البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

ريلكه
رؤية تمزج الحدس الصوفي بنقد الحداثة

هل تشبه الترجمة عبر لغة وسيطة قبلة من وراء الزجاج حقا؟ واذا كان النص ـ المترجم علي وجه التحديد ـ نصا شعريا هل يصبح حينئذ هو الآخر قبلة من وراء الزجاج؟ خاصة وان القبلة علي ضفاف الغربة، تظل قبلة ولو في الهواء او من وراء الحديد. ولكن قد تكون للقبلة من وراء الزجاج مزايا، فلا جراثيم ولا بكتريا، ولا احباط! خطوة تهزم الوهم بالوهم، صحو مؤلم مقابل سكر مستمد من خداع التجربة ومغالطات اللغة.

ولعل صدور هذه الترجمة الجميلة لمختارات من شعر الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه عن المجلس الأعلى للثقافة يعد تجربة مثيرة للشاعر المترجم حسن حلمي، والتي استغرقت منه ما يزيد علي خمس سنوات، وهو المترجم نفسه الذي قدم من قبل أشعار ييتس وبورخيس ووليم بليك. وفي الحقيقة ان أشعار رلكه تمثل صعوبة خاصة حتي مع الناطقين باللغة الألمانية نفسها، هذه الصعوبات تتمثل في طريقة رلكه في التعامل مع اللغة وتراكيبها، وهناك صنف آخر من الصعوبات يشخصه مايكل ديردا في هذا الوصف:
يظل عشق شعر رلكه اسهل من فهمه، فهو تجريدي، ورع، يستعصي علي الترجمة، وقور، مهووس بالموت، وأحيانا يثير السخرية عن غير قصد.
ولا شك ان خصوصية شعر رلكه ـ وهو اهم شاعر الماني بعد جوته ـ مرتبطة بتصوره الفريد عن الشعر والتجربة الشعرية، فالأشعار ليست كما يتصور الناس مجرد احاسيس، بل هي تجارب، ففي سبيل قصيدة واحدة لا بد للمرء ان يري مدنا واشخاصا واشياء كثيرة، ولا بد للمرء من ان يعرف الحيوانات، لا بد له ان يعرف كيف تطير العصافير ويعرف الايماءة التي تتفتح بها في الصباح صغار الزهور.
ويتركز شعر رلكه الاصيل ويثبت عنفوانه في كتيبين جمعا بصبر وأناة هما: مراثي دوينو وسونيتات الي اورفيوس، الطريق الطويل الذي يقود الي الشعر طريق يتم فيه الاستكشاف علي نحو شعري، واثناء السير في هذا الطريق، يدرك رلكه املاق الزمن ادراكا واضحا، فالزمن يظل مملقا ليس فقط لان الاله قد مات، بل لان الفانين كما يري هيدجر ـ لا يكادون يدركون حتي فناءهم ولا يكادون يقدرون عليه، وهم لم يتمكنوا بعد من السيطرة علي طبيعتهم، فالموت ينفلت الي عالم الأسرار، ولغز الألم يظل لغزا، والحب يظل مجهولا، لكن الفانين موجودون، انهم موجودون في وجود اللغة، فما يزال الغناء يخيم علي هذه الأرض الفقيرة وما تزال كلمة المغني تحتفظ بأثر القداسة.
ويمكن للمرء ان يتبين في رؤية رلكه مزجا بين حدسه الصوفي ونقده للحداثة: فاقتصاد الإنسان يناهض هبة الطبيعة، والشاعر شهيد يتألم كي يخلص عالما متألما، ويتمثل وعي رلكه باملاق الزمن وافلاسه علي وجه الخصوص في صيحة ادانة ترد في المرثية التاسعة:
هذا زمن تموت فيه الأشياء
التي نحبها وتندفع الأشياء التي لا نحبها
لتحل محلها: ظلال تلقيها ظلال.
ويمكننا ان نكتشف من خلال أشعار رلكه تصوره عن الإنجاز الشعري، ذلك التصور الذي يري ان للشاعر قدرة خاصة علي ان يستخلص عسل الرؤيا من طلع التجربة، وهو يعبر عن هذا التصور، نيابة عن الشعراء، في قوله: نحن نحلات الخفي، نتفاني في تجميع عسل المرئي لنودعه في الخلية الذهبية العظمي، خلية الخفي. بهذا يغوص الغناء في اعماق الوجود ، وهكذا تتحقق تلك الوحدة العظمي في عملي ركله المهمين مراثي دوينو وسونيتات الي اورفيوس هذين العملين اللذين يكمل كل منهما الآخر، رغم اختلافهما من حيث الشكل والمنظور، ويبدو ان رالف فريدمان محق تماما في تعليقه علي المجموعتين بقوله اذا كانت السونيتات رمزا مركزا لتراجيديا العشق عند رلكه ـ رمزا لتراجيديا الشهوة، والرفض والفن ـ فان المراثي جعلت من هذه التراجيديا سردا فلسفيا منظوما . ورغم ان الشعر في المراثي والسونيتات لا يمكن ان ينقلب فلسفة، فان الشاعر يحاول في المجموعتين ان يحل بالاستبطان، معضلة الوجود التي يطرحها الفناء، عموما والحداثة خصوصا.
ويشير المترجم حسن حلمي في تقديمه للكتاب الي ان بداية ظهور اهتمام رلكه بأسطورة اورفيوس اول ما ظهر في رائعته اورفيوس: يوريدس ـ هرميس تلك القصيدةالتي مزج فيها السرد بالغنائية مزجا موفقا يبعث علي الاعجاب. وكان مصدر الهامه نقش يمثل مأساة اورفيوس، كان قد رآه في نابولي سنة (1904) وسيعود رلكه الي هذه الاسطورة بعد ذلك بنحو ثماني عشرة سنة (1922) حين يشرع في تأليف سونيتاته الشهيرة، وقد اكتملت هذه المجموعة (خمس وخمسون سونيتة) في وقت قصير بالمقارنة مع المراثي التي لم تكتمل الا بعد مضي اكثر من عقد علي البدء في كتابتها، ومصادر الالهام هنا متنوعة. فبالاضافة الي النقش الذي سبق ذكره والذي الهم الشاعر قصيدته اورفيوس ـ يوريديس ـ هرميس ، هناك بطاقة بريدية عليها لوحة لتسينادا كونيليانو، كانت قد تركتها له صديقته بالادين كلوسوفسكي ـ وهناك حدث مأساوي أثر في الشاعر تأثيرا عميقا، والحدث هو وفاة فيرا اوكاما كنوب في التاسعة عشر من عمرها إثر اصابتها باللوكيميا ، وقد كان الشاعر صديقا لوالديها ، وكانت فيرا في طفولتها صديقة لابنته روث، وكانت راقصة لكن المرض جعلها عاجزة عن مواصلة الرقص فاتجهت في آخر ايامها الي الموسيقي، وخلد الشاعر ذكراها بأن جعل اسمها يتصدر صفحة العنوان واخيرا هناك ترجمة فرنسية لتحولات اوفيد أهدتها بالادين الي الشاعر بمناسبة أعياد سنة 1920.
ومأساة أورفيوس، شاعر ثرايس كما يرويها اوفيد، تبدأ حين تلدغ حية عروسه يوريديس في يوم عرسها فتنخسف بها الارض وتهوي الي عالم الاموات السحيق ، كانت لوعة الشاعر وحداده علي الفقيدة من الحدة بحيث تجرأ علي اقتحام العالم الاخر، ففي محاولة لكسب عطف الموتي يلج بوابة ترتروس ويعبر نهر ستكس ويظل سائرا وسط الاشباح الي ان يبلغ مقام برسفونة وزوجها هاديس اللذين يبسطان سلطانهما علي العالم السفلي، فيقوم أمامهما بمرافعة خطابية مؤثرة يتمكن بها من اقناعهما بالموافقة علي ان يعيد اليه عروسه غير انهما يشترطان أن يتقدمهما وهما يغادران العالم السفلي، والا يلتفت لينظر اليها قبل ان يصلا عالم الاحياء، والا فأن الهدية ستنزع منه. يظل الشاعر سائرا أمام عروسه في الطريق الوعر الذي يلفه الصمت والظلام، ولكنه يلتفت قبيل نهاية الرحلة ليطمئن عليها فتهوي عائدة الي العالم السفلي.
