
الشــخـصيـــة
المـبــدعـــة
تشكل الشخصية
المبدعة المحور المهم في بناء هيكلية العملية الابداعية،
حيث توجد علاقة ديالكتيكية بين المبدع وبين مادة العمل
وموضوعه وفكرته والعاطفة التي يحملها المبدع والمثال الذي
يبغي الوصول اليه في عمله على وفق الشروط الاستاطيقية.
فكل ذلك يعد من عناصر العملية الإبداعية التي اقرها الدارسون
والتي تتمثل في
-1- خصوصية
ذات الفنان وملكاته النفسية وإمكاناته واستعداداته الفطرية
والمكتسبة -2- مقدار الخبرة الفنية التي يمتلكها الفنان
(ثقافة المهنة) سواء الموروثة ام المعاصرة فضلاً عن مهاراته
الخاصة في التعبير والتكنيك -3- مدى القدرة الخصبة للفنان
في تعامله مع المادة الخام التي يعبر من خلالها وتطويعها،
كالكلمات والالوان والحجر.. الخ. -4- غزارة وعمق الرؤى
الجمالية التي يتمتع بها الفنان التي تنعكس من خلال تجاربه
الفنية وما يتمتع به من خيال وحدس. ويبقى العقل المبدع
هو الأساس في صياغة كل تلك المقومات وبث الروح فيها وتوظيفها
لصنع الاثر الفني.
ان القدرة
التي يبديها المبدع في نتاجه الإبداعي من جهة الحقيقة
الجمالية التي يجسدها فيه، قد أثارت تساؤلات عدة، وادت
بالبعض إلى عد الجمال الفني افضل من جمال الطبيعة، وما
ذلك إلا بسبب انعدام الفهم الحقيقي للموهبة الفنية التي
يختص بها المبدع. أي الغالبية العظمى من الناس، لا ندرك
وقائع الحياة إلا بما يتلاءم مع متطلباتنا الفعلية ومن
جهة منفعتها لنا، ومن النادر ان ننظر إلى الشيء لذاته
وبذاته لنكتشف حقيقته وبعده الجمالي، فقد شغلتنا ملابسات
الحياة وهمومها ومنعتنا عن التأمل في انفسنا فضلاً عن
التأمل الجمالي في الاشياء. وبذلك فاننا نحيا في منطقة
متوسطة بين الأشياء وبيننا، او نحن نحيا خارجاً عن الاشياء،
وخارجاً عن ذواتنا ايضاً، وعكس هذه المزية هو المتوفر
عند المبدع، والذي، بحسب موهبته الطبيعية، يمتلك خاصية
التجرد عن الفعل والمنفعة في النظر إلى الأشياء، فهي أسلوب
عذري في النظر والاستمتاع والتفكير.
ولقد
اجتهد المعنيون في دراسة العملية الإبداعية وتحديد السمات
المميزة للشخصية المبدعة، فهل هو انسان مختلف عن الآخرين
ام ان الابداع خاضع لشروط موضوعية؟. اجاب الاختصاصيون
السايكولوجيون على هذا السؤال اجابتين رئيسيتين متناقضتين،
ففريق يرى ان المبدعين ذوو "تصفيفة" بايولوجية متفردة
لا تتشابه مع انماط التصفيفات الموجودة عند الناس الآخرين،
وآخر يتكئ على البيئة في ما يذهب اليه من جهة مشروطيتها
للابداع تماثل الجهاز العصبي، بايلوجيا، عند جميع البشر.
ويبدو
ان الحل الامثل قد يكون في التوفيق بين الرأيين السابقين
بالتزام الاعتدال والتوسط بين البايولوجي والاجتماعي،
يقول كيدروف B. M. Kedrow ((يبدو ما هو بايولوجي
بالنسبة لنا كـ "هيئة" طبيعية فطرية خاصة بالانسان الفرد
الذي سيصبح عالماً، بينما الاجتماعي يبدو كـ "شرط" Condition
لازم كي تظهر هذه الهيئة او هذا الاستعداد إلى العيان
حيث يتطور إلى استعداد نشط خاص بالموهبة والعبقرية الانسانية؛
ان مثل هذه العلاقة تتطابق مع العلاقة بين العوامل الداخلية
والخارجية في تطور الشخصية المبدعة التي يمكن ان يكون
مستقبلها من العلماء)).
ويدلو
ميشال عاصي بدلوه في هذا المضمار؛ فيذهب إلى ان من اخص
صفات الفنان وأظهرها انه انسان متميز بالقدرة على استغلال
شخصيته في عمل جمالي، عن طريق الانواع الفنية المعروفة،
انسان قادر على ممارسة الأعمال ذات النوعية العقلانية
بابداع جمالي،. ويسعى ميشال عاصي لكي يضع يده على الظروف
التي تعمل على تجلي الإمكانية الإبداعية عند الانسان "الفنان"،
فيقرر، بدءاً، إن كل شخصية انسانية مركب متفاعل، حي، نموذجي،
من عناصر التأثيرات الوراثية، والبيئة، وردود الفعل الذاتية
بازائها، وهكذا نجدنا مع كل شخص، امام نموذج مستقل بحدوده
وابعاده عن سواه، ولكنه على استقلاله ونموذجيته وليد التزاوج
بين مختلف المؤثرات من داخل ومن خارج، فالظروف هي التي
تصنع الانسان على نحو من الأنحاء، ولو امكن التحكم بتلك
الظروف لاصبح في الامكان ايجاد شخصيات على هذا الشكل او
ذاك، ومن ضمنها العبقريات الفنية، وينتهي إلى ان الصدف
الارضية، التاريخية، الاجتماعية الفردية، سمها ما تشاء،
هي التي تخصص شخصاً ما بالعمل الفني، لا الهوبر ولا الهوجل
- لقد آمن العرب قديماً، حسبما تروي الأساطير، بالهوبر
شيطاناً يلقن الشعر الجيد،؟ وبالهوجل شيطاناً يلقن الشعر
الرديء - حتى ولا ربات الأولمب وأربابه.
ويرغب
الفنان في التميز حتى عن غيره من الفنانين المبدعين، فهو
لا يحبذ ان يكون مقلداً للآخرين أو تابعاً لغيره من المبدعين،
وهذا التطلع نحو التميز او التفرد الابداعي "لا يصدر عن
الفنان لأنه يرغب في الاغراب، بل يصدر عنه لأنه يؤمن بان
ما لديه يتباين كثيراً او قليلاً عما لدى غيره من الفنانين".
ومن المفترض ان تكون الرغبة في التميز وليدة الثقة بالنفس
وما ينتج عنها من عزم على تحقيق الذات.
وقد اتضح
ان ما يستفز المبدع ويدفعه إلى الفعل الابداعي هو ما ينشأ
في دخيلته من توتر ناجم عن احساسه بوجود نقص ما او تناقض
أو خلل معين، وهذه القدرة على الاحساس بالمشكلات كانت
من فرضيات غليفورد الاولى في تفسير الظاهرة الابداعية،
"فان انساناً ما يلاحظ ان ثمة شيئاً خاطئاً او بحاجة إلى
اصلاح في حين ان الآخرين لا يلاحظون ذلك. ان ملاحظة النقص
تدفع الشخص المبدع إلى السير نحو الإبداع".
ويحاول
مصطفى سويف ان يخرج بصورة واضحة عن الشخصية المبدعة او
العبقري من مختلف البحوث، حيث يرى فيها ان العبقري شخص
متفوق الذكاء، يمتاز بحساسيته الشديدة لمعرفة ما ينطوي
عليه أي موقف من مشكلات، فاذا حاول ان ينتج فانه يفضل
التجديد، ويمتاز بغزارة الافكار والصور الخيالية التي
تنهال عليه، وبدرجة عالية من المرونة تمكنه من ان يرى
الدنيا في كل لحظة من زاوية جديدة، وهو إلى هذا كله متفوق
في قدرته على تقييم ما ينتج، ووضعه في الموقع اللائق به
من السياق، سياق النغم او اللون أو الاحداث او القضايا
المنطقية.
ويجب ان يتوافر في الفنان المبدع شرطاً المضمون الشخصي
والتعبير الجميل عن ذلك المضمون ليصبح قادراً على انتاج
العمل المبدع، فمن (يتوافر له الاستعداد الشخصي الذاتي،
يكون فناناً بالامكان ولن يصبح فناناً بالفعل إلا إذا
تم له شرط التعبير الجميل عن مضمون نفسه، اما من يمتلك
شروط التعبير الفني وحسب، دون شروط المضمون الشخصي، فانه
يظل أديباً من حبر وورق، لا أديباً من لحم ودم).
ويذكر
يوسف اسعد ميخائيل عدة خصائص يعدها سمات يتميز بها الاديب
المبدع عن غيره من الناس. واولى هذه الميزات هي القدرة
على التخزين الخبري، فالاديب يستقبل الاحداث والوقائع
والعلاقات وصور الاشياء والاشخاص ويقوم يتخزينها في ذهنه؛
اما القدرة على الابانة فهي المزية الثانية التي يختص
بها الاديب. والابانة هي التعبير عن الذات او هي نقل الداخل
إلى الخارج او هي ايصال ما في ذهن الاديب من صور ذهنية
إلى المتلقي بوساطة صور مقروءة او مسموعة، ويواصل يوسف
اسعد ذكر الميزات الخاصة بالاديب فيشير إلى ان الميزة
الثالثة التي يختص بها هي الجدة فيما يقوم بالابانةعنه،
ويرى ان الالتزام بالترتيب الوجداني وليس الالتزام بالترتيب
المنطقي الموضوعي هي المزية الرابعة التي يختص بها الاديب
بعد الخيال من ابرز العناصر التي تقوم عليها العملية الابداعية
واهمها. ويتميز الشاعر المبدع بنوع خاص من الخيال يسميه
كولردج بالخيال الثانوي تمييزاً له عن الخيال الاولي الضروري
للمعرفة الانسانية والذي يحتفي به عامة البشر. وحسب كولردج
فان "الذي يحدث في الخيال الشعري هو ان الشاعر يخلع روحه
على موضوعات العالم الخارجي، ويفرض عليها عاطفته ووعيه
وذاته، وفي اثناء هذه العملية يبدو له كانه يسبر اغوار
هذه الموضوعات، وكأن حقيقتها الجوهرية تتكشف له"، "فالشعر
الخيالي الحق لن يكون صورة طبق الاصل للعالم الخارجي او
للموضوع الذي يتحدث عنه. إذ لا بد من إذابة معطيات هذا
العالم وتحطيمها بقصد خلقها من جديد".
ويرى
وردزورث ان كل السمات التي عدت من خواص الفنان المبدع
لا تتضمن أي شيء يختلف في نوعيته عن بقية البشر، انما
ينحصر الاختلاف في الدرجة فقط، مما يميز الشاعر اساساً
عن بقية البشر هو وجود حافز اكبر يمكنه من ان يحس ويفكر
دون مثير خارجي مباشر، ويتميز بقوة اعظم تيسر له التعبير
عن تلك الافكار والمشاعر كما تولدت في داخله بهذه الطريقة.
لكن هذه العواطف والافكار والمشاعر هي العواطف والافكار
والمشاعر العامة للبشر، لكن الشاعر ينبغي ان يكون، حسب
شيللي، اسعد البشر واحسنهم واحكمهم واكثرهم امتيازاً.
ولعل
الميزة الاعظم للشاعر المبدع هي قدرته على الوصول إلى
الحقيقة، وهو إذا يتساوى في ذلك مع العالم الذي يعتمد
الاستقراء والتجريب وتفحص المعطيات بدقة، لكن يتميز بطريقته
الخاصة في الوصول إلى الحقيقة حسب جون ماسفيلد شاعر البلاط
بانجلتره، هي طريقة الشاعر العظيم "ذلك اللا عقلي النادر،
الذي لا يظهر إلا مرة كل عشرة اجيال، إنه يدرك الحقيقة
عن طريق المقدرة، وما يدركه من حقيقة لن يستطيع نكرانه
إلا من اوتي مقدرة اعظم، وما من مقدرة اعظم".
حامد سرمك
حسن - (المدى)