حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"مقال فى ما بعد الطبيعة"
للفيلسوف الألمانى لايبنتز فى ترجمة عربية لأول مرة

أهمية العودة إلى الأعمال التأسيسية لفلسفة الحداثة

ظهر فى الآونة الأخيرة عدد من الكتب التى تناولت فلسفة الحداثة عند من عرفوا بالفلاسفة الديكارتيين. وقد وجد القارئ العربى بين يديه بعض الترجمات الأمينة لبعض النصوص الفلسفية المحورية، بعضها لديكارت وبعضها لإسبينوزا، هذا بالإضافة إلى بعض الدراسات التى كرست لأعمال هؤلاء.
وفى هذا السياق يندرج صدور الترجمة العربية الأولى لكتاب "مقال فى ما بعد الطبيعة" للفيلسوف الألمانى غ. ف. لايبنتز G.W.Leibniz عن دار الثقافة للطباعة والنشر، بجمهورية مصر العربية، وذلك ضمن سلسلة مشهورة هى "سلسلة النصوص الفلسفية". وتهتم هذه السلسلة بترجمة أعمال كبار الفلاسفة (أفلاطون ،هيراقليطس، ديكارت، لايبنتز، باركلي، هيغل، هايدغر، هوسرل، برتراند راسل...) يشرف عليها باحثون وأساتذة متمرسون فى الحقل الفلسفى نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: د.إمام عبد الفتاح إمام، د.عثمان أمين، د.عبد الغفار مكاوي، د.أحمد فؤاد كامل... وغيرهم ممن لهم باع فى الفلسفة، ووعى عميق بلحظاتها الأساسية، وحس بالحداثة باعتبارها فكرا تأسيسيا.

ونحن اليوم إذ نضع بين يدى القارئ العربى مصدرا مهما من مصادر الفلسفة الحديثة، نأمل أن يساعد ذلك فى ملء الفراغ الحاصل فى المكتبة العربية فى هذا المجال، وأن يحفز الباحثين والمفكرين العرب والمشتغلين بالفلسفة على الإسهام فى معركة الحداثة. وقد دفعتنا إلى ذلك أسباب عدة:
أولها أن هذا الكتاب هو عبارة عن موسوعة فلسفية مصغرة، جامعة لمكونات النسق الفلسفى عند لايبنتز وهي: الفيزياء، والمنطق، وما بعد الطبيعة. كما أنه قد كتب فى فترة اتسمت بأهميتها التأسيسية لا فى مجال العلم والفلسفة فحسب، بل وفى مجال الاقتصاد والسياسة لأنها مثلت لحظة انبعاث لمجتمعات الغرب، ونقلة نوعية فى مضمار التقدم. ذلك أن السمة العامة لهذه المرحلة هى أنها حاولت أن تقدم لنا فكرا افتتاحيا pensژe inaugurale لم تستطع الثورات العلمية والفلسفية اللاحقة أن تتجاوزه تماما أو تقطع معه كما تجاوزت هى وقطعت مع العهد القديم والوسيط.

ثم أن النزر اليسير من الدراسات التى تناولت فكر الفيلسوف لم تكتشف حتى الآن سوى الجانب الميتافيزيقى وخاصة ما يتعلق منه بنظرية "الجوهر الفرد"، دون الأخذ فى الاعتبار محددات هذا الجانب من المنطق وما بعد الطبيعة. ومن ثم فإن هذه الدراسات قد عملت على اختزال فكر الفيلسوف فى بعد واحد من أبعاده فحسب، ولم تتفطن إلى الجانب العلمى الذى قد يعادل كما، ويفوق فى دلالته التاريخية على الأقل، الجانب الميتافيزيقى فى أعماله. كما أنها لم تقدم لنا فكرة واضحة وناجزة عن الارتباط المحكم بين الجوانب الثلاثة التى تكون العمود الفقرى لفلسفة لابينتز. ونحن وإن كنا لا نربأ بأنفسنا عن الوقوع فى هذا التقصير، لأن اكتشاف الجانب العلمى بكل ثرائه وتنوعه لا يزال مطلبا بعيد المنال، قد حاولنا مع ذلك البحث فى هذا الجانب بشكل مختصر من خلال النقد الذى وجهه لابينتز إلى العلم الجاليلي- الديكارتى وخاصة إلى نموذج الهندسة والميكانيكا، العزيز على الديكارتيين، مبينا قصور ذلك العلم فى جوانب عديدة. فلم يكن حوار الفيلسوف مع نيوتن وغاساندى وديكارت، فى المسائل العلمية الدقيقة، أقل حدة ولا أقل شأنا من مساجلاته مع آرنولد والمدرسة الديكارتــية فى المسائل الميتافيزيقــية والدينية. فما ظنك بمن يعزى إليه اكتشاف "حساب متناهى الصغر" calcul infinitژsimal بالتزامن مع نيوتن، وتطوير الآلة الحاسبة التى اخترعها باسكال...؟!

ہہہ

وإذا أردنا الآن أن نستطلع الواقع العربى الراهن من منظور العقل الكونى وما يجسده من مقولات مثل "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" و"العولمة"، لأدركنا أن الذى يسود هذا الواقع هو التحجر و"تنمية التخلف" dژveloppement de sous dژveloppement الذى يتمثل فى إعادة إنتاج البنيات التقليدية ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.
وعلى الرغم من ادعاء البعض من أننا نشارك بالفعل فى "الإرث الإنسانى المشترك"، سواء من خلال التعميم القسرى لأنماط الاستهلاك المختلفة، وجميع أنماط التعبير الثقافي، زاعمين أن مشاكلة المصنوع، والتكيف معه أولى وأيسر من مثاقفة الصانع والإذعان له، إلا أن الحداثة بهذا المعني، تظل فى كلتا الحالتين مجرد مطمح أو مشروع يطفو على السطح، ولا ينفذ أبدا إلى العمق.

إن المشاركة فى ما بعد الحداثة، والتمتع بثمار العولمة، هى أشبه ما تكون بقفزة فى فراغ إن لم نأخذ فى عين الاعتبار ضرورة الإسهام فيما يؤسسها وهو الحداثة التى ينبغى أن تأخذ عندنا اتجاهات مختلفة: فكرية (أيديولوجية) واقتصادية وسياسية.
وهذا ما يؤكد حاجتنا فى المنطقة العربية إلى سلاح العقل لمواجهة الثالوث المشؤوم الذى يتمثل في: الفقر والعولمة والاستبداد. لا لأن الحد الأوسط من هذه الحدود الثلاثة سيء فى ذاته، أو حسن فى ذاته، بل بالنظر إلى وضعنا الراهن والحالة التى نحن فيها. فنحن نحتاج، فى المقام الأول، إلى سلاح يخرجنا من مأزق الفقر والجهل والمرض، ويحقق التنمية الشاملة، ونحتاج، فى المقام الثاني، إلى التعامل مع الهزات الارتدادية التى أحدثتها وتحدثها ظاهرة العولمة باعتبارها العنوان البارز للمرحلة؛ كما نحتاج، فى الأخير، إلى معالجة الوضع الداخلى بما يضمن إعادة تنظيم العلاقة بين "الخارج" و"الداخل": الخارج (العولمة "القووية" التى يتحدد فيها الحق بمعيار القوة والانتماء للحلف)، الخارج الذى يلتهم الداخل ويستحوذ عليه بدعوى الاختلاف والتعدد، وحماية الثقافات الفرعية؛ والداخل (الدولة القطرية) الذى يعبث بأجزائه ويحبس أنفاسها تحت ستار الهوية والخصوصية الثقافية. ذلك هو الخيط الرفيع الذى يربط بين العولمة والاستبداد. فهل يمكن الخروج من هذا المأزق بدعم الخارج على الداخل؟ ألا نكون فى هذه الحالة كالمستجير من الرمضاء بالنار؟

إن الحل الصحيح هو الذى تقدمه الفلسفة، وهو البحث عن "مشروع سلم دائم" بين الخارج والداخل، لأن مصيرنا ومصير الأجيال المقبلة رهين بتحقيق ذلك المشروع.
إن حل معضلة الجدل الثنائى بين الخارج والداخل فى طبيعة المونادة يصلح كذلك لتطبيقه على الواقع العربي، فالمونادة هى ذلك الجوهر الذى لا يكون منفعلا وقابلا بأى حال من الأحوال، بل فعالا ومنتجا على الدوام. وذلك هو ما يقتضى منا التغيير الدائم والمتدرج، وخلق فاعلية ذاتية تضمن لنا الديمومة والاستمرار فى عالم إما أن تأكل فيه أو تأكل. و لا بد لهذه الفاعلية من أن تتضمن الإجراءات الآتية:
ــ خلق منطقة حرة للعقل تعمل على تشجيع الإبداع والنقد.
ــ سن منظومة حقوقية كفيلة بضمان الحقوق وصون الحريات.
ــ إنشاء سوق مشتركة، وخلق قدرة تنافسية من شأنها الرفع من مستوى المنتوج المحلي.
ــ وضع آلية سياسية تضمن التداول السلمى للسلطة بشكل يمنع نشوب النزاعات والحروب الأهلية..
عندها وعندها فقط، لن يكون هناك خوف من أن يلتهم الخارج الداخل ويهيمن عليه فيسحقنا الجبار كالنمل تحت أقدامه، ولا من أن يعبث الداخل بأحشائه وهى فى كل الأحوال جزء لا يتجزأ منه.


ہ أستاذ الفلسفة بجامعة المرقب/ليبيا، وهو مترجم كتاب "مقال فى ما بعد الطبيعة" الذى يتحدث عنه هنا.

 

د. البكاى ولد عبد المالك - العرب أونلاين - 19.05.2004 -
E-mail: ouldabdelmalik@yahoo.fr


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri