حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الإبداع الأدبي في اليابان
اختبار للعقيدة وفن للمواجهة

يرى الكاتب" كيجيما هاجيمي " أن الأدب الياباني وخاصة الشعر والقصة انبثقا من وسط رماد الحرب، فخلال فترة الحرب لم يكن هناك من الشعراء الذين لم يتأثروا بالنشاطات العسكرية القومية المتطرفة إلا القليل جداً، فقد عبيءّ جميع الشعراء تقريباً ليكتبوا قصائد تشجع على الحرب، وقد شاركوا تلقائياً أكثر من أن يكون ذلك إجبارياً، في هذا النوع من الجهد الأدبي، وبالطبع، لم يكن باستطاعة أية أعمال أدبية عن المحنة أن تنشأ من مثل هذه النشاطات، ولذلك عندما قهرت القوات الحليفة اليابان عام 1945، لم يكن هناك أساس يمكن أن يقوم عليه الشعراء الجدد، عدا ما يدعى " الديمقراطية الموهوبة " رماد، فراغ، وديمقراطية موهوبة، ولكن ما من شيء إبداعي يمكن توقعه من ذلك ( 1 )

بينما يرى الكاتب الروائي الياباني" كنجي نكجامي " في دراسة بعنوان " وجه اليابان الخفي " أن النخب متهيبة من كل ما يصدر عن الشعب الياباني ومن باب الحيطة تفضل الطوائف الحاكمة استلهام كل ما هو أجنبي، وهذا ما يفسر كون اليابان منذ القديم ميّالاً إلى الاستيراد: البوذية من الصين وكوريا ونظام الحالة المدنية من فرنسا والنظام العسكري من ألمانيا والتقانة من الولايات المتحدة، قبل الحرب ابتدع الطلبة اليابانيون أغنية مشهورة عنوانها " دكنشو " وهو منحوت من أسماء ديكارت وكانط وشوبنهاور، أي الفلاسفة الثلاثة الذين كان الطلبة يخصصون لهم جلّ وقتهم. إن الانتلجانسيا اليابانية باقية تحت تأثير دكنشو آخر مستحدث.إذ يكفي استبدال ثلاثي الثلاثينات " بماركس وفوكو وسارتر ". أن هذه النخبة اليابانية التي تبدو في الغالب على غاية من الصلف والزهو هي في الواقع تابعة للغرب تماماً، وهذا الولاء المفرط للثقافة الغربية وازدراء الثقافة الشعبية متكاملان، ويتعلق الأمر في كلتا الحالتين بالحفاظ على سلطة النخب المطلقة على الشعب ( 2 )

بينما يرى الروائي الياباني "جينشيرو تانيزاكي" ضرورة البحث عن الأسطورة بعيداً عن سحر الغرب، وتركيب عالم خيالي يلتقي فيه الشرق والغرب، بعد أن ولد في خيال الكاتب وصار دعامة لصورة موحدة حيث يتقابلان ويندمجان مع بعضهما متصادمين أو مكملين لبعضهما البعض بتجدد دائم تغذيه قوى لا تقاوم من الإبداع" ( 3 )

الأدب العريق والجميل وجهت "راشومون" صدمة كبيرة لطلاب الفن ورواد حرفة الكتابة والمطالعة، ثم جاءت ترجمات أخرى عن الأدب الياباني في مجال القصة القصيرة والرواية والشعر، نتاجات مختلفة تكشف عن أدب قوي وفكر عميق، مضامين شفافة ذات حس إنساني وأشكال متقدمة كثيرا وذات فضاءات ساحرة فيها رمز الأسطورة الشرقية ذات الأجواء المشحونة بالأسرار والطلاسم والنوازع، عوالم قديمة وحديثة يبدو فيها واضحاً التمزق والغربة والحنين الأبدي إلى ينابيع الحب والجمال تغلفها مسحة من الحزن الشرقي المستمر، في بلاط الأدب الياباني وجدنا شواهد الأدب المتميز

