من
أجل تأويل جديد
للنص
الأدبي
الباحث الألماني هانز
روبيرت ياوس نشر كتاب "جمالية التلقي" في ألمانيا عام 1996،
محاولاً تبيان سبل تأويل جديد للنص الأدبي، عبر نقد ورصد
وتفكيك مختلف المقاربات التي عرفها النقد الغربي من الرمزية
الى الواقعية الى البنيوية فالتفكيكية...
هذا الكتاب المهم
قام بترجمته الباحث المغربي رشيد بنحدو، ويصدره في القاهرة
"المجلس الأعلى للثقافة" من ضمن "المشروع القومي للترجمة".
أخذنا فصلاً من فصول
الكتاب عنوانه "الإنتاج والتلقي، أسطورة الأخوين العدوين".
***
لم يحدث أبداً في
تاريخ التجربة الجمالية أن ظهر مفهوماً "الإنتاج" و"التلقي"
بمظهر الأخوين العدوين. إلا أن ما يدعو للدهشة هو إثبات
أنهما، في لحظة معينة كانا كذلك بالفعل. فبمناسبة الجدل
الذي دار في الستينيات حول نقد الأيديولوجيات، احتدم النقاش
حول مسألة "تنازع التأويلات". وكان الغرض آنذاك هو معرفة
ما إذا كان الإنتاج، بصفته عاملاً حاسماً في كل "ممارسة"
اجتماعية"، عاملاً أيضاً يحدد مجموع النشاط الجمالي أو كان
التلقي، على الرغم من تبعيته للإنتاج، لا يمثل شرطاً أولياً
يتوقف عليه فهم النص الأدبي.
ومن أجل التحقق من
بطلان هذا السجال حول أسبقية وجهة النظر المادية أو وجهة
النظر المثالية ـ لأن جمالية الإنتاج وجمالية التلقي مترابطتان
بطبيعة الحال ـ كان يكفي الاحتكام الى سلطة لا يمكن أبداً
اتهامها بالمثالية، ويتعلق الأمر بكارل ماركس Karl Marx
الذي يصادر في 1857 في معرض وصفه الجدلي لسيرورة رواج السلع،
على أن كل إنتاج يستجيب للتلقي، مثلما أن لكل استهلاك جانبه
الإنتاجي. وقد استشهد ماركس Marx بمثال الممارسة الجمالية
بالضبط ليوضح هذه العلاقة الجدلية، حيث قال "إن الموضوع
الفني يخلق جمهوراً للفن ولمنتجاته (...) أي ذاتاً للموضوع
(...). وبنفس الكيفية، يحدد الاستهلاك تدابير المنتج ما
دام أنه يتطلب ذاك بواسطة حاجة تعين له غاياته. وبموجب هذه
الجدلية نفسها يتدخل في حقل الرواج والتداول ما ننعته اليوم
بـ"التواصل الأدبي".
ولقد تعرض نشاط الإنتاج
ونشاط التلقي لنفس القدح والتشهير، بحيث تم اعتبارهما منذ
عهد طويل ابنين غير شرعيين انجبتهما الإبستمولوجيا الكلاسيكية
والأنثروبولوجيا المسيحية. وقد كان على نظرية التجربة الجمالية
أن تنتظر وقتاً طويلاً لتتخلص من ذلك القيد الثقيل الذي
كبلت به فعل الـ Poiesis تلك اللعنة التي فرضها التقليد
التوراتي على كل عمل. وتزامناً مع ذلك، قيد مفهوم "محاكاة
الطبيعة" كل ابتكار مبدع، فيما حدّت الأفلاطونية، التي تؤمن
بألا معرفة بدون استنباط، من حرية فهم العمليات الإنتاجية.
وقد كان ضرورياً انتظار التصور الحديث لـ Faber Homo الذي
أمكنه، منذ شلجر Scaliger، نشدان وضعية الـAlter Deus (الإنسان
الصانع) ومنذ فيكو Vico، إدراك حقيقة ما أنتجه بنفسه، ليتم
منح نشاطي الإنتاج والتلقي حق صياغة تصويرهما النظريين الخاصين.
ويؤشر التداخل بين الإنتاج والفهم (أو البناء والمعرفة)،
كما قال فاليري Valery في كتابه ("مدخل الى منهج ليوناردو
دافنشي" duction ? la m?thode de l?onard de vincy) على
ولادة "إبستمية" حديثة تؤسس ضمنها العلاقة المشتركة بين
الإنتاج والتلقي علمَ الجمال وعلم التأويل بوصفهما علمين
حديثين.
علاقة أخوية
بيد أننا لا نفتقر
الى شهادات متعددة تثبت العلاقة التكاملية والأخوية بين
الإنتاج والتلقي قبل أن يرقيا الى مستوى النظيرتين. وحسبي
أن أشير هنا الى بعض الأمثلة، لعل من أقدمها وصف درع أشيل
Achille في "الإلياذة" (الفصل 18، ص. 478 وما يعقبها). فالمؤلف
هوميروس يقدمه لنا بما هو نتاج عمل هيفايسطوس. أما بوويزيس
الإله الماهر، فيوجه رؤية المتفرج الإنساني لتخترق الكون
كله وتجيل نظره عبر كافة حقول النشاط البشري، ابتداءً من
اكثرها نبلاً وانتهاء الى أكثرها تعلقاً باللعب، وهو رقصة
جزيرة كريت التي تسيج بدائرتها التعارض بين الحرب والسلم،
بين الحفل والعمل. ويكشف لنا المثال الثاني، وهو تاريخ تفسير
التوراة، كيف أن تلقي نص مقدس، بعد أن كان سلبياً في الأصل،
قد أمكنه أن يصبح على امتداد الأحقاب تلقياً فاعلاً ومنتجاً.
أما الشروح النحوية والتأويل ونظرية المعاني الأربعة لكلام
الله، فلم تكن تستهدف إعادة بناء المعنى الأصلي للنص، بل
إتاحة تطبيقه على الأحوال التاريخية للكنيسة ولكل مؤمن،
وهو ما يعني لا محالة تصوراً إنتاجياً للنص. وبنفس الكيفية،
فإن تأويل الشراح اليهود للتوراة على نحو صوفي ورمزي ساعد
شعبهم على تأويل الـ Doxa (الإله الآخر) بطريقة جديدة تناسب
معاناتهم للنفي والاضطهاد. ولهذا السبب، اعتبرت كلمة Kaballe
العبرية مرادفة اشتقاقياً لكلمة Receptio (الرأي السائد)
اللاتينية.
وبعد ذلك بكثير، أمكن
للفرنسي مونتيني Montaigne أن يبتدع في مؤلفه "أبحاث" Essais
ممارسة كتابية تمثل في حد ذاتها قراءة منتجة تعبر عن تمرس
بالنص وعن تمرس بالذات في نفس الآن، محققة بذلك اتحاداً
وثيقاً بين التلقي والإنتاج. ذلك أن مونتيني Montaigne قد
رقّى بُعد الإنتاج في الكتابة الى مقام المعرفة بالذات:
"لم أصنع كتابي قدر ما صنعني كتابي. كتاب متعايش مع كاتبه،
له حياته الخاصة فيما هو جزء من حياتي (الجزء الثاني، ص
181). وترابطاً مع ذلك، تصور نشاط القراءة بكونه ـ قبل كل
شيء ـ فعل تلق منتج. كما حرر القارئ ليصبح مساهماً في إنتاج
معنى النص، مستبقاً بذلك شلايرماخر Schleiermacher الألماني
الذي يقضي مبدأ التأويل عنده بأن القارئ أحسن فهماً للنص
من الكاتب نفسه، وذلك في قوله: "القارئ الكفء هو من يكتشف
نصوصاً ممتازة أخرى ضمن ما تصوره الكاتب وكتبه ومن يمنحها
دلالات وأوجهاً أكثر غنى (الجزء الأول، ص.24).
وقد حافظ شلايرماخر
Schleiermacher على مبدأ التفاعل بين الإبداع والتأويل ليجعل
منه، لقرنين بعد ذلك، أساس نظريته الهيرمينوطيقية، هذا في
الوقت الذي كانت فيه الجمالية المثالية الرومانسية الألمانية
تؤكد من جديد فكرة استقلال الفن، قاطعة بذلك الصلة بين الإنتاج
والتلقي، بين العمل وآثار القراءة. فالفن المستقل موجود
في ذاته ولا هدف له سوى التحقيق (التعبير) الذاتي للإنسان
الذي ينتجه أو يتأمله. فهو ينقله الى عالم متحرر من إكراهات
العالم الواقعي ومتناف مع كل بعد اجتماعي، عالم لا تتلقاه
سوى الذات المنعزلة لفرد هو القارئ.
امتداد الفن
وفي مقابل هذا التصور،
الذي يلغي في الفن كل بعد تواصلي واجتماعي، سيكرس هيجل Hegel
مبدأ "امتداد الفن الى الآخر"، حيث يقول: "مهما حاول العمل
الفني أن يبني عالماً متماسكاً وقائماً من تلقاء نفسه، فإنه،
بصفته موضوعاً واقعياً، لا يوجد لذاته، بل يوجد لنا نحن،
أي من أجل جمهور يتأمله وينتشي به". (علم الجمال Esth?tique،
منشورات باسينج Bassenge، 1955، ص 276).
وسنصادف وجهة النظر
هذه في العصر الحديث عند فيلسوف فرنسي ندين له ولـالتر بنيامين
Walter Benjamin بفضل رد الاعتبار لنظرية التلقي، التي ظل
أنصار كل من المثالية والماركسية يستخفون بها الى غاية منتصف
القرن العشرين، وأقصد به جان بول سارتر Jean - Paul Sartre
الذي شغلته هذه القضايا في أكثر صفحات كتابه "ما الأدب؟
Qu'est -ce que la littarature" عمقاً وثراءً. فقد حلل جدلية
العلاقة بين بعدي الإنتاج والتلقي في الممارسة الأدبية،
بين الكتابة والقراءة، على أساس أن أي كاتب لا يمكنه أن
يتجاهل الفجوة بين تكون النص وقراءته: "لا يمكنني أن أكشف
وأن أنتج في آن واحد. فالإبداع يستهدف ما ليس جوهرياً بالنسبة
للنشاط الإبداعي. إن الموضوع المبدع، حتى ولو ظهر للآخرين
نهائياً، يبدو لنا موقوف التنفيذ باستمرار، فباستطاعتنا
دائماً أن نغير هذا السطر أو هذا اللون أو هذه الكلمة، فهو
لا يفرض نفسه أبداً. إن النص المنتج منفلت من الذات المنتجة
التي لا تتحقق أبداً من شكله النهائي.
فإدراكه من حيث هو
موضوع يتطلب نظر الآخر إليه، أي نظر القارئ. ولهذا السبب،
يضطر الكاتب الى التوقف ليتمكن من القراءة. فالفجوة بين
الإنتاج والمادة المنتجة تحول دون إمكانية الكتابة والقراءة
في آن واحد. فلو كان الكاتب يكتب لنفسه فقط لما أمكن للنص
أن يوجد بما هو موضوع. "إن عملية الكتابة تفترض عملية القراءة
باعتبارها ملازمة جدلياً لها (...). فاتحاد الكاتب والقارئ
هو الذي يمنح الحياة للنص بما هو موضوع واقعي ومتخيل أنتجه
العقل. فلا فن إلا من أجل الآخر وبواسطة الآخر".
إن هذا الاستدلال
لا يثبت فقط قولة اليري Valery المستفزة: "لأشعاري ذلك المعنى
الذي يعطيه إياها القارئ، بل يستبق كذلك نظرية التلقي والتأويل
التي ستتطور في الستينيات. فالحل الجدلي الذي يقترحه سارتر
Sartre لإدراك العلاقة بين الإنتاج والتلقي يفتح أمام القارئ
مجال "إبداع موجه"، أي ما أدعوه في اصطلاحي الخاص "تلقياً
منتجاً": "إن القارئ واع بأنه يكشف ويخلق في آن واحد، يكشف
وهو يخلق ويخلق وهو يكشف". وهذه الملكة التي يمنحها سارتر
Sartre للقارئ سيحددها لاحقاً ولجانج إيزر Wolfgang iser
بدقة أكثر من خلال مفهوم "بياضات" النص: "لا شك في أن الكاتب
يوجه القارئ. لكنه يكتفي بتوجيهه. فالشواخص التي ينصبها
يفرق بينها الفراغ، لذلك يجب الوصل بينها وتجاوزها". أما
"ميثاق المروءة بين الكاتب والقارئ" الذي يتحدث عنه سارتر
Sartre، فيفترض حرية التجربة الجمالية "هكذا إذن تكشف حريتي
إذ تتجلى عن حرية النص" ويضع سلفاً نظرية "النصية" موضع
سؤال، هذه النظرية التي تقوم على اعتبار النص، بما هو "كتابة"
موضوعاً مطلقاً لا يساهم ضمنه القارئ في عملية بناء المعنى،
مما يعني نسيان أن كل أدب تواصل وليس فحسب "مجموعة من "الاختلافات".
منعطف الستينات
ويمثل منعطف الستينيات
بالنسبة لنظرية سارتر Sartre انتصاراً لمبدأ "انغلاق النص"
الذي لا شك في أنه سمح بوصف أدق للنصوص، لكنه استتبع في
الآن ذاته عودة الى المثالية البنيوية. فإذا اعتبرنا النص
نتاجاً منجزاً وتاماً ينفصل إنتاجه (ما قبل النص) كلية عن
تلقيه (ما بعد النص) فإننا نجازف برؤية هذا النص يتفكك ويتجزأ
ضمن نكوص لا متناه لـ"إنتاج نص" مكتف بذاته. وهذا يعني أن
الكتابة موضوع مثالي، أي واقع موجود لذاته. والحق أن هذا
التصور لا يعدو كونه قلباً لتلك العلاقة القديمة بين النص
والعالم التي تصدر عن تقليد "الكتابة المقدسة". وقد أشار
أومبيرتو إيكو Umberto Eco الى هذا القلب في قوله الموجز
المفحم: "لقد أخطأت القرون الوسطى حين اعتبرت العالم نصاً
وأخطأ العصر الحديث حين اعتبر النص عالماً".
وفي الوقت نفسه، تطور
نقد جديد مدعوٌّ "تكونياً" استهدف، إذا لم أسئ الفهم، إعطاء
أساس جديد للعلاقات الجدلية بين الإنتاج والعمل المنتج.
فقد استبدل هذا النقد البحث في "تكونه" بوصف النص من حيث
هو نتاج مكتمل، لا على أساس تصور بيوغرافي أو عضواني، بل
على أساس فرضيات متعلقة بحيثيات هذا النص وهو في طور التشكل،
أي "ما قبل النص"، فرضيات يتم إثباتها أو دحضها. وهذا يعني
إيلاء القضايا التي أثارها سارتر Sartre أهمية خاصة، سواء
تعلق الأمر بالفجوة بين الكتابة والقراءة أو بتماسك سيرورة
الكتابة أو بسلبيات التحويلات أو إيجابياتها أو بالقفزة
النوعية بين ما قبل النص والنص النهائي أو بالعلاقة بين
التكون الذاتي والشفرة الثقافية الجماعية أو أخيراً، وهذا
هو الأهم، بـ"أفق توقع" القراء الذي يأخذه الكاتب بعين الاعتبار
في أثناء الكتابة. ذلك أن جمالية الإنتاج وجمالية التلقي
ليستا فقط متكاملتين من حيث إن الأولى تنهي عملها حين انتهاء
النص ذاته من التكون وأن الثانية تتخذ اكتمال النص منطلقاً
لعملها. فالتحليل التكويني، حتى حين يختص بموضوع الكتابة
لا بد وأن يصادف مسألة التلقي باعتبارها جزءاً لا يتجزأ
من عملية إنتاج المعنى. فكما أن سارتر Sartre الكاتب في
حاجة الى تعاون القارئ معه، فإن النقد التكويني في حاجة
الى نقد المتلقي.
ولن أستطيع توضيح
هذه الإشكالية على نحو ناصع إلا بالاستشهاد بمثال مستوحى
من الأدب المعاصر يشغل كافة النظريات الممكنة والمحتملة
التي تتعلق بالترابط الجدلي بين الإنتاج والتلقي، ويتعلق
الأمر برواية إيتالو كالينو Italo Calvino الرائعة "لو أن
مسافراً في ليلة ممطرة.. التي يكتسي فصلها العاشر دلالة
خاصة في هذا الصدد. فهو عبارة عن مذكرات كتبها سيلاس فلانري
Silas Flannery قادت المؤلف الى أن يدمج في نصه نوعاً من
النقد "التكويني" بواسطة تقنية "التقعير". وفي هذه المذكرات
نجد صدى لفكر سارتر Sartre باعتبار وصفها للتجربة الواقعية
لكاتب يتأمل في علاقته بالقارئ ويدرك عوائقها في شكل سلسلة
من المفارقات.
أولى هذه المفارقات
أن الكتابة والقراءة لا يمكنهما أبداً أن تتزامنا. فقد حدث
ذات مرة لسيلاس Silas، وهو عاكف على الكتابة، أن رصد بواسطة
منظار مقرب امرأة عاكفة على القراءة وهي ممددة فوق أريكة
في شرفة دار بعيدة على الشاطئ. وقد ضايقه تزامن نشاطه الخاص،
وهو الكتابة، مع قراءة هذه المرأة المجهولة، بل أثار عنده
رغبة غير معقولة، وهي "أن تكون الجملة التي أنا بصدد كتابتها
هي نفس الجملة التي تكون المرأة بصدد قراءتها في ذات الوقت
"(ص: 182). فلماذا يتعذر تحقق هذه الرغبة؟ لأنها تُحبَط
في المسافة التي تفصل كتابة سيلاس Silas عن قراءة المرأة.
ونظراً لاستحالة عبور هذه المسافة، فإن سيلاس Silas يضطر
الى الشك في حقيقة ما يكتب أو إذا شئنا في أصالته: "أحياناً
أقتنع بأنها تقرأ كتابي الحقيقي، ذلك الذي كان علي أن أكتبه
منذ زمن بعيد والذي لن أنجح في كتابته أبداً (ص: 183). لكننا،
إذا تمعنا في الأمر، سنلاحظ أن الكتاب المستحيل الحقيقي
لا يمكنه أن يكون سوى ذاك الذي في طور الانكتاب. بل لهذا
السبب بالذات يبدو مستحيلاً وأكثر حقيقة ما دام أن المرأة
القارئة تتلقى دائماً ما يكون سيلاس Silas بصدد كتابته على
أنه نتاج ناجز ومكتمل. فكما أن الموضوع، في شكله الجاهز،
يفلت من الكاتب، فإن عمل كتابته يظل دوماً غريباً على القارئ.
وإذا حدث بالمقابل أن كانت القارئة تنظر الى الكاتب من الخلف
وهو يكتب، فإن هذا الأخير سيصبح فوراً، وباعترافه، عاجزاً
عن الكتابة.
خلاص
إن ثمة خلاصاً واحداً
من هذا التناقض: فلو أصبح سيلاس Silas كاتباً منتحلاً، فسيمكنه
أن يقرأ ويكتب في الآن ذاته. بهذه الطريقة، يستوحي كالينو
Calvino تجربة جان ـ لوي بورجس Jean-louis Borges في كتابه:
"بيير مينار، مؤلفاً دون كيشوت" بل ويطورها. وهكذا، شرع
سيلاس Silas في نسخ مطلع رواية "الجريمة والعقاب" لـ دوستويسكي
Dostoievsky ليكتشف إغراء هذا النشاط أو هذا السلوك الذي
أصبح اليوم غير معقول، وهو الانتحال: "إن الناقل يعيش في
آن واحد زمنين: زمن القراءة وزمن الكتابة. فبوسعه أن يكتب
دون أن يعاني قلق الفراغ الذي ينفتح أمام ريشته، وبوسعه
أن يقرأ دون أن يقلقه الإخفاق في تحويل عمله الى موضوع ملموس
(ص 190). وفي غضون ذلك، وفد عليه وكيل أدبي يدعى إرميس مارانا
Ermes Marana ليخبره بأن ناشراً يابانياً اهتدى الى الصيغة
التي تسمح بكتابة رواياته، فأصدر بذلك عشرات النصوص باسم
سيلاس فلانري Silas Flannery التي لم يسبق طبعها والتي تتمتع
بجودة رفيعة. فكان رد فعله مدهشاً: فبعد احتجاجه في البداية
على اغتصاب عمله هذا، اعترف بأن "هذه النصوص المقلدة المبتذلة
(...) يمكنها في الوقت نفسه أن تخفي حكمة في غاية الدقة
والسرية، حكمة تفتقدها النصوص الأصلية..." (ص 191).
فلئن كان بورجس Borges
يريد الإيحاء بأنه بإمكان النقل الحرفي لنص ما نفسه أن يكتسي
عبر الأزمان دلالة جديدة، فإن كالفينو Calvino يقصد ما هو
أبعد من ذلك بما أنه يعتبر النسخة المزورة ذات رفعة وتفوق
على الأصل ويمنحها بالتالي مشروعية سخرية. هكذا إذن، وفي
العصر الإلكتروني، يصبح المثل الرومانسي الأعلى للإبداع
الأصلي أمراً متجاوزاً ويصير مفهوم "الأصالة" وهماً عبثياً
في عصر "وسائط الاتصال" وقابليتها اللانهائية للتولد والتعدد.
وبما أن مؤلف رواية هو في أي حال شخصية خيالية، فباستطاعة
سيلاس Silas أن يصبح مبدع أعمال مزيفة ومن ثم نموذجاً لمؤلف
ما بعد الحداثة المثالي، أي "ذلك الذي ينحل في سحابة من
الخيالات التي تغطي العالم بغلالة كثيفة" (ص 192) وانطلاقاً
من هذه الفكرة، تشرع الحكمة الدقيقة والسرية في التشكل بصفتها
خلفية للرواية، وهي أن عميلاً سامياً للخداع والمخاتلة،
يدعى إرميس مارانا Ermes Marana، أسس "منظمة سلطة الدلس"
ليزاول نشاطه التزويري. وقد انقسمت هذه المنظمة بسرعة الى
فئتين: أصحاب العقول المستنيرة وأنصار العدمية، وركزت جهودها
على الكتاب بما هو أغلى ثروة في عالم تحكمه تماماً قوانين
اقتصاد السوق، لكنها فشلت مع ذلك في استدراج القارئة المثالية
الى فخاخها. فقد ربحت المرأة المجهولة الرهان حين اضطر "المستبد
المدير العام للشرطة الكلية الوجود" الى الاعتراف بما يأتي:
"في القراءة يحصل شيء لا سلطة لي عليه (...) ففي المرسوم
الذي يمنع القراءة، يمكن قراءة شيء ما من هذه الحقيقة التي
لا نريد أن تكون مقروءة..." (ص 257).
والمفارقة الثانية
هي محاولة سيلاس Silas التهرب من طلب إرميس مارانا Ermes
Marana الشيطاني على نحو يكتسب معه امحاء الذات دلالة أخرى:
"أنا أيضاً أريد أن أمحي بنفسي وأن أبتكر لكل كتاب ذاتاً
أخرى وصوتاً آخر واسماً آخر، أي أن يحيا حياة جديدة. لكن
ما أصبو اليه هو أن أقبض في الكتاب على العالم اللامرئي،
عالم بدون مركز ولا أنا..." (ص 193). إن التحلل الحقيقي
لـ"أنا" أسيرة لذاتها هو معاً بداية ونهاية، أي امحاء لحدودها
الشخصية ضمن تعددية تسمح، بواسطة "أنا دوماً مختلفة، بالعثور
على مدخل الى عوالم دوماً ممكنة. ومن ثم لا يكون العدول
عن الاستقلال الذاتي لـ"الأنا" خسارة، بل ربحاً إذا ما سمح
بالتعبير عن كل ما يكون قد ظل خارج ذاته، أي عالم غير مقروء
لأنه غير مكتوب بعد. هنا يستوحي سيلاس Silas كتاباً يوصي
ببناء فعل "فكّرَ" الى المجهول مع تصريفه الى ضمير الغائب
المبهم، بحيث يكف فاعل فعل "الكتابة" عن كونه "من يفكر"
ليصبح "ما يفكر". ولئن كان كالينو Calvino يلمح هنا الى
ديريدا Derrida، فليس دون نية تعديل فكرته على الأقل: "إن
الكتابة، مع افتراض تمكنها من مجاوزة حدود المؤلف، ستظل
بدون معنى طالما لم يقرأها شخص نادر تخترق مداراته الذهنية.
فوحدها إمكانية أن تكون مقروءاً من قبل شخص محدد تثبت أن
ما كتب يتصل بطاقات الكتابة، طاقات تستند الى شيء ما يتجاوز
الفرد. فإذا استطاع أحد أن يقول: "أنا أقرأ إذن فهذا يكتب"
فسيكون ممكناً آنذاك أن يعبر العالم عن نفسه (ص 188). فلا
يمكن للعالم غير المقروء أن تدركه "الكتابة" وأن تعبر عنه
بوصفه عالماً بدون ذات إلا إذا لم ينكتب المكتوب في ذات
وأمكن لذات قارئة أن تقرأه!
جدلية
وإذا كان كالينو Calvino
يستفيد هنا من جدلية "الإنتاج ـ التلقي" السارترية لمعارضتها
مع نظرية ديريدا Derrida الرافضة لكل نزعة عقلية مركزية،
فلأجل التلميح الى بورجس Borges حين يكون المرام جعل شساعة
اللامكتوب، أي العالم بدون ذات، قابلة للقراءة من قبل ذات
معينة. هنا يتعلق الأمر إذن بـ"بديل مكتبة بابل": "فإما
كتابة كتاب يمكن أن يكون الكتاب الأوحد القادر على تلخيص
"الكل" في صفحاته، إنما كتابة كافة الكتب وملاحقة "الكل"
في صفحات جزئية" (ص 194). ويبدو أن الحل الأول متعذر التنفيذ
كما يوضح ذلك كالينو بواسطة تفسيره هذا لنادرة قرآنية: "كان
النبي محمد ينصت الى كلام الله ويمليه على رواته (...).
وذات مرة، كان يملي على عبد الله (...) ثم تلعثم فجأة في
وسط جملة فأوحى له عبد الله بالبقية تلقائياً. فاضطر محمد
الى اعتبار ما قاله له عبد الله وحياً إلهياً. وهو ما استنكره
عبد الله الذي هجر النبي وارتد عن الإسلام". فلماذا حاد
عبد الله عن دين محمد؟ إن ما يبرر ذلك ليس هو انصرافه عن
الإيمان بـ"الكتاب" كما استخلص ذلك كالينو Calvino بطريقة
تبدو لي غير مقنعة إطلاقاً، بل هو أن الكلام الكلي والموحى
به لا بد وأن يبقى، في النص المقدس، مفارقاً، أي سامياً
على كل أنواع الكلام وغير متوقع. فالكتاب الوحيد القادر
على قول "الكل" يتجاوز جدلية "الإنتاج ـ المُنتَج" البشرية.
ونص هذا الكتاب هو، من زاوية بشرية وفي آن واحد، متعذر الكتابة.
وأيضاً، وبشكل مفارق، مكتوب منذ الأزل والى الأبد. ولهذا
السبب، لم يبق أمام سيلاس Silas سوى الحل الثاني: أن يكتب
كل الكتب، كُتبِ كل المؤلفين الممكنين. وبما أن هذا عملياً
مستحيل، فقد خطرت له هذه الفكرة الفذة، وهي أن يكتب رواية
ببداية كل الروايات: "رواية تحافظ طيلة مدتها على كل احتمالات
البداية" (ص 189). هكذا إذن ينفتح عالم الخيال المغلق على
عدد لا حصر له من آفاق كل العوالم الممكنة!
ولا شك في سيلاس Silas،
باختيار هذا الحل لا يتخلص فقط من تلك الغائية الكلاسيكية
الخاصة بسرد ينطلق من بداية الى نهاية عبر وسط (أي مبدأ
"انغلاق النص")، بل يتخلص أيضاً من مفارقة الأدب الثالثة،
وتتمثل في الغائية الضمنية لذات لا تبارح أبداً هويتها الخاصة.
فحتى لو ظل الكاتب يؤجل موضوعه باستمرار (ص 90) وكان واعياً
بأن مستقبل نصه ونهايته لم يتحددا بعد لأنه لم يقرر بعد
هذا المستقبل (ص92) فهو لا يسعه أن يتخلص من غائية لا تنفك
أبداً عن ذاته. ذلك أن الإنتاج الجمالي يستجيب دائماً لحاجة
معينة، وهي أن تدرك الذات أنها أساسية بالنسبة للعالم (ص
90). ومثل هذه السيرورة إذا كانت تجعل الموضوع أمراً تابعاً
أو ثانوياً بالفعل، فهي تحافظ أيضاً على ما هو جوهري بالنسبة
للذات، وهو بحثها عن هويتها الخاصة (ص 91). غير أن طموح
سيلاس Silas الكاتب هو بالذات إدراك عالم لم تقع قراءته
بعد ولم تجعله الكتابة بعد حدثاً موضوعياً، عالم بدون عنصر
الذات الكاتبة المركزي. وهو ما يعنى تفويض سلطة الذات الكاتبة
المطلقة الى محفل آخر من محافل الخطاب، ألا وهو القارئ،
الذي يضطلع من ثم بوظيفة جديدة، وهذه خاصية ثانية من خصائص
عبقرية كالينو Calvino فالقارئ في رواية كالينو Calvino،
وخلافاً لما هو شائع في روايات العصر الحديث الكلاسيكية
التي تبرز على سطحها صورة القارئ (خاصة جاك القدري Jacques
Le Fataliste وتريسترام شاندي Tristram Shandy ودون كيشوت
Don Quichotte لا يحضر كطرف يخاطبه المؤلف فيستشيره حول
تتمة الحدث ويجادله حول دلالة النص، ولا يساهم فقط في مراحل
الكتابة كافة بمناقشته لتكوّن هذا النص، بل هو أيضاً مدعو
بصفته قارئاً الى تحمل تبعات مجازفات الذات الكاتبة المجهولة
التي قُدّر لها أن تختفي وتظهر باستمرار على امتداد الحكايات
العشر المتقطعة التي تؤلف الرواية. فالقارئ الحسن النية
لا يمكنه بعد الإبقاء على مسافة بينه وبين ما يقرأه. فهو،
منذ أن خاطبه الكاتب بصيغة المفرد رفعاً لكل كلفة، ومروراً
بالنحوية المريبة لـ"أنا" متعاوضة، وَجَدَ نفسه منخرطاً
في دوامة الأحداث المحكية بشكل غير محسوس. وأصبح، طوعاً
أو كرهاً، ذاتاً تتعرض لسلسلة من الأحداث التي يبدو أن المؤلف
انسحب منها. والمصير الوهمي لهذا القارئ الخيالي (Lettore
che ? Letto) (القارئ الذي قرأ) يكرّس ويخرق في آن واحد
أجناساً أدبية تُعدّ بعدد الحكايات التي تتضمنها الرواية.