وهكذا يفقدها ثانية الي الابد. يفقد الشاعر صوابه ويحاول أن يعبر نهر ستكس ليلتحق بها ثانية ولكن شارون، النوتي العجوز يصده بعنف فيمكث علي ضفة النهر سبعة ايام يائسا منهارا، مهزوما، ثم ينسحب الي مرتفع شاكيا من قسوة آلهة اريبوس، يظل علي هذه الحال لثلاث سنوات، ويظل نافرا من النساء زاهدا فيهن، اما بسبب تجربته الأليمة او لأنه آلي علي نفسه ان لا يقربهن، ومع ذلك تكتوي نساء كثيرة بالرغبة في الزواج من اورفيوس. ويغتظن كثيرا لانه يصدهن، وقد كان اورفيوس يغدق حنانه علي الغلمان اليافعين، ويستمتع بازهار ربيعهم القصير، وكان اول من نشر هذه العادة بين اهل ثرايس وعلي تل من التلال، تل به منبسط مرج تسطع فوقه الشمس فلا تجد به ظلا تفيء اليه، يجلس سليل الآلهة، الشاعر اورفيوس، وما ان يشرع في العزف علي قيثارته حتي تبرز من العدم فجأة اشجار اسطورية معجزة، وتمتد لتبسط ظلالها الوارفة علي المكان، وعلي النغمات الاورفية يتوالي موكب البلوط والحور والسنديان وكل اشجار وازهار ونباتات التحولات لتذكر بحكايات مثيرة ومؤثرة عن عواطف الآلهة والفانين.
يهذه الاغاني يستميل الشاعر الغابات والصخور فتتبعه، وبها يأسر الخلائق في الآجام، وتلمحه فجأة من سفح التل، نساء كيكونيا، تلك المهتاجات اللواتي يغطين صدورهن بجلود الحيوانات. تقول احداهن: انظرن! هو ذا الرجل الذي يحتقرنا!، وتهاجم النساء المسعورات الشاعر وينهلن عليه بكل ما أوتين من اسلحة، تتجنب القذائف، في البدء، هدفها لان نغمات الشاعر تجعلها تنتشي طربا فتقع عند قدميه اعجابا وتكريما، لكن صخب عابدات باخوس يزداد فيطغي علي انغام اورفيوس ويغرقها، وهكذا يسقط الشــــــاعر ضحية لوحشية النســــــــوة فيشــــوهن جثته ويفصــــلن رأسه عن جسده، تلقي النــــسوة بقيثارة الشاعر ورأسه في نهر هبروس، واذ تجرفهما المياه تصدر عن اوتار القيثارة انغـــــــام شجية، ويرتل اللسان الميت مرثية حزينة، تقيم الطبـــــيعة حدادها علي الشاعر فتبكـــيه الحيوانات والنباتات والطيور والأزهار وكل الخلائق التي طالما طربت لشدوه، فتفيض الانهار دموعا، وتدمـــــع الاشجار اوراقا حزنا لفقده، وتهبط روح اورفيوس ثانية الي هاديس، ويتذكر كل الاماكــــن التي مر منها في رحلته السابقــــة، وهكذا يمضي الي ان يعثر علي يوريديس فيخاصرها ويرتعان معا في حقول المنعمين، يسيران احيانا جنبا الي جنب، ويسير هو احيانا خلفها، او تسير هي خلفه، لكنه الان لا يستطيع ان يلتفت اليها متي شاء دون ان يفقدها.
