
أهمية
البعد المعرفي في معجم النص
البعد المعرفي
في النص ليس جديداً . بل يرجع الى عهود سابقة. وقد تفتح الرومانسيون
على الحضارة الغربية فمزجوا قصائدهم برموزها وأساطيرها وموروثها
الثقافي ولكن الشعر المعاصر هو الذي عمق اللقاء مع الحضارات
الإنسانية من دون الاكتفاء بمصدر واحد. وهو اوربا…
والمتن الشعري
المعاصر لم يعد يعرف حدوداً في التفاعل مع الثقافة الإنسانية
.ولم يعد يخشى توظيف ما ترسب في ذاكرته من موروث حضاري شامل
والشاعر المعاصر تفتح على العطاء الإنساني وفي الوقت نفسه
انتبه الى ما يحيط به من حكايات وخرافات وأحداث تاريخية ونصوص
دينية وشعرية وفكرية فدمج كل هذا وغيره في بنية النص التي
أصبحت معتمدة في تركيبها على إحاطة الشاعر بكل ما يمكن ان
يسهم في بناء عالمه الشعري، ويكفي ان نطلع على نص من نصوص
الشعراء المعاصرين حتى نعرف الى اي مدى وصل حد شغفهم بتوظيف
ثقافتهم الأكاديمية والشعبية، يقول السياب في قصيدة مرثية
جيكور” لا... ولم يختم الزجاج على كل” هرقل “ من العقار الأكيد/
يخنق الموت،
كلما … هم
بالناس ويجتاح كاسرات الأسود..؟/ فهي صحراء تزفر الملح اهات
وشكوى لمائها الموؤود / خورس / شيخ اسم الله... ترللا / قد
شاب ترل، ترل، تراد... وماهلا / ترلل... العيد.. ترللا / ترللا…
عرس حمادي / زغردن ترل... ترللا / “ … ويقول / حسب الشيخ جعفر
ـ من قصيدة “ الملكة … والمتسول “” تنشق عن ـ فيدرا … وعن
اوفيليا في كلة معطارة / وفي قميص النوم / مزق عني الكفن /
وانفض غبار الريح والزمن / خذني وخذني وردة طرية/ فاكهة شهية
/ … الى ان يقول” وها انا… اهبط في قرارة الجحيم في ظلمات
العالم السفلي” من انت “ انا... فيدياس ـ “ فالبعد المعرفي
في هذين النصين ملازم لطبيعة تركيب النص الشعري بحيث يستحيل
على القارئ ان يتفاعل معها من دون ان يكون له القدرة على استخراج
عناصر البعد المعرفي ثم ادراك القوانيين العامة التي تحكمت
في وجودها داخل كل نص وليست هذه النماذج الا مقاطع من نصوص
بل ان النموذج الأول للسياب ليس الا جزءاً من مقطع مشدود الى
ارضية ثقافية يعبر عن قدرة الشاعر السياب في استغلال الموروث
الثقافي العام الذي يرقد في ذاكرة الشاعر مدة قد تطول… وقد
تقصر ولكنه ينفجر في لحظة من لحظات الكتابة .وقد استغل تراثاً
منسيا.. ورموزاً قديمة لهرقل الجبار… وخورس الذي يغني اغنيتين
عراقيتين ووظف النبات البري ـ شيخ اسم الله ـ في حين النص
الثاني... او النموذج الذي اخترته، للشاعر حسب الشيخ جعفر.
جمع تقنيات وابعاد معرفية متنوعة. فالقارئ يلتقي بأسماء شخصيات
قد تكون معروفة ترتبط بالقصيدة… فنياً … وشعرياً ...مثلاً...
فيدياس ـ النحات الإغريقي المعروف ـ ويمثل محاولة الإمساك
بالجمال الازلي. ويمثل ابو نواس محاولة البحث عن النشوة الأزلية
وفي هذه القصيدة تتحد النشوة الهائلة بالجمال اتحاداً ابديا
… فيدرا ـ بطلة يوروبيد المعروفة التي جعل منها الشاعر راسين
عنواناً لإحدى مسرحياته الرائعة. وتمثل هنا ـ الجمال التراجيدي
الفاجع. وقد استثمر الشاعر ـ حسب ـ ثقافته ومعرفته في كتابة
العديد من النصوص لذلك يلاحظ ان”معجم النص “ عنده يتوزع على
ثقافات متعددة ومحاور معرفية. واذكر بهذا الصدد قصائد مظفر
النواب فقد نجح بمعجمه النصي وصوره الدافقة بتطويع الواقعة
التأريخية وأخرجها من سياقها التاريخي مع الاحتفاظ بمضونها...
وقد يلتجئ
الشاعر الى واقع الحياة اليومية فلا يتردد في استعمال بعض
الادلة المحلية الخاصة والماثورات الشعبية من غير ان يسقط
في النزعة الفلكلورية... يقول السياب ـ من قصيدته” المومس
العمياء “وتلوب اغنية قديمة / في نفسها / وصدى يوشوش” يا سليمه،
سليمه / نامت عيون الناس .. اه فمن لقلبي كي ينيمه / “ فالشاعر
يقدم هذه الصورة من حياتنا اليومية بوعي شعري فيعيد صياغتها
حتى ينفذ من خلالها لتقديم رؤيته حول الواقع الاجتماعي انذاك
فالشاعر …بمقدوره ان يوظف الموروث ويعيد خلقه من جديد اذا
كانت تجربته الشعرية محاطة بالمعرفة الإنسانية .ومن هذا المنظور
يكون تدخله في السياق التاريخي والمأثور الشعبي تدخلاً واعياً...
اما الشعراء الشباب فهم نادراً ما يتحدثون عن استغلالهم للبعد
المعرفي او عن توظيفهم المعرفي للشخصيات التاريخية والمهم
بالنسبة… لي في هذا المجال هو التنبيه على ان القارئ لم يعد
يواجه في النص الشعري المعاصر ابعاداً لا عهد لممارسته بها
تدخل في اطار واقعي... او لغوي محدود وانما تعدى ذلك الى مواجهته
بمعرفة غير متمكن دائماً من تفكيك اسرارها . فالقارئ هنا...
امام معجم غير محدد… لا في الزمان.ولا في المكان. ولا شك في
ان البعد المعرفي ادى دوراً اساسياً في تلبيس النص حالة الغموض.
وقد حاول الشعراء في بعض الحالات ان يساعدوا القارئ على فك
رموز النص وفتح بعض النوافذ التي تجنب مخاطر المتاهة وذلك
عندما قدموا لنصوصهم الشعرية بكلمات نثرية او فقرات تحاول
ان تحطم الجدار السميك من دون افتضاض بكارة النص. ولكن النقد
لم يتقبل هذا الحل الوسط لانه رأى فيه قيداً لحرية القارئ
ويمكن ملاحظة ذلك في كثير من المقدمات ـ في مقدمة الدكتور
عبد الرزاق محي الدين لديوان ـ اريج الخمائل للشاعر ـ حافظ
جميل، وفي الشروح التي قدمها الدكتور احسان عباس لقصائد السياب.
ومن المقدمات
التي أسهمت في اضاءة النصوص والكشف عن أبعادها المعرفيةـ مقدمة
محمد برادة ـ في تحليله لقصيدة الشاعر المغربي احمد المجاطي..
”الفروسية“ حيث قال: شعرت ببعض القيود تشدني وانا اقرأ هذه
القصيدة الرائعة للصديق احمد المجاطي ـ ذلك ان حديتي في التلقي
والتذوق تقلصت نتيجة للكلمة التفسيرية والنقدية وبناء على
ذلك تصبح مهمة المقدمة او الشارح ـ هي الحكم على مدى نجاح
الشاعر في ترجمة الاحساسات الاولية الى معادل شعري.. ان البعد
المعرفي يسبب للقارئ محنة كبرى الى جانب الابعاد الاخرى فهذا
البعد يضطره الى مواجهة مستواه الثقافي ونوعية هذا المستوى
ولا يمكنه تجاوز ضعفه في لحظة وجيزة ولذلك اصبحت قراءة الشعر
المعاصر تتطلب قارئاً معاصراً يتمتع بمؤلات ثقافية… جادة حتى
يتفاعل مع النص الشعري.
عبد الرضا جباره