- 1 -

في روايات مثل "عطش الحب والجميلات النائمات والحزن والجمال وراقصة الإيزو " وغيرها للكاتب الكبير " يوكيو ميشيما " الحاصل على جائزة نوبل والذي وضع لحياته حداً عندما أنتحر على الطريقة اليابانية وهو في ذروة مجده الأدبي، بينما كان نتاج معلم الأدب الياباني الكبير " تانيزاكي " 1886- 1965 والذي تماثل روايته " الوشم " مكانة رواية "المعطف " الروسية، حيث كان بمثابة المعلم والقدوة، وصاحب التأثير الكبير في صفوف الكتاب الشباب، الذين لا ينكرون انهم تعلموا منه الكثير، بينما يصف النقاد الكاتب الأحدث " كاواباتا " بشاعر الحنين الأبدي إلى يابان الحلم والضياء والجمال، وثمة تماثل بين روءاه وما نجده في روايات الكاتب الفرنسي " بلزاك " مع الأخذ بعين الاعتبار الفاصل الزمني والتطور الاجتماعي والحضاري ولكن المقصود هنا التقارب في المضامين وطريقة التناول وهو أيضا يعمد إلى وضع نهاية لحياته تكاد تكون غريبة ومفجعة، في 25 نوفمبر يستسلم لطقوس " السيبوكو " والمتمثلة بإدخال السيف في البطن بعد ذلك قطع الرأس على يد أحد الجلادين، وقد أعتبر موته تعبيراً كاملا عن جيل يشعر بمرارة الهزيمة والتمزق ويحن إلى اليابان القديم بعيداً عن التبعية الأمريكية، تدعو كتاباته للعودة إلى الجذور تبدو أيضا العناصر الأجنبية تتصارع مع الأصالة اليابانية، وحضور الفكر الغربي نراه في أعماله مجسداً بالوصف البسيط للواقع الموضوعي المجرد من أي قيود وموانع رمزية،ونجد أن أعمال الثالوث الروائي الياباني "تانيزاكي- كاواباتا -ميشيما " تمثل قمة النتاج الأدبي ويشار أليها بنتاج العصر الذهبي، كما أن الكتاب الثلاثة يماثلون عصر الرواية الأمريكية الذهبية مع الثلاثي " فوكنر - همنغواي - فتزجيرالد " وأذا كان الثالوث الأمير كي قد عمل على تشكيل الرؤيا المكثفة لنهاية الحضارة الجنوبية في روايات فوكنر، ونهاية مرحلة البراءة والسعادة كما هي في روايات همنغواي، ونهاية وهم السنوات المجنونة وتبدد الأحلام كما في روايات فتز جيرا لد، أما الثالوث الياباني فقد تغلغل إلى اعماقة وميض هيروشيما ونكازاكي واستحال كل ذلك إلى هزيمة قاسية تشد العقل إلى عوالم الحزن والضياع وتدفع إلى امتلاك لحظة العبث وإلا جدوى من الحياة، وعندما نقترب من الكتاب الأحدث عهدا من أمثال " إينويه" والذي لا تختلف شهرته ومكانته عن تانيزاكي وكاواباتا وميشيما، في رواياته الموشومة بالشغف والوحدة والتعاسة، كما في " غيوم حمراء والصيد في الهضاب " بينما الأمر مختلف تماما مع " شوساكو إيندو " الذي ينشر عشرات القصص في كتابه الذي يحمل اسم " امرأة تدعى شيزو " يستحضر وقائع التاريخ للترويج للفكر الكاثوليكي كما لو انه يحاول أسماع العالم المشتبك مع هموم الحياة نشيد الأرواح، ويمثل الكاتب " كينزابورو اوي " الذي يعتبره ميشيما يمثل ذروة الأدب الياباني، وتمثل أعماله اتجاها متفرداً، فهو يسعى إلى القيام ببحث شاعري، ومتعمق في أعماق الذات، كما تمثلت الحالة السياسية في بعض رواياته، ويمثل إ نموذجا للكاتب اليساري المعارض، دفعته تلك الاتجاهات لزيارة الصين ومقابلة زعيمها " ماوتسي تونغ و شوان لاي "، لقد ترك الجيل الأول من كتاب اليابان أثراً كبيراً في الجيل الذي أعقبهم في ريادة فن الرواية والمسرحية والقصة، كما هي الحال في نتاج " مورا كامي " كما في روايته الرائعة " أزرق شبه شفاف " وهو يعد من أهم الكتاب المعاصرين في اليابان الآن، وتعتبر الكاتبة الأكثر حضوراً في أوساط الشباب " بانانا يوشيموتو " تدور أحداث رواياتها في عوالم الشباب فهي تناقش الحب والموت والجنس والمخدرات والضياع، وتقف الكاتبة " يوكو تسوشيما " وهي تخوض في تيار بين الحقيقة والخيال محاولة الانفلات من دوائر.

- 2 -

الحياة الضيقة المسكونة بالحزن والفجيعة،كما تسعي بمثابرة كبيرة للاكتشاف والمتابعة عن قرب، ومن رواياتها المهمة "على ضفة نهر النار " وتنفرد الكاتبة " ميوكي ميابي " في روايتها " بطاقة للجحيم " التي تكشف عن إمكانيات كبيرة في مجال الرواية البوليسية التي اعتبرت رائدتها في اليابان بما يعيد إلى الأذهان مكانة الكاتبة المشهورة " اجاثا كريستي " وهكذا نلمس من خلال التفاصيل التي تكشف عن الأدب الياباني العملاق انه يسعى بهدوء نحو العالمية ويخترق الحواجز ويقف على سلم المنافسة مع جميع أشكال الأدب في دول العالم وخاصة المتقدم منها، ظاهرتان قويتان اقتحمتا العقول واحتلتا موقعا متميزا لهما وبجدارة، الأدب في جنوب أمريكا اللاتينية والذي مثله بجدارة مجموعة من الكتاب البارزين من أمثال " ماركيز واستورياس وبورخيس والليندي وكورتاثار ورولفو ويوسا وفونتيس " والأدب الياباني وتلك الأسماء التي استعرضتها وهي البارزة فيه، الاتجاه الأول اقترب من مس عصب الوتر الشرقي وكانت عوالمه التي أجتهد للدخول منها إلى العقول السحر الذي يحاول إيجاد بوابة للهروب من الواقع إلى عوالم متخيلة تكشف عن المعادلة المفقودة في الحياة هناك، كما لو أن الكتاب كانوا يستوحون عوالم الفنتازيا والسحر في آلف ليلة وليلة، أثارت رواياتهم الصخب والتعارض مع القيم الموروثة والبالية واصطدمت مع نسيج الخداع السياسي وكانت بمثابة موجة هادرة لاتنفك تثير الرعب والخوف وتضرب شواطئ الحياة الساكنة فتثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، بينما عمد الأدب الشرقي الياباني إلى كشف الموروث الفلكلوري والتوغل في أعماق التاريخ والحوادث والإنسان واستخدام البيئة والطبيعة كعوامل صراع ينذر بالدمار ويمزق العوالم المرتبة ويشعل فيها الحزن ويزرع في أروقتها اليأس، محاولات ذكية ومتفردة في مزج الألم بالفرح والانكسار بلحظة الولادة والموت في شروق شمس جديدة، أحاسيس وأفعال تراها أحيانا وحشية قسرية ولكنها أيضا إنسانية شفافة، شغلت مسألة التحول الذي مرت اليابان به من القبضة الإمبراطورية إلى وهم الحرب القاسية وهزائمها إلى الدخول في عالم التبعية الأمريكية والعيش الهامشي على حضارة مستوردة تستفز عقول اليابانيين وتدفع كتابهم إلى البحث عن التأصيل وشحن الأذهان بالموروث القديم الذي يتسلق الحياة بتفرد يعطي التجديد والخصوصية، أن الخيال والفنتازيا التي تجمعت في حضارة العراق القديم وما جاوره تجدها ماثلة بوضوح مستوحاة في قصص وحوادث تم تطويعها لتناسب الموروث القديم الحكاية الشرقية ذات أجواء واحدة ومدلولات عند التجريد تبدو متماثلة، راشومون كما عطش الحب كما الجميلات النائمات كما دائرة الطباشير البريختية، قصص وحكايات تجدها مثيلا لها في الفلكلور الشرقي العربي، ولنتوقف قليلا عند المضامين التي انطلق منها الكاتب " تانيزاكي " والموسومة بالوشم، فهو قد أختار قصة بسيطة للغاية عن شاب يعمل بصنع الوشم في أحد الأحياء القديمة والفقيرة ويحلم مع تفاصيل عمله أن تمنحه الحياة فرصة اللقاء مع امرأة لامثيل لها، جسم يبدو كواحة بيضاء يستطيع أن يخط عليه كل روحه، ويحدث أن يمنحه القدر تلك الفرصة ويجد تلك المرأة التي شغلت تفكيره كثيراً، ويباشر ممسكاً بريشته الوشمية بين إبهامه والسبابة، يلمس ظهر المرأة برأس إصبعه الصغير في اليد اليسرى وباليد اليمنى يواصل غرز الإبرة المبلولة بالحبر الصيني، لتدخل روحه في تلك المسام إلى الأبد، الكاتب يلج الحيز السري والجميل في تفاصيل العلاقات الإنسانية ومع المساحة المرهفة للحنين والشوق والمكابدة الشرقية للفضاء الجنسي نجد أن كتاب اليابان قد تخلصوا تماما من الحالة الراكدة ورفعوا الحواجز.

- 3 -

خصوصا في الكتابات الحديثة جداً، وتتكرر ذات المفاهيم والدلالات في رواية أخرى لذات الكاتب تحمل اسم " السكن في الظل " التي تبحث عن العوالم اليابانية القديمة الأنوار والضوء الذي يطرد الليل والنساء، لقد عاب بعض النقاد على الكاتب انه يسعى كثيراً لتحقيق الحضور الغربي في رواياته الكثيرة، وتبدو محاولاته كما لو أنها عملية زراعة لبذور الحضارة الغربية في التربة اليابانية، وتلك المحاولات تبدو هجينه، كما في روايته " بعضهم يفضلون نبات القراص " فكرة الغرب لدى الكاتب تشكل قناعاً مهلهلاً يلبسه البطل، إلى جانب محاولات أخرى قاصرة لتخيل الجنة الأرضية في خيال مشتت يحاكي الزخارف والتحف الصينية والرسوم اليابانية وتأكيد حالة الانبهار الكبير بالموروث الشرقي القديم، وتمثل مجموعة قصصه القصيرة التي تحمل عنوان " حزن الحورية " ذاك الاتجاه الذي يمزج بين الأسطورة و توترات العصر وتمثل توجهاً للحداثة وللمستقبل يتصف بمنهج علمي يحلل الفساد والسوقية في الحياة والأدب، تقدم القصص إشارات واضحة إلى عوالم الشرق، حيث الآلفة العذبة والطيبة وذاك السكون الذي يكاد يكون مملاً، ولكنه عندما يصف امرأة يابانية " شاحبة كوميض القمر، ناعمة كأصوات الحشرات، هشة كقطرات الندى على أوراق العشب " وعندما نشر الكاتب " أينويه " رواياته وقصصه ذات النهج المختلف والإضافة الجديدة لتراث الراية الذهبية، في " بندقية الصيد " كما في " الصيد في الهضاب " يمزج الاندفاع بالتردد و والتوهج بالغروب، وهو ينفلت من الإطار المحلي وتلعب أفكار داخل حالات العزلة وهموم التعاسة والحزن والفشل حيزاً كبيراً في نتاجه الأدبي، بينما يلقي الكاتب " شو ساكو إيندو " مرساته داخل الإطار الديني الكاثوليكي وكأنه نسخة مكررة من الكاتب الإنجليزي " جراهام جرين " الذي قابله وخلع عليه لقب " الروائي الكاثوليكي الياباني " في مجموعته القصصية الأولى مثل" امرأة تدعى شيزو " تلك القصص التي تدخل في التحاور ضمن دوامات الإيمان والخطيئة والعذاب والرحمة، الكاتب في نتاجه وفق السياق الزمني المتداخل يتوصل إلى طريقة يعرض فيها أفكاره التي تمثل تداعي متواصل لذكريات قديمة تنتظم في تماثل معاصر، بينما تمثل روايات وقصص " كينزابورو أوي " وخاصة تلك التي كتبها أثناء الحرب وبعدها تمثل قمة الإبداع في الأدب الياباني المعاصر، فهي نسيج من الشعر الملحمي المتدفق نحو تصوير الهموم الذاتية وفق تشكيل متجانس لعالم مرئي، يندفع بعيدا نحو نهايات مجهولة وذات نتائج مبهمة، وهو من خلال حالة الانتماء السياسي يشعر بالقلق على مصير البشرية تحت ضغط الحالة المجهولة في الصراع المتفاقم، بعد مجموعته القصصية الأولى " سبعة عشرة " أصدر رواية تحمل عنوان " الشاذ " اعتبرت من عيون الأدب الياباني، فقد شن فيها هجوماً كبيراً على مفاسد الحياة والنظام السياسي، ثم جاءت قصصه الكثيرة والمتنوعة في المضامين والمعالجات، وفي أغلبها تعرض للحرب المدمرة وأخلاقياتها ونتائجها الرهيبة على تقدم البشرية، وقد انبرى في زيارته لموقع هيروشيما للتحقيق في الانفجار النووي الذي يشكل وصمة عار في سياسة الحرب، واعتبرت الروايتان اللتان أصدرهما في وقت متقارب وهما" المسخ السماوي " و " مسألة شخصية " من أنضج أعماله بالإضافة إلى روايته الرائعة " علمنا أن نتجاوز جنوننا " وبعد انغماسه الكلي في السياسة وانتقاله إلى المنفى الاختياري في المكسيك أخرج عدداً هائلا ً من الروايات المهمة والتي جعلته يثبت ضمن كتاب العالم المرشحين لنيل جائزة نوبل، وأبرز رواياته التي صدرت مؤخرا في الولايات المتحدة " الطوفان، والنساء اللاتي يصغين إلى شجرة المطر، واستيقضوا يا شباب.

- 4 -

العصر الجديد وكيف تقتل الشجرة ومن العاب العصر " وفي بداية التسعينات نال جائزة نوبل للآداب، وهكذا تتواصل إنجازات الأدب الياباني في صعود السلم الإنساني العالمي ممثلاً بقوة واقتدار للموروث في العالم الشرقي.. تألق الشعر الياباني لا تختلف الجهود والمعاناة التي بذلها الشعراء اليابانيون من اجل تطوير المضامين والأشكال في القصيدة الحديثة، حيث نجد الدراسات النقدية التي تابعت تلك المراحل تشير إلى تحول الكتاب والشعراء من الموقف الحماسي للحرب والدعاية لها والتخندق مع الشعارات الفاشية إلى التحول بعد الهزيمة الضارية نحو المنصة الديمقراطية، ومع تطور مناهج النقد وأساليب المراجعات التي اعتمدت النتاج المنشور، أصبح من اليسير جداً فرز النقاد اتهاماً للعديد من الشعراء المشهورين في تلك المرحلة وصنفوا قصائدهم ودواوينهم على إنها تمثل المرحلة الأدبية الفاشية، وكان النقاد يؤكدون على الظهور المتزايد للنزعة الديكتاتورية المغالية في القومية والروح التقليدية التي تمثلت باهتياج شديد في قصائد الحرب، واعتبرو النموذج السيء الذي يسمى " قصيدة التانكا " شكلا يجسد قصائد الموت الذي كان يواجهه الجنود والجنرالات الذين أعدموا كمجرمي حرب بعد الحرب العالمية الثانية ( 4 )

اعتمدت حركة التحديث في الأدب عموما والشعر بشكل خاص على نتاج الحضارة الغربية وبشكل خاص النتاج الأمير كي والفرنسي ووجد الاتجاه الطليعي ترحيباً بالغاً لدى الكاتب والشاعر والمثقف الياباني، وافرز التقليد لذاك الاتجاه تعارضاً مع السلطة العسكرية، التي اضطهدت تلك الاتجاهات، واعتبرتها ضمن أفعال التخريب والتشويه الثقافي والسياسي، وقاد ذاك التعارض إلى تضييق مساحة الحرية الفكرية إلى ابعد الحدود وجاء متناغماً مع التطورات اللاحقة التي تمثلت في استسلام رموز المقاومة وبداية اضمحلال المعارضة السياسية وتطور النزعة الفاشية في البلاد، لم يستطع الشعراء الذين اضطهدتم السلطة، وطوقهم الناس المثيرون لقيم الحرب وشعاراتها، أن يكتبوا عن حقيقة شعورهم الشخصي الخاص ولو بصورة سرية، ومن نتاج شعراء الحرب الذي روجته الفاشية قصائد للشاعر" كوسودوإيجيرو " الذي قتل في إحدى المعارك حيث يقول في قصيدة بعنوان " العاصفة ": حيث تعصف هذه الريح بنفسها خارج أغوار الوديان من غير هواء أو غيوم فإن صيحات الوحوش القاضمة لأوراق الشوك الواخزة تندفع جميعاً عبر سماء فارغة كالجنود الأشداء البشر يقتلون يقتلون..

- 5 -

استبدل الشعر الياباني رداءه عدة مرات وقد أختار المدارس الحديثة محلقاً في أجواء الرومانسية،الطبيعية، الرمزية، الدادائية، المستقبلية، السريالية، التعقلية، وهكذا توطدت أواصر العلاقة بين الشعر الياباني و الحركة الشعرية الغربية الحديثة، وفي تلك المرحلة رصد النقاد التأثيرات التي تركها اتجاه الشاعر " ت. س. اليوت " في الكثير من النتاج الشعري، وقد ثبت النقاد أيضا عدم وجود علاقة قوية بين الشعر الياباني والشعر الشرقي عموماً وخاصة في مجال الفلكلور أو الغنائيات الشعبية، لقد اتجه الشعر الياباني بعفوية كبيرة واهتمام متزايد نحو الموروث الغربي، ويعتقد النقاد أن ذلك مرده إلى العزلة الكبيرة التي فرضت على اليابان قبل وبعد الحرب ومنها الاختلافات الجوهرية في اللغة والسياسة وعوامل أخرى مضافة، ولكن بعيداً عن كل تلك الأسباب والتوقعات تشير أجندة الشعر الياباني الحديث إلى ميل كبير وشغف حقيقي بالأدب والشعر الغربي والثقافة الغربية عموماً، وهذا يعود بالأساس إلى تأثير النظريات الأدبية والفنية التي أشعلها العالم الغربي في فترات الحرب والسلم، أن نتاج الأدباء والشعراء في اليابان يكاد يكون صدى لذاك الذي ساد في أوروبا وأمريكا، ومثلا أن تأثير الحركة الطليعية في الرواية والمسرح والشعر والفنون التشكيلية وجد له انتشاراً هائلاً في اليابان، كما هي الحال في نتاج الشاعر " تاكيكوجي شوزو " الذي سجن ذات مرة وصار فيما بعد من أكبر النقاد وزميلا دائما للسرياليين من أمثال" أندريه بريتون وبول إيلوار " وتذكر المراجع التي تؤرخ للأدب الياباني، أن السلطة كانت تحارب تلك الاتجاهات التي تعتبرها مدمرة وضارة للقواعد الفكرية وللبناء الاجتماعي الذي ساد في حقبات زمنية متباعدة، فقد فكرت السلطة اليابانية على النحو التالي" أن السريالية مبادئ غير قابلة للتفهم، ولذلك فهي خطرة تماماً بالنسبة لعموم المجتمع الياباني " ومن قصائد الشاعر " شوزو ": زخارف رعدية رماد الشموع المقلوبة التي لا تعد فروع وأزهار الأشجار الشفافة جلجلات المرايا اللا محدودة أن جسدي بأكمله في المتجر المائي يزيد بريقه يوماً بعد يوم وعندما نقرأ نتاج الشاعر " أو كوما هيديو " نجده شغل كثيراً بنقد النزعات القومية المتطرفة الناهضة بصورة قاسية من حرب مدمرة رهيبة، وبعد موته صار شاعراً بارزاً تتحدث عنه الأجيال الأدبية، يوصف بإنه من المجددين في الشعر الياباني: حتى لو الظلام يعمي الأرض إلى الأبد فإن حقوقنا ستستيقظ على الدوام.

- 6 -

الأوراد تظهر سوداء في الظلام ولكن إذا ما نفذ نور الشمس أليها أشتعل لونها إنني أعرف كل شيء عن الظلام لذلك فأنا أؤمن بأن النور قادم فأدركوا المعنى الصعب.

 

د. شاكر الحاج مخلف - (( المسرح )) - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri