نقد اللا تجانس في النص
تصدت التفكيكية للاتجانسية في النص الأدبي منذ أفول البنيوية عام 1968 بوصفها حركة ضد البنيوية من داخل البنيوية نفسها فهي تتعامل مع الأثر الأدبي او الفلسفي على انه نص لغوي غير متجانس.
ويفترض مثل هذا اللاتجانس ان هناك إمكانية لوجود قوى عمل داخل النص تعمل على تفكيك النص مثلما تعمل قوى أخرى على تماسكه ولذلك تكون مهمة ناقد النص هي التموضع في هذه البنية غير المتجانسة.
والعثور على توترات او تناقضات داخلية يقرأ النص من خلالها ويستنطقه، ثم يفككه. وبذلك يحقق الناقد المتصدي لهذه البنى تاويلاً للخطاب الفلسفي او الادبي ثم يعيد النص الى مراكز او تمركزات كبرى”لاهوتيه، وعقلانية.
ولوغوسية “ على ضوء تفكيكه ولذلك سيعمل هذا التفكيك على نقل مراكز التراث الفلسفي او الادبي مما كانت عليه”لاهوتية وعقلانية ولوغوسية “ وسيتيح مثل هذا العمل امكانية نمو الفلسفة والادب بأتجاهات جديدة.
ويعتبر الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا”واسمه الحقيقي جاك دريدع “ لانه من اصول بربريةٍ هو المؤسس للتفكيكية…
ومثلما انتعشت البنيوية في فرنسا، انتعشت التفكيكية في اميركا بعد جاك دريدا على يد مجموعة من النقاد الاميركان الجدد”دي مان“ هارتمان ويمزات ميلر “…
وقد تعرض النص الادبي لاستبدال بمفاهيمه النقدية حين اعتبر”دريدا الاثر التفكيكي بديلاً عن مفهوم الخطاب”البنيوي “ وبهذا اسس مداليل جديده لتفكيك رمزية النص التي انطلق منها كتنظير مجرد يتضمن وظائف لابد من معرفتها.
ومعرفة تأثيراتها في ذلك النص. ومن هذا الافتراض حقق.دريدا ارتباطه الحميم بعلم الكتابة وعلى وجه التحديد بعلم العلاقة المكتوبة”الغراماطولوجي“ ويقترح دريدا بان اي اثر محكوم بقوتين الاولى تثبته والثانية ...تلغيه.
اي ان الاثر يحتوي دائماً على قوتين”لاغية،وحاضرة “.وكلمة الاثر. تدل على ما يشير وما يمحو اي ما لا يكون حاضراً الى الابد ولهذا السبب يؤمن دريد بفكرة المباينة...
بدل الاختلاف وهي تعني اختلاف المفردة للتعبير عن نفسها وعن نقيضها في نفس الوقت.
اي المفردة التي تتفكك.ولهذا فان اللاتجانسية في النص وفق تشخيصات دريدا في تضاد مستمر بين قوى تلغيه واخرى تثبته .وهو يستمد بقاءه من ثنائية التضاد الممتد عبر البنى التي تتجاذبه فهي قوامه الروحي ونسيجه المتلاحم.
لذلك فان اللاتجانسية ورغم هذه الثنائية ليست تغريباً للمعاني واسقاطا لذاتية القيم لكنها اعادة للموروث ومحاولة لبناء رديف تعبيري تبين الكتابة والكلام وترسيخ ثوابت فنية بأن اللغة المكتوبة تتضمن بنى واشارات منطقية وان النص يتضمن اتجاهين الاول. هو اتجاه الاوليات والثاني هو مدى خروج التطبيقات عن هذه الاوليات مما يؤدي الى تصدع داخل النص نفسه. وقد اثبت دريد ان النص الشعري يتضمن اصلاً خروجا على الاوليات لذا فهو يقاوم التفكيكية .
وقد نظم”دريدا “ حججه في موضع ادراكي واحد على الرغم من ان هذه الاراء لا وجود لها الا في الاشارة لجدليات النصوص التي اختارها هو لذلك فهي لا تدين بالفضل لميادين المعرفةٍ او للتقاليد بل تظهر متأصلة في جميع النصوص على العموم ويستنتج دريدا من فرضياته ان جميع الكلام له شرط الامكانية وهو تدوين سابق له او تحويله الى شفرة.
واذا كانت العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية فلا يمكن وجود علاقة هرمية بينهما ولما كانت العلاقة المتبادلة بين الصوت والمفهوم موجودة فعلاً فأن ذلك يعني وجود عرف او تدوين فالكتابة بهذا المفهوم ليست ثانوية للكلمة المنطوقة بل شرط لها وبهذا الاستنتاج يقترب دريدا من تعريف دي سوسور للكتابة على انها صورة تمثل الكلام.فأذا كانت الكتابة الدال الذي يخص مدلول لغة الكلام فلا بد ان تكون العلاقة بينهما اعتباطية.
ويعتبر هذا التعريف من اولى الفرضيات التي جاء بها دي سوسور وبناء على هذا يسهل علينا الان ان نضع استراتيجية دريدا في المنظور الملائم فهي تختلف عن اصحاب النظريات الذين سبقوه في انها تركز صراحة في اختلاف الذات للمعنى وتحاول ان تكثف عدم امكانية التعبير عنه في”لا “ لفظة ـ واحدة ـ فالنقد التفكيكي يمثل ويعبر دائماً عن مفارقة المعنى بوضعه في عملية ادراكية ثم اثارة السؤال عن العملية الادراكية هذه ولكن نهج دريدا يلغي تعاقب”ثم “ هذه عن طريق استغلال جانبي المعنى في آن” واحد “ داخل اللفظة الواحدة ومن هنا فان الناقد الذي يستند على منهجية دريدا في مقاربته النقدية من النص الابداعي يكون بمقدوره مواجهة”اللاتجانس “ في النص ـ مهما كانت الافعال او الافكار التي يمكن للمعنى ان يثيرها في النهاية فهي من هذا المنظور في المعنى بوصفه بنية الامكانية ومع ذلك فان بوصفه موضوع المعرفة يقع دائما خارج اي غلق ادراكي قد نبنيه له. انا في الواقع. لا اريد من خلال هذا الاقتضاب ان اتناول التفكيكية كمنهج وانما اردت ان اتناول”اللاتجانس “ كمفهوم ـ اي مجموعة العلامات او المجموعات التي يمكن تكرارها . وليس التضاد بين اقوال الاستشهاد من جهةٍ… وأحداث الأقوال المفردة والأصلية من جهةٍ اخرى فحسب فدريدا يدمج الحدث المحتمل للمعنى ببنية التكرار عامةً فيساوي بين التاريخ فعلاً تأوليا والتاريخ بنيةً نظريةً، فمثل هذا الميدان يناقض على ما يبدو اهتمامات النقد الأدبي التقليدية بقدر ما يتعلق الأمر بتجنبه الفصل بين النظرية .. والتطبيق.
عبد الرضا جبارة