حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الانتماء في لغة الشعراء الأفغان في الخارج

الانتماء حالة إحساس وتواصل جذور وعمق بل هي حالة دم يغور في أعماق الأرض يشد إليها يحرق البدن ويجذبه بمغناطيسية عجيبة تجذب حتي ولو كانت علي بعد ملايين الأميال تتحدي بريق محلات بيع الجعة والأثاث الفاخر والسوبر ماركتات التي تعج بالبضائع تتحدي النساء الجميلات اللواتي يمشين في مدن الثلج والشوارع التي يغطيها الإسفلت اللامع.

الانتماء لدي شعراء أفغانستان في الخارج يعني الجرح الذي يفتح فمه نحو القري التي كانت في يوم ما قري تفوح منها رائحة عرق الفلاحين وتلمع فيها بيادر الفستق النيئ الذي كانت افغانستان اكبر الدول المنتجة له وصارت من الدول التي تصدر الموت والإرهاب والحشيش.

الشعراء الأفغان ما اختاروا الغربة بل فرضت عليهم فرضا وهم يعيشون بين سندان الحنين وجاذبية الانتماء ومطرقة الغربة ورفض الاستكانة والبعد الإجباري.

قنبر علي تابش احد الشعراء الأفغان الذين يبحثون عن انتمائهم الحقيقي وعن وجههم الحقيقي.

في قصيدة (أحزان السيف) يصف غربته ويقول:-

" في الهزيع الأخير يزحف الليل مظلما مظلما

لا أمل أمام ضوء الفجر ولو مقدار ثقب صغير

فالقلوب كلها عبوسة والبسمة حائرة خجولة "

هنا المعاناة معانا غربة وعدم تكيف لا لعدم القدرة بل لرفض داخلي يصل حد الجذور كما تقول الكاتبة والشاعرة الأفغانية (بروين بزواك )التي تعيش منذ سنوات في امريكا.

وتابش هنا يجسد هذه الغربة فهو كالورقة الباردة او كما يقول:-

" مثل ورقة زيتون فوق غصن يحمله العدو بين يديه

فقدت الإحساس ببرد الغابة كليالي الخريف

ورقة باردة وغصن لا يدور بخلده الاخضرار ثانية "

هكذا اذا فالمسألة لم تعد مشكلة مكان بل صارت مشكلة احساس بالانتماء الي جذور بعيدة في بلده ولكنه يجد العبثية بعينها في ان يغني للعودة وقد قطعت كل السبل اليها.

" آيتها الأناشيد البائسة من المخجل ان تجالسيني

لقد اقتلعت ريح الشمال كل أوراقي بالأمس

فماذا تريد مني ايادي الخريف "

بعد ذلك نجده في قصيدة أخرى هي (صباح الرحيل) يكرر حكاية السأم التي يعيشها في الخارج فيقول:-

" كفاك ايتها السيوف المتعطشة لجراحي

لقد خنقني دخان عظام ابي المدفونة في الحديقة

وأنت يا أمي

أين خنجري وخوذتي الفولاذية؟

ساقطع اوصال الصباح بكفي هذه الليلة

سأتخلص من هذا الجرح الذي ياكل جبيني "

هذا الانفعال في الكلمات هو تعبير نفسي وربما هو رد فعل لتمكن الساس والانهزامية في محاولات التواصل بين الشاعر وبيئته الجديدة التي القي فيها دونما رغبة

وحتي حين يحاول تابش التغلب علي فشله في ايجاد هويته والحلم الذي لا يصدق بتحقيقه يعود فيقول في نفس القصيدة

" في هذه الليلة تزأر الامواج بصوتها المخيف

ويصرخ دم الذين قتلوا حديثا فوق جبهتي القرية تنعي ابطالها بصخب ولن اجد من يعرفني بوطني "

والصوت الثاني الذي تاكل الغربة وجهه هو صوت الشاعرة الشابة (سهي رائد)

التي فقدت اباها وعمها في الاقتتال الذي كان يدور في بلدها افغانستان واضطرت للهرب خارج بلدها مع امها واخوتها الصغار.

في قصيدة سهي "الانتظار" نجد الانكسار واضحا في نفسها الشابة, فالانتماء ومسالة العودة الي الجذور تشكل لديها صراعا بين انتظار العودة والندم المفروض فتقول:

"وقي نهاية هذا الانتظار البارد الطويل

باقية انا بينما يبدأ فصل من الندم

وهناك عندما يلمع الربيع علي اشجار الصنوبر

اتجمد هنا برداً تحت صقيع الشتاء"

لكنها في قصيدة (مدينة بلا شمس) تصل الي نتيجة وصل اليها كثير من شعراء الغربة فحلم العودة اصبح هو الاخر بعيد المنال

" لا تحمل الروح من لون السماء

سوي بعض العلامات المنسوخة

والشمس تحتضر تحت اكوام من الظلال "

هي تدرك ضياعها وسط المدن الاجنبية فهي شجرة التفاح التي يذبل شبابها وتمر سنون الغربة عليها دون جدوي

" في كل لحظة تفقد شجرتي تفاحة من ثمارها

ايتها الوردة ليس هنالك وقت للتفتح بامان "

ولكن الذي ينتظرها في بلدها خوف دفين كخوف روحها التي لا زالت ترفض البقاء في بلاد لا يسكنها الجسد الا علي مضض، ماالذي ينتظرها في (مدينة بلا شمس) التي تشعر بالانتماء لها لا لغيرها.

" الجدران يقتلها الخوف

فلا تراب ولا صخور ولا خشب

الا هذا الدم الذي ينهمر فوق لحاف الارض

وليس هناك يد تتمكن من ايقاف نزيف الدم هذا

الفراشات هناك يقطع سيف الليل رؤسها

اليس هذا الخزي بعينه

الراعي يضع يده في يد الذئب

نعم فليس هنالك من يفكر في هموم القطيع هذه الليلة "

الغربة في الشعر الافغاني نقراها في كلمات وتقاطيع اكفهم بل صارت تضاريس ترسم في جفون عيونهم وهنا فريدون رحيمي هو الاخر عنده حسرة تكسر حنجرته يحس بها كالخنجر الذي يقطع خاصرته فهو يرمي الناس من اهل افغانستان الذين ضاعت امالهم بالحياة وضاعوا فقط لانهم بسطاء طيبو القلب كما يصفهم في قصيدته ((الشتاء البارد)).

" فلنبدأ من ذلك الشتاء البارد

من تلك الحرب

وتلك الصحراء

من الناس الذين قاتلوا فوق الجبال

من الجراح الحمر في فصل الاصفرار

من كبرياء الغرور واعالي التلة من صراخ الامواج

من الوفاء.. من التوكل من العظمة

من الذين لم اعرف كيف ضاعوا

وكلماتي تغرق في جبال عالية

اولئك الذين هم ابسط من البساطة ذاتها

الذين يغرقون في الكبوات

ينتظرون دون جدوي مصيرهم

كقفل يربض فوق صدر الباب في انتظار المفتاح

اناس مشردون دون ملجأ

واطفال لا يجدون من يؤيهم

عرائس خناجر الحقد تحز رقابها

ايها الناس هذا اللسان وهذا القلب

هو قلبكم ولسانكم

وهذا الشعر الذي انشد

هو جرحكم انتم "

ثم تتصاعد نغمة الياس عنده ومكتوب عليه ان يبقي في انتظار تحقيق انتمائه الحقيقي ليصرخ في قصيدته (فصل الآهات)

" بعد فصل من الانتظار الطويل

ينبت الجرح بدل الاغصان فوق اشجار الربيع

هو فصل الغابة والجبل والسهل الاحمر

فصل الاهات والالام الزرق "

لكن محمد تقي اكبري وهو من مواليد ولاية زادكان الجريحة يطل علينا باجوبة يستغرب من سال عنها فالسائل عليه ان ينظر الي وجهه ليعرف خارطة افغانستان تغور في عينيه ويشم من جسمه رائحة البارود والحرائق

" انا من بلاد البنادق فلم السؤال

لقد جربت مرارة الحروب فلم السؤال "

ان اشباح الحرب صارت كوابيس تلاحقه حيث ذهب بل واختلطت عنده دلالات الحروب والحرائق بدلالات المسميات كلها فالضوء له دلالات عنده ودلالته الاحتراق

" مصابيح؟! لا ليست بالمصابيح.. هي قري تحترق

او ربما هي جذور الاشجار التي تشتعل "

ثم تلسعه كوابيس الحرب فيعود لنفسه لينعي هذا البلد الذي لم يعد هنالك من يحمي شعبه.

" يغط راعي القطيع في نومه

وذئب الليل يقظ

مضطرب هو القطيع والذئب يقظ "

اما محمد طاهر احمدي فانه يجسد انتما ءه الحميم للبلد الذي صار كل احلامه في غربته وصار من احلام يقظته

" علي بعد.. اري الغروب البارد

حيث مصيري، شوارع مؤلمة

الغابات الخضر في قريتي

لم ينلني منها الا اوراق صفر "

ثم ينتصر عنده الامل في قصيدة (زارع الازهار)

فيصبح قريبا مناله في العودة حيث الاراضي التي مشت عليها اقدامه صغيرا.

" مسافر تطأ اقدامه مدني

فيصيبني احساس عميق بالحزن

انا وان كنت قد بقيت في السكون

فاني اراه من نهاية القرية رجل قادم

يد تمتد من مدن الامطار

يد تزرع الورد "

تري هل يصل الرجل الذي يزرع الازهار وهل بامكانه ان يصل حقا واذا حدث ما يراه احمدي بامكانه ان يصل واذا حدث ما يراه احمدي فهل سيعود الشعراء الي بلدهم وهل سيعود الفقراء الي بلدهم عندها يخرج الاطفال حفاة تتراقص اياديهم وارجلهم فوق تراب افغانستان الناعم وتعود بيادر الفستق تلمع تحت اشعة شمس الصيف؟ اليد التي تداوي جراح الفقراء وتمسح برفق رؤس الاطفال الايتام الذين فقدوا اهلهم في حروب ماكان لهم فيها ناقة ولا جمل حروب اكلت وجوه الذين دخلوها والذين خرجوا منها.. حروب فجرتها ايدٍ حاقدة علي احلام شعب بساطته كبساطة اشجار الصنوبر في غابات أفغانستان تلك اليد هي حلم الشعراء والفقراء وليس لهم إلا الأحلام.

 

رضا الموسوي - بغداد


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri