيع فيها الشخصيات متابعة الحكاية والتعرف عليها.

يرى رولان بارت أن السارد والشخصيات معاً هم "كائنات على الورق" وكما يقول بينيفست: في المحكي لا يتكلم أحد. حيث الكتابة اليوم ليست فعل الحكي لأن دور الكتابة ليس نقل الحكاية ولكن إظهارها بشكل مختلف عما تفعله الآداب الشفوية وطرق الإلقاء وقوانينينها حيث لا يزال الأدب الطليعي اليوم يحلم بقوانين للقراءة كما أراد "مالارميه" أن يقرأ الكتاب أمام الجمهور وفق ترتيب محدد أو وفق علامات طباعية حاول "بوتور" ارفاق الكتاب بها.

يختم بارت دراسته بالحديث عن المحاكاة والمعنى حيث تندمج مستويات الحكاية بكل تعقيداتها ـ ليعطي وحدة الدلالة وصولاً الى المعنى، فإبداعية الحكاية تكمن بين قانونين: قانون اللسانيات والقانون فوق اللساني، فالحكاية تجعلنا نرى لأنها لا تحاكي، فالعاطفة التي تشعلها فينا قراءتنا لرواية ما، ليست هي عاطفة رؤية لكنها عاطفة معنى. ويخلص بارت الى أن المحكي معاصر للمناجاة الداخلية وهو إبداع لاحق للحوار، كما لو أنها دلالة الطفل الصغير الذي يخترع الجملة والحكاية وأوديب في الزمن نفسه.

 

الكتاب: من البنيوية الى الشعرية.

الكاتب: رولان بارت وجيرار جينيت.

ترجمة: د. غسان السيد.

الناشر: دار نينوى للنشر.


د. نزار عوني - المستقبل - الاثنين 29 آذار 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri