 |
عباس
بيضون |
الكتب
القاتلة
يتكلمون
في بلدان شتى عن ثقافة ما <<تحت المعاطف>> انها الثقافة
السرية التي تبدأ بالطباعة على الدكتلو وتنتهي بتوزيع الكتب المخفية
تحت المعاطف سراً والمرحلة اللاحقة هي نسخ الكتب او تصويرها حين
توجد الفوتوكوبي. آخر ما وصل الى علمنا عن هذه الثقافة مقال في
ملف في الكورييه انترناسيونال عن الصين يتكلم عن الشعر السري.
شعر ما تحت المعاطف هناك، ويقول ان هذه الموجة بدأت في الستينيات
واستمرت بتقطع الى ان خرجت من سريتها الى العلن في هذه الايام.
اول
ما افكر به هو ان ثقافة ما تحت المعاطف لم توجد عندنا بكفاية.
اعرف طبعا ان الدكتلو كان فعالاً في بلدان عربية شتى، مصر والعراق
بوجه خاص وليست الاسباب دائما سياسية. الكتب التي تطبع على الدكتلو
او يعاد تصويرها كانت في احيان كثيرة كتباً مفقودة. قد تكون ممنوعة
لكن المنع الذي ليس حديدياً وقد يتخذ مظهرا بيروقراطيا فينتج عن
جهل او عن حذر مخابراتي أو عن حساسية مفرطة. لكني افتش في رأسي
عن الكتب التي تصدر او تصوّر او تقرأ بمعركة فلا اجد كثيراً بالطبع.
اعرف طبعا ان ثمة كتبا اودت بأصحابها في العراق والسودان مثلا
لكن علمي بهذه الكتب قليل. الغريب ان شيئا كهذا لا يتحول حدثا
ثقافيا ولا نجد من يشهره ويعود الى حيثياته ويركزه في تاريخ ثقافة
احوج ما يكون الى مآثر كهذه. انتظرت بعد سقوط صدام حسين حديثاً
كهذا يفيض عن حديث الكوبونات لكنه لم يصل إلا لماماً وعلى نحو
جانبي. لا نعرف تماما من هو الذي خُنق او قضى في زنزانته لأنه
ألّف كتاباً اثار حذر الحاكم او خوفه او غضبه. او ان كاتبا قتل
لأنه كتب شيئا اثار غضب العامة او اهل التقليد او المتعصبين. لا
نعرف عن هذا القليل القليل ولا يبدو انه يشغل كثيرين ولا نعرف
لهذا سببا. قد نعرفه اذا فحصنا الكتب القاتلة واحداً واحداً. قد
تكون الى الآن تحديا يحسن الصمت عنه. قد تكون الى الآن إشكالاً
لم يفك التباسه. قد يكون السبب في الكتب نفسها والاشخاص انفسهم.
الكتب التي لا تزال تستفز او الاشخاص الذين لا يجدون من يتبناهم
او يضمهم الى مآثره او من يعلن مسؤوليته عنهم او مسؤوليتهم عنه.
هؤلاء قضوا ولم يعد لديهم الوقت الذي يدلون فيه ببيان. وإذا كان
موتهم لا يزال يحرج او يستفز فإننا لا نعرف متى يغدو لنا تاريخ
حق، ومتى تخرج امور من حومة الالتباس لتوضع في ذمة الزمن ولتقال
لنا او علينا بلا فرق. قد يكون هؤلاء هم الضحايا مرتين او ثلاثا،
او ضحايا الجميع، او ضحايا انفسهم، او شهداء اللاأحد. لكننا نحتاج
الى ان نتعرف على هذه الكتب القاتلة ونفهم فيم قتلت ولماذا لا
تزال تقتل اصحابها او تبقيهم مغمورين في زنازينهم التي خنقوا فيها.
أفكر
احيانا بين المزاح والجد ان دعوى ابن المقفع لا تزال معلقة وانها
لم تجد من يمحص فيها تماماً. لقد جرى حولها أدب كثير ثوري في الغالب،
لكن الدعوى نفسها لم تدرس كفاية ولم تتحول الى رمز كما هي دعوى
سقراط مثلاً. لا نعرف بالطبع خطاب ابن المقفع إذ ان واحداً كأفلاطون
لم يتصدّ لتحريره او ابتكاره لا فرق. لا نعرف ايضا شيئا عن دعوى
بشار بن برد ولعلنا نأخذها احيانا بالمزاح والفكاهة ككل ما في
حياة بشار، ولنذكر ان الفصل الذي عقد له في الاغاني يظهره كأنه
عدو الشعب وعدو المدينة وأن نهايته تكاد تكون من صنعه، وأن القتل
المرير الذي تعرض له اقرب الى ان يكون واحدة من نكاته. هذه امور
لا أسوقها إلا لأقول ان هذا جانب من تاريخنا الثقافي لم يعد هادي
العلوي للأسف حيا ليكتبه. الارجح ان لدينا في الحاضر من هذه الدعاوى
المعلقة اكثر مما لدينا في الماضي. أقرأ احيانا في هامش مخصص لاسم
مغمور بالنسبة لي انه اعدم او مات في السجن او جهل مصيره. هذا
بالنسبة للعراق بالطبع امر معتاد، لكن المخيف طبعا ان يغدو بالنسبة
لنا عادياً، وأن نعده في جملة ما نعد اموراً ليس من السهل تمحيصها
او إحصاؤها. من المخيف ان تتحقق إرادة الديكتاتور في من اعدمهم،
او ارادة زمرته في من أعدموا، وأن نضع هؤلاء حيث وضعهم هو اي في
القبر الذي لا مخرج منه إلى ضوء او الى علن أو الى ذكر. ذلك بالطبع
يثقل ضمائر الاحياء، وهي ضمائر أحسبها مثقلة الى حد فائض والى
حد لا يعود معه ممكنا التفكير في كل هذه القضية.
ثقافة
تحت المعاطف هذه اظن انها وجدت. احسب ان نصوصا ما كثيرة دارت تحت
المعاطف او بقيت تحت المعاطف ومن الغريب ان لا تصل الى علمنا.
من الاعجب ان يدعيها أناس بعد الخروج وأن يصدروا عقب سنوات نصوصا
يزعمون انها كانت في ما بينهم وبين انفسهم اعتراضات على الطغيان.
بينهم وبين انفسهم. ليسمحوا لنا، فليس للمرء بينه وبين نفسه زمن
محدود. لا نجزم بالعكس فهذا اقرب الى البداهة والعادة. نفضل ان
نجزم بوجودها وننتظر من يتصدى لنبشها وتأريخها. لكن علينا ايضا
ان نفي بالمعلوم. لهؤلاء الذين يعرف الجميع انهم قضوا شهداء كتبهم
ثم انطوت القضية معهم ونحن الى الآن نعرفها توهيماً ونعرفها سماعاً
ولا ندري كثيراً عن تفاصيلها وخفاياها.
بل
إن ثقافة الدكتلو هذه ايضا مغمورة شفاهية. نحسبها غالباً مسألة
تقنية ولا نعدها شأناً ثقافياً. لا نفهم كم ان ثقافة تحتية كهذه
تفعل وتنسج تحت الأرض وفي الهوامش أمراً موازياً. لا نفهم لماذا
كل هذا الكلام عن المثقف والسلطة والمتن والهامش في غياب امور
كهذه. بل لا نفهم ان غياب امور كهذه او قلتها او ندرتها بحد ذاته
سؤال كبير عن علاقة المثقف بالسلطة وعن فاعلية الثقافة او معارضتها
الحقة. خاض الشعر الجديد في الصين مخاضا عسيرا ليصل الى النور.
لم يكن هذا تاريخ الشعر الحديث عندنا. سؤال على السلطة وعلى الشعراء.
لنسألهم مجدداً لمن تصدوا حقاً ومن تصدّى لهم حقاً وهم يطلقون
كل هذا الكلام عن الثورة والتدمير والحرية؟
عباس بيضون -
السفير - 09.04.2004