فهو كذلك ينخرط في أحداث ثانوية تؤطره، أي مغامرة قارئ "حقيقي"
(Lettore che ? Letto) (القارئ الذي يقرأ)، ينتمي الى عالم
الواقع اليومي. هكذا إذن تبتدئ الرواية في مكتبة يتعرف القارئ
في بهوها على قارئة تدعى لودميلا Ludmila. وسرعان ما يجدان
نفسيهما منجرفين عبر محافل كافة ومؤسسات عالم الأدب المعاصر
الممكنة، بحثاً عن الكتاب الحقيقي، ذاك الذي توارى تحت ركام
النسخ المزورة اللانهائي. ولا غرو أن كالينو Calvino قد
نجح هنا في تحقيق ما لم تستطع أي نظرية للتلقي تحقيقه إلا
جزئياً، ألا وهو وصف سيرورة القراءة، تحديدها وتحريفها السحري
معاً في مراحلها كافة بأسمى الأشكال، ابتداء من إجراءات
التسويق وقرار النشر، مروراً بالصناعة والتوزيع والمقررات
الجامعية والمجالات الأيديولوجية والإحصاءات الحاسوبية وهكذا
دواليك، وانتهاء الى الرقابة المطلقة وبالرؤيا القيامية
النهائية لفناء كل واقع، فناء يتحول بموجبه العالم في الأخير
الى ورقة تخربشها كلمات مبهمة.
ولعلّني بهذه القراءة
أكون قد عللت لماذا أعتبر رائعة إيتالو كالينو Italo Calvino
هذه بمثابة شعرية حقيقية تشمل كافة نظريات التكون والتلقي
معاً. زد على ذلك أن الرؤيا القيامية في الحكاية العاشرة
ليست آخر حلقة في الرواية. فسرعان ما أعقب "الشعور بعالم
ما بعد فناء العالم" حوار في المكتبة بين سبعة قرّاء يتبادلون
خبراتهم ويكتشفون أن عناوين المقاطع العشرة المولفة للرواية
تتألف فيما بينها لتكوّن قصيدة يُقرأ بيتها الأخير في شكل
سؤال لا جواب له: "أي حكاية تنتظر نهايتها هناك؟". وبما
أن الأدب لا يحمل أي نهاية، فمن الجائز تصوّر نهاية سعيدة
في حياة البشر يكون فيها "سرير الزوجية الكبير" الذي يضم
القارئ والقارئة فضاء يحتضن "قراءتيهما المتوازيتين" وإذا
كان كالينو Calvino قد افتعل نهاية سعيدة ساذجة كهذه، فلأنه
يومئ الى المعنى العميق لقصة حب بين القارئ والقارئة. ففي
الوقت الذي أصبح فيه موت الذات الحقيقة الأخيرة لما بعد
البنيوية، فإن الروائي أبى أن يُجاري موقف مناهضة الحداثة
المتحسّر على ضياع الأنا، وذلك بقلبه هذا المنظور بواسطة
برهان مستفزّ، وهو أن الكارثة الحقيقية ليست في ضياع "الأنا"،
بل في ضياع "الأنت". أما "قارئه المتوسط"، الذي منحه سمات
كانديد Candide معاصر، فهو يكافئه بقارئة مثالية هي بياتريس
B?atrice التي تحركها رغبة عارمة في المعرفة والتي تسبقه
الى العوالم الوهمية للقراءة، وتسعفه على إتمام ولو قراءة
واحدة، قراءة مشتركة للنص الذي ليس، بالنسبة لكل من القارئين
المتحابين، سوى جسد الآخر. في حين يعرفّ كالينو Calvino
قارئته المثالية بعبارة هي تنويعه الخاص على "ميثاق المروءة"
عند سارتر Sartre، عبارة تسمح بمجاوزة جدلية الكتابة والقراءة
وبالتوفيق بين هذين الأخوين اللذين كانا قديماً عدويّن،
أي التكوّن والتلقي، وهي قوله، "أنا أنتظر من القرّاء أن
يقرأوا في كتبي ما لم أكن أعرفه. لكنني لا أتوقع ذلك إلاّ
من قرّاء يتوقعون قراءة ما لم يكونوا أيضاً يعرفونه".
هانس روبيرت ياوس
ترجمة: رشيد بنحدو