ولعل الفرق الجوهري بين مراثي رلكه وسونيتانه هو حرية الأولي في مقابل انضباط الاخيرة، فالسونيته ـ وان تنوعت انماطها ـ قالب قار من حيث الوزن والتقفية وعدد الأبيات، اما مراثي رلكه فيجوز وصفها، بتحوير عبارة ووردزورث الشهيرة بأنها استحضار حر للعواطف ويلاحظ روبرت هنتر ان السونيتات التي تزامنت كتابتها مع كتابة الاجزاء الاخيرة من المراثي، والتي كان رلكه يصفها بانها أشرعة خمرية صغيرة ــ تكمل حبال الاشرعة في هيكل السفينة، ويقول هنتر مقارنا بين المجموعتين:
مراثي دوينو شكل من نظم حر غير مقفي، أما سونيتات الي اورفيوس فهي أناشيد متميزة مصقولة تتراوح في تنوعها بين التعالي والمشاكسة، مستوي بعضها رديء مقارنة بمستوي غيرها، فكأن يدا مختلسة أضافتها زورا واعتقد ان السبب في ذلك هو أن قيمتها العاطفية لدي ريلكه كانت عظيمة لانها كتبت في وقت حداده علي صديقة شابة، الراقصة فيراكنوب، وانها ضمت الي المجموعة اكراما لها.
ويري هاوارد لاندمان ان السونيتات، مقارنة بالمراثي التي هي أكثر رزانة، مازحة، منشرحة، رغم انهما معا يتناولان نفس المواضيع. وتنظم السونيتات في جزأين: يضم الاول ستا وعشرين قطعة، ويضم الثاني تسعا وعشرين ، وينطلق المسار في الجزء الاول من الشجرة المتسامية التي يتجلي فيها التعالي الخالص وهي شجرة معجزة تبرز الي الوجود فجأة استجابة لانغام اورفيوس ويمضي المسار ليمر باربع وعشرين محطة لكل واحدة منها طابعها الخاص الي ان يصل الي المحطة الاخيرة التي يقدم بها وصف ملحمي مؤثر لمقتل أورفيوس.
أما البداية في الجزء الثاني من السونيتات فمن النفس، من قصيدة خفية تحقق فيها الذات وجودهـــا ايقاعا والنفس يعادل anima الاصول اللاتينـــــية العريقة حيـث تتجاوز الكلمة حرفيتها لتدل ايضا علي النفس والروح وكل مايجعل الحياة، الحركة، الوجود ممكنا، والنفس في هذا السياق يحيل الي روح النغم او الموسيقي، تلك الروح التي اعتبرها نيتشة منشأ التراجيديا.
وينساب النفس الخلاق عبر السونيتات الجزء الثاني ليبلغ منتهاه توازيا مع الجزء الاول في اورفيوس، الشاعر الشادي الذي يوسع نفسه الفضاء والذي يظل في هدوئه صامدا ، معارضا ، معاكسا مفارقا يتحدي الارض الساكنة قائلا: انا اتدفق ويعارض الماء الدافق قائلا: انا باق، بهذا تكتمل الدائرة الثانية.
وبين البدء والمنتهي يصادف القارئ العذارى وسط شموع خافقة الالسن، ويصادف أسرار المرايا تعكس نرسيس كما تعكس العذاري ويصادف وحيد القرن: الحيوان الخرافي الذي يفض عذرية الصبايا وعذرية المرايا، ويصادف شبق الزهر الذي يفتح شقائق النعمان لتتلقي نور السماء، ويصادف الوردة المتوهجة التي تتفتح بتلاتُها قوافي لا حصر لها، والزهور المقطوفة مصدومة ترعاها ايدي عذاري يشاطرنها التفتح. ويصادف كما في الواقع او الأسطورة ــ أعمدة الكرنك والزخارف والتصاوير علي السجاد الفارسي والأسماك البكماء وصيحة العصفور والشوق المتواثب وعذوبة الهلاك اليانع.


الكتاب: مختارات شعرية
المؤلف: راينر ماريا رلكه
المترجم: حسن حلمي
الناشر: المجلس الأعلى للثقافة

 

نجاة علي / القاهرة ـ القدس العربي


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri