لم يكن مبالغاً، أو مبتعداً
عن الحقيقية (توماس ماكفرلاند) حين عدَّ كتاب "قلق التأثر"
أهمّ كتاب حتى هذه الساعة يكتبه الناقد والأكاديمي الموهوب/هارولد
بلوم، مؤكّداً أنّه مقدّر لهذا الكتاب، أن يكون واحداً
من الأعمال الكلاسيكية في مجال النظرية الأدبية.فأن
يقرأ المرء هذا الكتاب يعني: أن يتقلّب بلا انقطاع على
لظى أصالة الناقد، وتنبهر بصيرته بين الحين والحين بالفتوحات
العالية لصقل تحليلاته.شروحات بلوم المواربة دعمت عند
كل منعطف، بهدوء ملكي متعمّد لبناء مجرّب، ووثّقت باستشهادات
موحية، صريحة وعلنية، مأخوذة من أفق متنوّع من القراءات
الفلسفية، والأدبية، والنفسية. فما الذي يقدّمه هذا
الكتاب (قلق التأثّر? في مقدّمته-وهي عبارة عن تأمّل
في السّبق الشعري مع موجز - يقدم هذا الكتاب القصير
نظرية في الشعر عبر توصيفه لمسألة التأثر الشعري، أو
لحكاية العلاقات الشعرية المتداخلة بين الشعراء. أحد
أهداف هذه النظرية كما يعلن المؤلف: تصحيحيّ:
وهو إزاحة الغشاوة عن
التأويلات المكرّسة فيما يتعلّق بكيفية مساهمة كاتب
بتشكيل كاتب آخر. الهدف الثاني، تصحيحيّ أيضاً،وهو محاولة
التنظير لشعريّة قادرة على إنتاج نقد عملي أكثر دقّة.
التاريخ الشعري، من منظور هذا الكتاب، غير منفصل عن
التأثّر الشعري، خاصة إذا عرفنا أن الشعراء الأقوياء
يصنعون هذا التاريخ عبر تكتّمهم على بعضهم البعض، وذلك
سعياً منهم لتهيئة فضاء شعري لأنفسهم. وفي هذه النظرية/الدراسة
استبعد المؤلّف الشعراء الأقل قوّة وكفاءة، فتوجّهت
إلى الشعراء الأقوياء، اؤلئك الفحول الذين يصارعون أسلافهم
حتى الموت، الموهبة الأقلّ كفاءة تنبهر، المخيّلة الأكثر
إبداعاً تحاول شقّ طريق لنفسها، ولكن لا شيء يُعطى مقابل
لا شيء، ومحاولة شقّ طريق للمخيّلة? كما يعلن المؤلف-
أمر محفوف بالمخاطر، محفوف بمشاعر قلق التأثّر، إذ من
هو الشاعر القوي المستعد للاعتراف بأنه فشل في تحقيق
ذاته? ويجيب الناقد هنا مستشهداً بـ / أوسكار وايلد
الذي أدرك أنه فشل كشاعر بسبب عجزه في التغلب على إحساسه
بقلق التأثر-أدرك أيضاً حقائق أكثر دكنة متعلقة بالموضوع
ذاته. فقصيدته (أنشودة السجن القارئ) نصّ مخجل للقراءة
لأن كل ومضة فيه مقتبسة من قصيدة (أغنية البحّار القديم)
للشاعر كولردج.بل إن معظم شعره الغنائي مدين بالتأثّر
لتقليد الرومانسية الإنكليزية العالية،متفهّماً لمعضلة
من هذا النوع،ومسلّحاً بذكائه المعهود، يصرّح أوسكار
وايلد بمرارة في كتابه (صورة السيد H.W.) بما يلي: التأثر
هو ببساطة تحويل للشخصية، شكل من أشكال التخلّي عمّا
هو ثمين، والواقع فيه يفرز إحساساً - إن لم نقل واقعاً-بالخسارة.كل
تلميذ يأخذ شيئاً ما من معلّمه" هذا ما يمكن تسميته
بقلق التأثر والعكس ليس دوماً صحيحاً.بعد مضيّ سنتين
من هذا التعليق سوف يعدّل وايلد من مرارته، فيدلي على
لسان اللورد هنري ووتمن، إحدى شخصياته في رواية (صورة
دوريان غراي) بملاحظات مرهفة، حيث يعترف لدوريان أن
كل أشكال التأثر لا أخلاقية معلّلاً: " لأنّه، لكي تمارس
تأثيراً على شخص ما، لا بد وأن تمنحه شيئاً من روحك،
المتأثر لا يفكّر بأفكاره الطبيعية، لا يحترق بعواطفه
الطبيعية.فضائله ليست حقيقة.ذنوبه،إن كان ثمّة ما يدعى
ذنوباً،مستعارة.إنه يتحوّل إلى صدى لموسيقى شخص آخر،
ممثّل يؤدي دوراً لم يُكتب من أجله".
وفي إلتقاط ذكي للناقد
يضع مبضعه النقدي على وهم كبير يقع فيه الكثير ممن يدّعون
عدم تأثّرهم بأسلافهم متناسين أن الأجيال تطحن بعضها
بعضاً فهذا ستيفنس يكتب في إحدى رسائله إلى ريتشارد
ابرهارت مسجّلاً لهذا الأخير مديحاً، لم يكن في الواقع
سوى مديحاً لنفسه: " بما أنني آتِ بالطبع من الماضي،
فإن الماضي، مع ذلك هو ملكي وليس شيئاً يُدعى كولردج
،وردذورث،... الخ، ما من شاعر بعينه إحتلّ أهمية استثنائية
لديّ.
عقدة ما يسمى بثنائية
الواقع-الخيال- هي من اختراعي أنا، وإن كنت أجدها عند
آخرين كثر غيري" وفي الرسالة ذاتها يعلن تضامنه: "أتضامن
مع نفيك لأي تأثير تجده لديّ، هذا النوع من الإتهام
يزعجني دائماً، لأنه، في حالتي، لست واعياً بأنني وقعت
تحت تأثير أي من الشعراء، وامتنعت عن سابق قصد قراءة
الكثير منهم ممن يتحلّوا بثقافة عالية كإليوت وباوند،
وذلك لأني لا احفظ-ولو بشكل لا واع ?شيئاً منهم.ولكن
ثمة دائماً الناقد الذي يركّز جلّ تحليلاته على التشابهات
والأصداء، والمؤثرات، وكأنما لا يوجد من الشعراء ممن
يستطيع أن يكوّن لنفسه ذاتاً مستقلة، إذ يُنظر إليه
دائماً كصدى تنصهر فيه عدة أصداء".
ويعلق بروم على هذا الرأي
أعلاه بأنه إدّعاء لا يوجد إلا لدى بعض الأكاديميين
الذين يغالون مؤكّداً أن هذا ما هو إلا برهان على أن
التأثر الشعري يشكّل مزيجاً بدئيّاً من عقدتي القلق
والكآبة.لقد كان ستيفنس،كما يؤكد هو نفسه شاعراً شخصانياً
من الطراز العالي،وموهبة أمريكية أصيلة تضاهي ويتمان
ودينكسون،وتضاهي أيضاً موهبة بعض مجايليه كباوند وويليامز
ومور ولكن التأثر الشعري لا يعني جعل التأثر أقلّ أصالة
بل يساهم أحياناً بجعله أكثر تميّزاً وإن لم يكن بالضرورة
أرفع مستوى.
وفي إشارة مهمة إلى أهمية
التأثر الشعري وإشكالاته يحذّر الناقد بلوم: (يجب عدم
اختزال إشكاليات التأثر إلى مجرد بحث عن المصدر، أو
دراسة تاريخ الأفكار، أو تنسيق الصور في بنية. التأثر
الشعري، أو ما سوف أدعوه مراراً بالتكتّم الشعري، هو
دراسة دورة الحياة الشعرية للشاعر كشاعر.وعندما يضع
النقد في حسبانه دراسة السياق الذي تنفصل فيه هذه فإنه
سوف يجد نفسه مجبراً في الآن ذاته على تناول علاقات
الشاعر مع شعراء آخرين ودراستها كحالات أقرب إلى تلك
التي يسمّيها فرويد بـ "رومانس العائلة"، أي دراستها
كفصول في تاريخ التنقيحية الحديثة، و"حديثة"هنا تعني
عصر ما بعد الأنوار.
وفي إشارة إلى تأثر الناقد
بوضع نظريته هذه بنيتشه وفرويد، نيتشه لأنه نبي التضاد،
وكتابه (جينولوجيا الأخلاق) هو من أعمق الدراسات المتوفرة
تصف المشارب الهرمسية والتنقيحية في الذائقة الجمالية.أما
فرويد فلأنّ إستقصاءاته في استراتيجيات الدفاع ووظائفها
المتباينة تقدم أوضح النظائر التي استطاع الناقد العثور
عليها متعلقة بالقواسم التنقيحية التي تحكم العلاقات
الشعرية المتناصة. مع ذلك فإنّ نظرية التأثر المعروضة
هنا ?كما يؤكد بلوم-ليست نيتشويّة في حرفيتها المتعمدة
،وفي إصرارها الفيكوي (فيكو) على أن السبق في السموّ
هو خاصيّة جوهرية لكل شاعر قوي يخشى أن يتحول إلى مجرد
قادم متأخّر.
كما ترفض النظرية التفاؤل
الفرويدي المعهود والقائل: (أن الاستبدال السعيد أمر
ممكن، وأن فرصة ثانية يمكن أن تنقذنا من المسعى التكراري
صوب ارتباطاتنا القديمة). ورغم أن الدراسة المعمقة هنا
لكبار الشعراء إلا أن الشاعر الأعظم في لغة الناقد ?ويقصد
به شكسبير- فقد أقصي من هذا الكتاب لأسباب عدة، أحدها
تاريخي بالضرورة، وهو أن شكسبير ينتمي إلى عصر العمالقة
قبل الطوفان، أي قبل أن يصبح قلق التأثر مركزياً في
الوعي الشعري، السبب الآخر يتعلّق بالتمايز بين الشكلين
الدرامي والغنائي.ولأن الشعر أصبح أكثر ذاتية، فإن الظلال
التي يخلفها السابق على اللاحق تصبح أكثر ديمومة.
مع ذلك فالمعضلة الرئيسية
التي واجهت الناقد تكمن في أن الأب الشعري لشكسبير هو
مارلو، وهو شاعر اضعف بكثير من خلفه واعتبر شكسبير اسطع
مثال في اللغة على ظاهرة تقع خارج اهتمام هذا الكتاب.السبب
أنه أحتوى مرجعيّته حدّ امحائها. أما فيما يخص التغيير
الذي يقترحه الكاتب في نظريته التي قدمها في هذا الكتاب
حول موضوع التأثر هو قراءة أي مجموعة من الشعراء الذين
جايلوا بعضهم بشكل أكثر دقة. أما الهدف الرئيس من الكتاب
بالضرورة ?كما تضمنت المقدمة-هو تقديم رؤية نقدية لناقد
بعينه في سياقين: سياق شعر ونقد شعراء جيله من جهة حيث
أزماتهم الراهنة تطاله مباشرة، وسياق قلق التأثر لديه
هو، من جهة أخرى، وقد اقترح بلوم ستة قواسم تنقيحية
لنظرية الشعر هي: 1-الانحراف الشعري 2-تكامل أو تضاد
3-تكرار وقطيعة 4-السمو المضاد 5-تطهّر ونرجسية 6-عودة
الروح وبين هذه القواسم فصل برزخي وهو بمثابة بيان باتجاه
نقد تضادّي يلخّص فيه رؤيته للقصيدة وهي: (أن كل قصيدة
هي نوع من التأويل الضالّ للقصيدة الأم، القصيدة ليست
محاولة للتغلب على القلق، بل هي القلق عينه.التأويلات
الضالة للشعراء، أو قصائدهم، هي أكثر تطرّفاً من تأويلات
النقاد الضالة أو نقدهم، ولكن هذا اختلاف في الدرجة
فقط وليس في النوع.لا يوجد تأويلات مطلقة، بل ثمة تأويلات
ضالة فحسب.كذلك يمكن اعتبار النقد شعراً منثوراً.
كتاب (قلق التأثر) الذي
عدّه البعض الناقد الذي جعل من دراسة الشعر الرومانتيكي
فرعاً أدبياً منافساً على الصعيدين الفكري والروحي ?يمكن
أن يخلق بحسب جون هولاندر- بلبلة وسخطاً في أوساط الأكاديميين
ونقاد الأدب، الشعراء وعلماء النفس. لكن مفعوله المباشر
على أية حال يخلب الألباب.
عبدا لله
الحسني - (دنيا)