سيكوباتيا
المنتج الأدبي
لم يتلق أحد من الاتهامات
ما تلقاه المنتج الأدبي، وكلها اتهامات تدل على أنه مخلوق
غير سوي، يختلف عن بقية الجنس البشري اختلافاً كاملاً، فكأنه
مبتوت عن بني جنسه لا يشترك معهم إلا في الكتلة الجسدية
التي تدب على أرض مشتركة فقط، وكل ما سوى ذلك يختلف فيه
عنهم، فهو متهم في درجة أن نومه وقيامه وشرابه وطعامه وحضوره
ومجلسه وتصرفاته وملبسه لها طابع خاص يختلف عن بقية أفراد
جنسه الميمون المتزن الرزين، العاقل الحكيم، العامل الناجح،
المتطور المتقدم..
إلى آخر ما هنالك
من صفات لا أساس لها من الصحة يضفونها على أنفسهم. إن المنتج
الأدبي مثله مثل غيره من المنتجين الفنيين، ينظر إليه كأنه
من بقايا الكائنات المنقرضة: أو كأنه شامان من الشامانات
الذين انصرم عصرهم ولكنهم يمارسون الطقوس السحرية، فيتعرضون
للسخرية الخفية دائماً والصريحة في بعض الأحيان. كثيرة هي
المصادر التي تفبرك هذه الاتهامات.
فهناك الصناع والتجار
والمقاولون والأثرياء ورجال الأعمال... كل أولئك الذين سقطوا
في مستنقع الشيطان، في مستنقع الملكية السرطانية التي لا
تعرف حدّاً، والتي تتحرك مثل عربات الجيش الفارسي بشفرات
طويلة مركبة في عجلاتها تقطع كل ما تصادفه على الجانبين..
ووجهة نظر هذه الفئات بسيطة وواضحة ومنطقية بالنسبة إليهم.
إنهم يرون المنتج الأدبي شاذاً كل الشذوذ، وهل هناك شذوذ
أشد من انحراف هذا المخلوق عن "الطريق القويم"؟...
بالطبع يقصدون بالطريق
القويم الانكباب على التملك والمغامرة بالروح من أجل الحيازة،
لا لنقص في الحاجات، بل لمزيد من بسط السيطرة وإقامة مملكة
يتوهمون أنها تجلب لهم السعادة. إنهم لا يتورعون عن الغش
والاحتيال والنفاق... نعم وإلا فكيف يغتنون بمدة أقصر من
عمر دودة القز؟... لن ندخل في عالمهم لأن جرائمهم أكثر من
أن تعد. لقد أنفق بلزاك عمره وهو يسجل هذه الجرائم ومات
الرجل ولم ينه مهمته ولم يشف غليله.
سلوك هؤلاء هو السلوك
الصحيح في رأيهم فمن البديهي أن يروا في المنتج الأدبي بهلولاً
لا يمت إلى المجتمع إلا بصلات واهية. وهؤلاء هم موضوع الاقتصاد
السياسي، فيدرس إنتاجهم ويرشدهم إلى أنجع الطرق التي تمكنهم
من الإنتاج والسيطرة، سواء كانوا أفراداً أو شركات أو مجموعة
شركات أو دولة أو مجموعة دول (أقليما) أو دول العالم (النظام
العالمي الجديد).
فعلاً نحن أمام الجريمة
المهزلة. وكلما أحرز هؤلاء تطوراً وتقدماً خوت الحياة الروحية
وأجبر الناس على حياة القهر والخواء، حياة "الرجال الجوف"
على حد تعبير إليوت. ومادامت هذه الحياة هي القاعدة في نظرهم،
فلا غرابة إذا بدا لهم المنتج الأدبي "حالة شاذة" كما يريد
أن يثبت ذلك الاقتصاد السياسي العتيد. قد تختلف نظرة الطبقات
الشعبية إلى المنتج الأدبي قليلاً عن هذه النظرة، فهم يرون
فيه ذلك "المسكين" الذي أهمل شؤونه من أجل إرضاء هوايته.
إنهم يحترمونه ويعطفون عليه، ولكن كما يحترمون شخصية "المبروك"
ويعطفون عليه. والمبروك شخصية تظهر في الأوساط الشعبية بثياب
اعتباطية ونظرة حائرة وعدم انتظام في روتين الحياة اليومية.
يتمتم هذا المبروك
بكلمات غير مفهومة وبعبارات من أمثال "وحدوه" أو "وحده الحي
القيوم" فيدخل الخشية إلى نفوسهم فإذا أحرزوا ربحاً أكثر
فبسبب زيارته، وإذا أصابتهم مصيبة ظنوا أنه كان ينبههم إليها
ولكنهم لم يستطيعوا أن يفكوا رموز كلامه. ولكن هذه النظرة
مهما كانت مختلفة فإنها تصب في نظرة طبقة رجال الأعمال والتجار
وهي أن هذا المنتج الأدبي يمثل "حالة شاذة" كان الله بعونه
على هبله. ومثل هذه النظرة لا تقتصر على هؤلاء، بل تمتد
للأسف إلى أولئك الكتاب المفكرين وحتى بعض الأدباء والشعراء.
ولو رحنا نعرض آراء هؤلاء الكتاب لما انتهينا، لا لكثرتهم
بل لآرائهم المتطرفة. وفي كل عصر كان ثمة من ينظر إلى المنتج
الأدبي على أنه حالة شاذة.
وقد يظن القاريء أن
هؤلاء المفكرين هم من أصحاب المذهب الواقعي العملي الذين
يرون أن المنتج لا يفعل شيئاً سوى القيام برحلة خيالية يعود
بعدها ليقدم سلعة كاسدة لا يأبه بها أحد، وبالتالي لا تعود
عليه بفائدة. لا إن الأمر أبعد من ذلك، والذين اتخذوا هذا
الموقف لم يكونوا جميعاً من المذهب الواقعي العملي، بل إن
بعضهم كان من المذهب المثالي. فإذا كان سدني هوك براغماتياً
يسخر من الأدب والأدباء ويرى أن الشعر لا يخرج عن نوع من
ألغاز التسلية والكلمات المتقاطعة التي نزجي بها ساعات الفراغ
فماذا نقول بأفلاطون المثالي المغرق في مثاليته، الذي أبى
أن يجعل للمنتجين الأدبيين دوراً في جمهوريته. فأنت ترى
أن هذه النظرة إلى المنتج الأدبي تمتد بعيداً في الزمن وفي
إنماط التفكير من أفلاطون وحتى سدني هوك زعيم البراغماتية
العملية، ومن المفكرين من أمثال جون ديوى وحتى الشعراء من
أمثال توماس بيكوك، بل إن بعض علماء النفس اتخذوا موقفاً
مماثلاً كسيغموند فرويد. وبالمقابل فإن المدافعين أكثر بكثير
من المهاجمين في ميدان الكتابة، فمنذ أرسطو الذي دافع عن
الأدب والمنتج الأدبي وحتى شلي وسدني وغويو وديهاميل...
وحتى الوقت الحالي،
نجد كثرة من المفكرين والأدباء يدافعون عن الأدب والمنتج
الأدبي بحماسة بالغة. وكم يكون عظيماً لو جمعت الكتب المهاجمة
والكتب المدافعة في مجلد واحد أو مجلدين ولكن من يستطيع
أن يقنع ناشراً من الناشرين بجدوى هذا المشروع الإنتاجي
الكبير، ومن يغامر فينفق الشهور والسنوات في ترجمة هذه الكتب،
التي تتحول إلى قماطير توضع على الرفوف أو في الزوايا، فلا
من مشجع ولا من معين في عصر الاقتصاد السياسي؟ لن نكرر هنا
ما خاض به هؤلاء من هجومات ودفوعات، كما أننا لن نحصي الاتهامات
التي تمتد إلى الرواسب التي تركها الاقتصاد السياسي في النفوس:
والغرض من هذا الاختيار هو التهرب من التطويل ليس أكثر،
لذلك اخترنا مجموعات من المجال الاجتماعي فالاقتصادي فالبراغماتي
فالنفسي، وسوف نعرضها بسرعة خاطفة: المنتج الأدبي والمجتمع:
يتعرض المنتج الأدبي لحملة شديدة فيما يخص علاقته بالمجتمع،
فكأنه دخيل عليه غريب عنه لا يعرف من شؤونه شيئاً.
وتمتاز هذه الحملة
التشهيرية بالسخرية، فهم دائماً يسخرون من الشعراء والأدباء
بأنهم أفشل الناس في المجتمع، بل إنهم أعجز من أن يضعوا
نظاماً حتى لمنزلهم، لا بل إنهم هم أنفسهم لا يعرفون نظاماً
لأنفسهم، فلا وقت للنوم ولا وقت لليقظة ، ولا تنظيم لوجبات
الطعام ولا اهتمام بتدريس الأولاد والإشراف عليهم، إن كان
ثمة أولاد...
باختصار كل شيء مضطرب،
فهو مهمل في جلسته ومشيته واستقباله وتوديعه... مهمل في
كل شيء تقريباً سوى شيء واحد فقط يظل متنبهاً له يحمله معه
أينما ذهب، وهو انتاجه الأدبي الذي سوف نقف عنده في بحث
لاحق. معظم الناس يصفونه بالشرود، إلا أن بعضهم يصفه بنقص
أبسط المعارف العملية، فقدسها أحدهم مرة فقال هازئاً أن
جاره ينتج القصيدة بعد القصيدة، ولكنه لم يعرف كيف يضمد
جرح ابنه الصغير، ولو لم تستدع زوجته الطبيب لما توقف النزيف.
إلى جانب النقص المعرفي العملي، يوجهون إليه تهمة الإهمال
وقلة الاكتراث بما يجري حوله ابتداء من منزله وحتى أكبر
دولة في العالم، فقد يتحدث كثيراً عما يجب أن يكون، لكنه
لا يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة في سبيل تحقيق ذلك.
وبالفعل فلو شكلنا
وزارة من شعرائنا وكتابنا وسلمناها شؤون الإدارة والتنظيم
في الولايات المتحدة لانهارت بأسرع مما انهار الاتحاد السوفياتي.
لن أذكر اسماء عربية ولكن تصوروا مثلاً بودلير في منصب وزير
الشؤون الاجتماعية، أو نيتشة في منصب وزير الصحة أو ادغار
آلن بو في منصب وزير الحربية... إنه شيء مضحك جداً. ولذلك
فإن الأدباء الذين شاركوا في السلطة السياسية أو الاجتماعية
هم من القلة بحيث لم يأبه بهم أحد. إن المناصب التي يجيدون
العمل فيها هي في المجال الثقافي فقط أما ما سوى ذلك فلا
خبز لهم فيه لأن الفشل سيكون من نصيبهم حتماً.
وكنا قد أشرنا من
قبل إلى أن الملكية فعلت فعلها في بعض المنتجين فانجرفوا
وراء أصحاب السلطة أو أصحاب النفوذ أو اصحاب الملكيات والثروات
الكبيرة. فكأن ثمة عقداً بين الطرفين على تبادل السلع: القيم
المادية مقابل القيم المعنوية. ومثل هذا النوع من المنتجين
الأدبيين صار في هذه الأيام ضئيل العدد جداً. والتهمة الموجهة
إلى هؤلاء هي أنهم ينافقون إذ لا علاقة بين الشعر والملكية،
لا من قريب ولا من بعيد، بل إن هناك علاقة مخاصمة وصراع
أبدي ولكن لننظر عن كثب في هذا الشعر الذي أخرجناه من دائرة
الانتاج الأدبي الحقيقي لأنه مخالف للوظيفة الأساسية المعادية
للملكية. لا شك أن إضفاء القيم المعنوية على المالك يعني
أن ثمة صفقة بين الطرفين. ولكن من باب آخر لو نظرنا جيداً
في هذا الشعر لرأينا أنه يندرج ضمن تقليد أدبي عريق وهو
تأديب الواقع، أي الارتفاع من الواقع كما هو إلى الواقع
الأدبي، من السمات القبيحة إلى السمات الجميلة، من مادية
العلاقة إلى معنوياتها...
فالإنتاج الأدبي مضطر
أن يكون جمالياً فلا يشيع بين الناس العلاقات المادية الشائهة.
إن المتنبي الذي مدح حاكم مصر كان يخاطبه بما يجب أن يكون
عليه الحاكم الصالح، وعندما هجاه كان يرسم معالم الحاكم
الشيطاني، وفي هذه النقطة بالذات تكمن أخلاقية الأدب الجمالية.
وفي هذه النقطة بالذات علينا أن نميز بين المنتج الأدبي
والإنتاج الأدبي في علاقتهما بالمجتمع.
فقد يهفو المنتج إلى
الثروة نتيجة الظروف التي فرضتها الملكية السرطانية، ولكن
الانتاج الأدبي لا يمكن أن يؤيد الثروة أو يجمل الملكية
أو يدافع عن السلطة. إنها نقطة في غاية الأهمية، فمعظم الذين
كتبوا في هذا المجال من أمثال إسحق دويتشر وبنديتو كروتشه
وشارل لالو لا يفصلون بين المنتج والانتاج ويجعلون تفاعل
المنتج مع الظواهر الاجتماعية هو ذاته تفاعل الانتاج الأدبي.
ولا نظن أن مثل هذا
الطرح يستقيم دائماً، إذ ليس من الضروري أن ينسجم المنتج
مع إنتاجه. لقد كان دستويفسكي يقامر بشغف يشبه الهواية،
ولكن انتاجه كان إدانة كبيرة للقمار. وبلزاك كان في إنتاجه
يدين التهالك المضني على العمل سعياً وراء الثروة، ولكنه
هو نفسه أنجز لإحدى الصحف رواية ضخمة في غضون شهر واحد فقط،
بل أقل من شهر على ذمة بودلير، الذي ابدى إعجابه بهذا الإنتاج.
والخلاصة في علاقة المنتج والإنتاج بالمجتمع هو أن علاقة
المنتج تخضع لكثير من المتغيرات والتذبذبات أما علاقة الإنتاج
فإنها ثابتة ومعروفة مسبقاً قبل أن تتجلى مادياً. وهذه المعرفة
تقدمها لنا الأخلاق الأدبية، فنحن نعرف أن المبتكرات الحديثة
التي هلل لها الاقتصاد السياسي واعتبرها خطوة متقدمة جداً،
خضعت لانتقادات الانتاج الأدبي، وهذه المعرفة نشعر بها بعد
ظهور المبتكرات وقبل ظهور الانتاج الأدبي.
إن الأخلاق الأدبية
هي التي تجعلنا قادرين على التنبؤ بموقف الأدب من أي ظاهرة.
نقول الأخلاق الأدبية. لا شك أنها ليست أخلاق الملكية السرطانية
وإنما هي الأخلاق المثالية، الأخلاق الرفيعة، أخلاق ملكية
القناعة ومملكة المحبة والفرح، ولذلك كنا نعرف سلفاً الموقف
الأدبي في الخمسينات من الصواريخ الجبارة والأقمار الصناعية.
إن الأدب يقف موقفاً مناقضاً لموقف الإعلام كل المناقضة،
وإن استخدم الإعلام شعارات الأدب لتغطية هذه الظواهر المرفوضة،
فهو يزعم أن الصاروخ لصيانة السلم، وإن آلات الدمار لخدمة
المواطن... إن الموقف الأدبي يفرض نفسه حتى على أولئك الذين
يعملون بعكسه. إنهم لا يستطيعون الإفصاح عن غاياتهم الأصلية،
فغالباً ما يلجؤون إلى تغطية موقفهم بموقف أدبي. ومن هنا
كان الموقف الأدبي ثابتاً عبر التاريخ. إنه الموقف الرافض
لكل التشويهات التي خلقتها الملكية السرطانية، ولكل أطروحات
الاقتصاد السياسي.
هذه صورة مجملة لعلاقة
المنتج الأدبي بالمجتمع، وإلا فإن الكلام حول هذه العلاقة
كثير جداً على الرغم من كل ما نجده بين أيدينا من مؤلفات
ضخمة جداً وكثيرة جداً، تعالج هذا الموضوع. المنتج الأدبي
والمنتج الاقتصادي (البراغماتي): بما أن القيم المادية هي
القيم السائدة، فلا غرابة إذا احتل المنتج الاقتصادي المكانة
الأولى في المجتمع منذ ظهور الملكية السرطانية وحتى هذه
الساعة، بل حتى قيام الساعة إن لم يتغير مجرى الاقتصاد السياسي،
وإن لم تقم سلطة أدبية تنفيذية تضع حداً لهذه الكوميدا الإنسانية
الدامعة، على حد تعبير أو نوريه دي بلزاك. في ظل هذا الوضع
الآثم، لابد أن يتبادل المنتجان: الأدبي والاقتصادي، مواقف
العداء الشديد، فالمنتج الاقتصادي ينظر إلى المنتج الأدبي
نظرة استخفاف وازدراء لأنه منتج "غير منتج" إنه منتج الأخيلة
والإيهامات والخالق لعوالم لا تمت إلى الإنسان بصلة.
ليس هذا وحسب، بل
إنه يعتبر منتج "الكسل" وأخشى ما يخشاه المنتج الاقتصادي
أن يرى كتاباً أدبياً بيد وريث ثروته أو ملكيته التي يخاف
على هدرها حتى بعد موته، وبما أنه يعده ليكون تثمراً ناجحاً،
وحتى أنجح منه (أي أشد فتكاً بالعباد منه) فإنه يشجعه على
قراءة الكتب العلمية والاختراعات ويحثه على قراءة كتب الاقتصاد
السياسي بالدرجة الأولى... إنه يعلمه صناعة الذبح بجدارة.
وحتى عندما يدرس
ابنه الطب فإنه يسرع إلى توظيف الأموال الطائلة بإنشاء مشفى
بكادرات "متطورة" من أجل زيادة وتيرة الأرباح. المنتج الاقتصادي
يفكر دائماً بتفعيل الملكية، منطلقاً من شهوة ذئبية تمتد
إلى ما بعد وفاته فعندما يشعر أنه تقدّم في السن، ينكب على
رسم سيرورة ملكيته الشيطانية ليس في فترة وريثه المباشر
فقط، بل أيضاً في فترة وريث وريثه. إنه تفكير سرطاني لا
يعرف حدوداً أبداً.
وهو بالضبط التفكير
الذي لا يخطر على بال المنتج الأدبي إطلاقاً. وحالما يعرف
هذا التفكير طريقه إلى رأس المنتج الأدبي فإنه يكف عن الانتاج
الأدبي ويتحول إلى الانتاج المادي ولا يعود إلى ما كان،
بل يصبح منتجاً آخر، وينسى كل العمليات الانتاجية السابقة...
تذكروا رامبو. يقال
في علم الوراثة ان المورثات الجميلة هي الأضعف من بين المورثات،
ويطلقون عليها اسم الصبغيات المغلوبة أو المدحورة، وان المورثات
الوقحة التي يطلق عليها اسم الصبغيات الغالبة هي الأقوى
وهي التي ستكون السائدة في المستقبل، الذي عندئذ سيكون مستقبلاً
موحشاً جداً.
وقد أثبتت المخابر
وحقول التجارب صحة هذا القول. وعلى هذا يكون المنتج الأدبي
هو حامل الصبغيات الجميلة التي تعود إلى ملايين السنين،
وهي في طريقها إلى الزوال، ولكنها مادامت موجودة فإنها لا
تتخلف عن المعركة، مثل أبطال الاسغارد السكندنافيين الذين
يعرفون أنهم مغلوبون ولا يتراجعون عن خوض القتال، بل إن
آلهة الاسغار (قل الأولمب السكندنافي) يؤمنون بأن الآلهة
الأشرار هم الذين سينتصرون في المعركة الأخيرة، وشجرة الحياة
تقرضها أفعى الفناء، فالدمار هو ما ينتظرونه، ولكنهم لا
ينتظرونه بتوان وكسل بل يخوضون جميع المعارك المفروضة عليهم
بهمة عالية ويبذلون كل ما في وسعهم، لا لينتصروا وإنما لكي
يؤجلوا الإنهيار.
والمنتج الأدبي يدرك
كل الإدراك أن النصر لن يكون لقيمه المعنوية، ويعرف أن السلع
المادية المطروحة هي السائدة مهما كانت مغشوشة ومهما كانت
مستغلة وشرسة, ولكن النغوليات التي يحملها من قديم الزمان،
والتي ورثها من العصر الذهبي الذي لم يكن يعرف ملكية ولا
استغلالاً، هي التي تدفعه إلى خوض هذه المعركة الخاسرة.
يعرف خاتمته مثل آلهة
الاسغارد ويسعى إليها من غير مساومة. أليست هذه هي البطولة
الحقيقية؟ بلى، اما اقتحام المعركة بأسلحة مادية مذلة وبملكية
جبروتية، فلا بطولة فيها، وإن بدت منتفجة وأوهمت الناس بكثرة
ضحاياها إنها ذات أهمية. إن المجتمع ينخدع بهذه المظاهر
وبعكس القيم، فالناجح اقتصادياً يصبح مرموقاً وإن بلغت ضحاياه
الآلاف، بينما يرتمي المنتج الأدبي في الظل مهما كانت القيم
التي يدافع عنها رفيعة، وبذلك يغدو المفترس بطلاً بينما
الضحية يلفها الصمت والإهمال. إن المنتج الأدبي لا يسعه
إلا أن يقول: خذوا كلوا منه هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم،
وخذوا اشربوا منه كلكم فهذا هو دمي الذي يراق لمغفرة الخطايا...
إنه قول تردده كل
ضحية أمام الأبطال الاقتصاديين الذين يأكلون اللحم ويشربون
الدم ولكن من دون مغفرة الخطايا. إنهم أسيادنا وأربابنا
الذين تنحني الهامات لهم طوعاً أو كرهاً لأنهم يتربعون فوق
هرم كبير من الضحايا البشرية، ناهيك عما أفسدوه من هذه الطبيعة
الجميلة التي هي الأم الحقيقية للإنسان. سيكوباتيا النفس:
هنا نحن أمام أخطر التهم التي توجه إلى المنتج الأدبي. إنها
تهمة الشذوذ النفسي التي وجهتها الفرويديه منذ ظهور زعيمها
وحتى أحدث كاتبة فرويدية "سارة كوفمان".
وهذه التهمة ثالوثية
تتألف من المجد والمال والنساء. فكل منتج أدبي يسعى إلى
أن يكون اسمه ممجداً وأن يحوز المال ليتمكن من لعب دور الأب
المهيمن، وإن يمتلك النساء إرضاء لنرجسيته، فكأنه مخلوق
شائه وشاذ لا يستجيب لروادع الأنا العليا كما يستجيب غيره.
ومهما حاول في تصعيده لميوله أن يخفي المنابع البركانية
العميقة، فإنه لا يفلح في ذلك أبداً، وإن حاول دائماً أن
يخدعنا بموضوع بارز إنساني في أثره الأدبي. إن حقيقة المنتج
الأدبي تلتمس فيما لم يفصح عنه جهارة وفيما سقط منه سهواً
هنا وهناك.
ومن تفكيك الانتاج
الأدبي وإعادة تركيبه تحصل على النواة التي حاول المنتج
الأدبي إخفاءها، والتي تمردت من خلال هذه الزلات الكتابية.
والفرويدية تفعل ذلك تمشياً مع أسلوبها في دراسة الأحلام
والهذيان. لن ندخل مع الفرويدية في مناظرات بوليميكية، لأنها
في الحقيقة لم تقتصر على المنتج الأدبي في اتهاماتها، بل
تعدته إلى الآخرين. فإذا كان هذا المنتج مريضاً مصاباً بالهستريا
حسب رأيها، فإن رجل الدين مصاب في رأيها بالعصاب الوسواسي،
وأما الفيلسوف فترى أنه مصاب بالذهان الهذائي، وبذلك تجعل
الفرويدية جميع منتجي القيم المعنوية أسرى مرض وعصابات ويحتاجون
إلى المعالجة.
وإذا رغب القاريء
في الاطلاع على مجمل نظرة الفرويدية فما عليه إلا أن يطلع
على كتاب سارة كوفمان "طفولة الفن" من ترجمة وجيه الأسعد
الذي صدر عن وزارة الثقافة في دمشق عام 1989 فهو كتاب يلخص
بدقة وجهة النظر الفرويدية، والاتهامات الموجهة إليها، ثم
الرد على هذه الاتهامات. إلى جانب هذه الاتهامات التي وجهتها
الفرويدية إلى المنتج الأدبي سوف نضيف تهمة أخرى هي الخمرة
باعتبارها تهمة عامة تضم شتات المفكرين والناس العاديين،
وسوف نوضح هذه التهم من جهة ونبين مدى واقعيتها أو بهتانها
من جهة ثانية.
نبدأ بتهمة المجد.
والواقع أنها ليست تهمة، بل حقيقة واقعية. وبعيداً عن ميكانيزما
النفس التي قدمتها الفرويدية، من الهو وحتى الأنا العليا،
نقول إن كل إنسان يسعى إلى المجد. ولو قلنا هنا الخلود بدلاً
من المجد لكان أفضل، فالمنتج الأدبي يسعى بكل ما لديه لتحقيق
الشهرة الأدبية، أي أنه لا يريد أن يكون ابناً لزمانه وحسب،
بل ابناً لكل الأزمان.
هذا ما نسلم به ونقره
كل الإقرار، ولا سبيل أمامنا لرفضه، لأن الوقائع كلها تشير
إليه، إلا أن ما لا نسلم به هنا هو أن يكون هذا المجد، أو
هذا الخلود، عند المنتج الأدبي شبيهاً بالمجد الذي يسعى
إليه غيره. إنه يختلف كل الاختلاف. ويبدو ذلك واضحاً إذا
قارنا بين المجد الذي يسعى إليه المنتج الأدبي والمجد الذي
يسعى إليه المنتج الاقتصادي. فالأول مجد معنوي والثاني مجد
مادي محض، الأول يطلب المجد من دون ضحايا، والثاني ينشد
المجد ولكنه لا يحرزه إلا بالضحايا التي قد تبلغ في بعض
الأزمات ملايين الجوعى وآلاف الصرعى، وشتان بين مجد يكون
في خدمة الآخرين ومجد يصعد على جثث الآخرين.
"مملكتي ليست من هذا
العالم" هذا هو لسان حال المنتج الأدبي، إنه لا يؤذي ولا
يضر ولا يبتز ولا يستغل ولا ينتهز، ويعطف على المخلوقات،
فلا يزعج نملة ولا يحقد على ابن بشر، وباختصار نقول إنه
لا يستخدم أي وسيلة من وسائل هذا العالم من أجل بناء مجده
وشهرته، بل يستخدم وسيلة وحيدة وهي الانتاج الأدبي المتوهج
بالقيم المعنوية والحقائق الوجدانية. إن المنتج الأدبي خارج
من حدود هذا العالم في وسائله القذرة، فهو على النقيض من
المنتج الاقتصادي المدمر الذي لا يستطيع أن يحرز المجد إلا
باستخدام كل الوسائل المادية القذرة التي تستعبد وتستغل
وتقتل وتجيع...
أشياء وأشياء كثيرة
يقترفها المنتج الاقتصادي ويعرفها جيداً الاقتصاد السياسي.
أما المنتج الأدبي فإنه لا يملك أي سلاح مادي يستعبد به
أو يستغل او يقتل أو يجيع أو غير ذلك من جرائم المنتج الاقتصادي،
بل يمكن أن نعكس هذا الكلام فنقول إن أعظم ما يسعى إليه
المنتج الأدبي هو كلمة، أجل كلمة واحدة فقط. لا ترفع حاجبيك
وانتظرني لأنهي كلامي. غب سماعك لمقطوعة جميلة، قل لصاحبها
إنك شاعر حقاً، وانظر ماذا تفعل به؟ إنك تأسره أسراً وتستعبده
استعباداً، فتشعر بتيار جارف من المحبة يصل بينه وبينك.
اطلب منه أي خدمة
وانظر كيف يلبيها بطيبة خاطر وباندفاع لا مثيل له. لقد حققت
له ما كان يطلبه منك صامتاً، فقد اعترفت بشاعريته وهذا غاية
مبتغاه، وهذا ما يجعله مستعبداً لكل المعجبين... إنه يشعر
بأنه حقق المجد ولكن على حسابه هو لا على حساب غيره، إنه
هو الذي يدفع الثمن. جرب بعد ذلك أن تقول للمنتج الاقتصادي
أن بضاعتك جيدة وانظر ماذا يحدث؟
سوف يرفع من سعرها،
ويقنن من كميتها عليك حتى تظل تابعاً له مسبحاً بحمده شاكراً
أريحيته، وإن كذباً ونفاقاً، فإن لم تفعل ذلك حاربك، وإن
تمردت قمعك ولاحقك في كل ما يخصك، فهو يريدك تابعاً من النوع
المطيع الذي لا ينفك لسانه يسبح بقيمه الرفيعة... إنه يستعبدك،
وهذه بداية مجده، أما النهاية فاقرأها في الاقتصاد السياسي
عندما يشخّص الأزمات والدمار الذي تجلبه معها لك ولغيرك.
ألا ما أبعد الفرق بين مجد ومجد، بين مجد تكلّله أزهار اللوز،
ومجد برفيره من دماء الآخرين.
أما العصاب بأنواعه
المختلفة، الذي جعلته الفرويدية يكمن وراء السعي إلى المجد
عن طريق الفن من أمثال دستويفسكي وغوته وجنسن... فأبحاث
إشكالية مربكة لا تخص الأدب، الذي يستطيع أن يأتي بعشرات
الأمثلة لأدباء تنطبق عليهم المقاييس السوية إن كان ثمة
مقاييس للاستواء والحياة السوية. فإذا ذكر دستويفسكي ذكرنا
تورغنيف وإذا ذكر أوسكار وايلد ذكرنا تشيخوف وإذا ذكر جنسن
ذكرنا تولستوي إنها لأشكالية كبرى في مذهب يقوم على إرجاع
كل شيء إلى المقموع الجنسي.
***
أما مسألة حيازة المال
فإننا سنعود إليها في بحوث لاحقة، ولكن لابد من الإلمام
سريعاً هنا بموقف المنتج الأدبي من المال الذي لا يحتاج
إلى كبير جهد، فالمال والأدب قطبان متصارعان لا يمكن أن
يلتقيا إلا إذا دعت الضرورة من باب أن المال شر لابد منه
بعد أن وطد الاقتصاد السياسي سمعة واسعة للمال فجعله الركن
الأساسي للانتاج.
من الممكن أن نذكر
أسماء لامعة جداً وكثيرة جداً في الأدب حولت سيرورة حياتها
من المال إلى الأدب، فسومرست موم كان طبيباً ناجحاً جرفته
حرفة الأدب التي غالباً ما تقترن بالفقر على حد قول أسلافنا
العرب "أدركته حرفة الأدب" فهو لم يعقد مقارنة بين الطب
والأدب عندما فضل الثاني على الأول، بل لم يتردد لحظة في
الانتقال إلى الأدب، كأن هناك ثقباً من الثقوب السوداء يجذبه
إليه. لم يكن يفكر أن كتبه سوف تدر عليه ما يعادل إدرار
الطب، وربما كان الأرجح أن يكون دخله من الطب أعلى بكثير
من دخله الأدبي، لكنه لم يطرح على نفسه هذا الاختيار، بل
انتقل إلى الأدب مثل الأسير الأعزل أمام قوة هائلة، بل مثل
المسحور أمام إحدى السيرينات الجميلات.
كما أن يوسف إدريس
فعل فعلة سومرست موم وهجر مهنة تعتبر من أرقى المهن وأضمنها
مادياً. أمثلة كثيرة يمكن أن نأتي بها لنبين أن الأدب شيء
له جاذبيته الخصوصية، أثمر مالاً أو دفع إلى الفقر، وحبذا
لو تركنا كل هذه الأمثلة وانتقلنا من المنتج الأدبي إلى
الانتاج الأدبي. الانتاج الأدبي معاكس تماماً للانتاج الاقتصادي،
فالمنتج الأدبي لا يفكر أبداً إذا كان ديوانه أو روايته
أو مسرحيته أو دراسته تعود إليه بمردود مادي. إنه يفكر فقط
بإعلان اسمه كمدافع عن القيم الجمالية الرفيعة ولا شيء غير
ذلك. إن عشرات الدواوين الشعرية لا تعود على صاحبها بما
يقيم أوده، ولذا يمكن اعتباره مغامراً حقيقياً، يضحي بكل
الماديات من أجل هذه السمعة المعنوية. بل نذهب إلى أبعد
من هذا فنرى أن المال هو العدو الأول للأدب منذ "الجزة الذهبية"
وحتى آخر رواية حديثة. ولا أظن أن في مقدور القاريء أن يعثر
على أثر أدبي فيه أي مهادنة للمال.
ولا يعني هذا أن المنتج
الأدبي لا يحتاج إلى المال في عصر المال والرأسمال المالي،
بل إن هذا المنتج منذ القديم وحتى اليوم كان بحاجة إلى المال
لا ليبسط سلطة هذا المال على الآخرين، بل ليبعد سلطة الآخرين
عنه من باب "لا يفل الحديد إلا الحديد" وقد يسلك المنتج
الأدبي طرقاً في حياته من أجل المال يأباها كل الإباء في
انتاجه الأدبي، فانكباب دستويفسكي على القمار لتسديد ديونه
كان شيئاً مخجلاً في روايته الشهيرة عن القمار والمقامرين.
إن المال الذي يعتبره
مصدر الشرور كلها في أدبه لا يستطيع إلا أن يحصل عليه إلحاحاً
للضرورة. لكن الشيء الذي يميزه من غيره يكمن في الهدف من
المال، فهو في يده لسد حاجة أو إعالة أسرة أو تسديد ديون
متراكمة، بيد أنه لم يكن في يوم من الأيام سبيلاً إلى بسط
نفوذ أو سلطة أو استغلال أو إذلال... ألم نقل إن مملكته
ليست من هذا العالم، فكيف يرضى أن ينساق وراء ما يستنكره
في أدبه ويكافحه ويشهر به ويلعنه؟ في عصر المال، عصر الاقتصاد
السياسي، عصر أبالسة الجحيم والقوى الشيطانية الذين يتربعون
على السلطة والثروة، يعرف المنتج الأدبي أنه مسحوق هو وأسلحته
وأن المعركة خاسرة، ولذلك لا يطلب سوى ما يمسكه، لا ما يخنق
غيره ويذله، فهو يعرف أن قوانين الاقتصاد السياسي لا تدع
رقعة صغيرة واحدة من أجل إقامته، ومع ذلك يرفع صوته مديناً
هذا الاقتصاد الشرير الذي لوث العقول قبل أن يلوث البيئة،
والذي غير مبادئه وقوانينه مرات ومرات منذ كريستوف كولومبوس،
ولكنه دائماً كان أصبع الشيطان ما وضعت في شيء إلا أودت
ببراءته.
***
أما مسألة العصاب
الجنسي فإنها مسألة عمومية توجهها الفرويدية إلى الجميع
وليس إلى الأدباء والفنانين وحدهم. إنها توزع التهم بأشكال
وألوان مختلفة إلا أنها كلها تدل على الشذوذ. دافنشي ودستويفسكي،
ميكل انجلو وغوته... ومع ذلك لا نستطيع أن نقول أن الفرويدية
تقف موقفاً معادياً من الأدب والفن، ولكننا نستطيع أن نقول
إن الفرويدية هي أعظم مذهب ربط بين المنتج ونتاجه الأدبي
عن طريق الشذوذ الجنسي، أو بالأصح العصاب الجنسي، بل ذهبت
إلى أن الانتاج ليس أكثر من تحايل ومماراة والاعيب يقوم
بها المنتج ليخفي ذاته، بيد أنه لا يستطيع ذلك، لأن البحث
في أرجاء إنتاجه لابد أن يهدينا إلى بعض الشذرات التي إن
جمعناها حصلنا على النواة التي تعكس شخصية المؤلف والتي
حاول جاهداً إخفاءها.
وبظهور البنيوية
التي ترى أن نص المنتج لا علاقة له بحياة المنتج، أسرع الفرويديون
وكيفوا مذهبهم قليلاً وفقاً لهذا الاتجاه من غير أن يتخلوا
عن ربط حياة الكاتب بانتاجه، ومن غير أن يفصلوا بين المنتج
والإنتاج إلى تلك الدرجة التي نادت بها البنيوية. إن المنتج
الأدبي كغيره ينزع إلى الجنس الآخر.
هذا صحيح. ولا يوجد
حتى الآن شاعر أو مؤلف لم يكتب عن الحب، من أيام سافو وحتى
أيام أيتماتوف، لكنه الحب كما يجب أن يكون، وليس الحب الصادر
عن الشذوذ، ولو يدرك القاريء أن هذا من الشذوذ حقاً لانفض
نافراً من الأدب، ولهذا تلقى المعالجة الأدبية للحب الأقبال
في كل زمان ومكان مع أن الموضوعات واحدة أو تكاد تكون واحدة.
ولكن ما هو الحب الذي نجده في الأدب؟ أنه الحب المتمرد على
الملكية، الذي لا يريد أن ينصاع لقوانين الاقتصاد السياسي.
ان يوجيني غرانديه
محبة مثالية، بينما خطيبها وقريبها أيضاً الذي استغل ثروتها
وذهب مع شركة الهند الشرقية وعاد بثروة كبيرة، هو محب من
انتاج الاقتصاد السياسي، فبعد عودته، وعلى الرغم من هذه
الثروة ينحّي يوجيني غرانديه جانباً ويتزوج من فتاة ثرية
لا تطاول يوجيني لا في الجمال ولا في الأخلاق ولا في المحبة
والتضحية. لقد أبدع بلزاك في روايته هذه في تقديم الحب الحقيقي
الأدبي مقابل الحب الزائف الاقتصادي.
فأي شذوذ يقبع وراء
عمله أو أعماله؟ ألانه قارن بين الاقتصاد الأدبي والاقتصاد
السياسي؟ أنا شخصياً لا أفهم على الفرويدية، فمعظم المشاعر
الشخصية التي أفصح عنها فرويد بجرأة ملفتة للنظر وداعية
إلى التشكيك، لا أشعر بها، ومعظم الرموز التي فسرتها الفرويدية
لم تقنعني، فإدخال المفتاح في الباب وقبب الكنائس والمآذن
والمسلات والساحات والأماكن المغلقة والشجر والسمك والطيور...
كلها رموز جنسية،
بل إن تصرفات الشخوص الأدبية تفسر تفسيراً جنسياً. فهل يعقل
أن نكون محاطين بالجنس من جميع الجهات؟ من هذا الباب الواسع
نظرت الفرويدية إلى الأدب فوجدت فيه كتلة من العقد النفسية
التي ترجع في معظمها إلى الجنس، مما يجعل الدخول معها في
مناظرة أمراً عسيراً جداً، إن لم يكن مستحيلاً. إنها تصدر
عن قناعات مسبقة أكثر مما تصدر عن وقائع مثبتة، فحتى الانتاج
المادي ذاته يخضع عندها لتفسير جنسي، بل إن كل الأساطير
التي نعرفها تحولت إلى عقد ورموز جنسية، من عقدة أوديب وحتى
النرجسية، ومن البحر وحتى المنديل الذي يستعمل لتنشيف اليدين،
بل حتى الملعقة التي تحمل الطعام إلى الفم.
ولكن هكذا "يشعر"
الفرويديون فمن الصعب جداً أن تكون ثمة لغة مشتركة. والذي
نراه أن المنتج الأدبي عندما يتحدث عن الحب فإنه يستفيد
من تجربته ولكنه لا يدخلها في انتاجه على أنها نمط ثابت،
بل يعمد إلى النمط الأولي فيقدمه بعد أن يدخل عليه التعديلات
اللازمة. وفي المجتمع الذي أفسده الاقتصاد السياسي وجعل
كل شيء مبنياً على الملكية يبرز المنتج الأدبي بطلاً حقيقياً
يدعو إلى الحب القائم على حرية الإرادة ويدين الحب القائم
على الملكية، سواء كان مؤمناً بالملكية أو غير مؤمن بها،
لأن التقليد الأدبي أقوى من كل أديب، وكل من يخالفه سوف
يفشل حتماً.
وعلى فرض أن المنتج
الأدبي عبارة عن كتلة من العقد النفسية الجنسية، فإن إنتاجه
لن يكون إلا انتاجاً يدافع عن الحرية الإنسانية، لا عن القسر
والابتزاز والاستغلال.
ونحن لا ننسى أبداً
أن المنتج الأدبي هو ابن الاقتصاد السياسي ولن ينجو مهما
حاول من العقد التي خلقها ويخلقها باستمرار الاقتصاد السياسي،
لكنه لا ينتج إلا ما هو منسجم مع التقليد الأدبي، إلا ما
هو قائم على الكفاح من أجل الانعتاق من الأثقال الصخرية
التي وضعها فوقنا الاقتصاد السياسي. إنه يعمل دائماً لتوطيد
الاقتصاد الأدبي الذي عبر ويعبر عن النزوع الإنساني المشروع
لعالم الهدوء والطمأنينة والسلام، لعصر نطلق عليه "العصر
الذهبي" أو الفردوس المفقود أو "الرحم" الذي مايزال يحن
إلى أجوائه الآمنة. وإذا خولنا لأنفسنا أن نتهم المنتج الأدبي
بالتعقيد كغيره من بني البشر فإننا لا نستطيع أن نتهم إنتاجه
بهذا التعقيد لأنه إنتاج خاضع لتقليد غير قابل للتغير.
إنه قابل للتعديل
والإنزياح ولكن من الصعب جداً أن نغير هذا العالم المثالي
الذي يدعو إليه. إلى جانب تلك الاتهامات ثمة تهمة لا تقتصر
على صفوف المفكرين والدارسين، بل تمتد إلى طبقات شعبية واسعة،
وهي أن المنتج الأدبي والمكيفات شيء واحد، وهذه إحدى علائم
الشذوذ التي تضاف إلى ما سبق.
وهم يسردون قائمة
طويلة جداً من أسماء منتجي الأدب المحدثين، باعتبار أن سيرتهم
مسجلة بدقة أوثق بكثير من سير الأقدمين، فيذكرون أدغار آلن
بو وبودلير ومالارميه ورامبو وفر لين وغي دي موباسان وكثيرين
غيرهم، ولو رحنا نحن نذكر ما يقابل هؤلاء من الأقدمين والمحدثين
أيضاً لحررنا سجلاً ضخماً من أعشانا وأبي نواسنا وخيامنا
وحتى اليوم....
هذه الوقائع لا يمكن
دحضها، وما كنا لندحضها، إلا أن طرح المسألة على هذا الشكل
هو بحد ذاته تضليل عن الجوهر الأساسي للمشكلة، أو بكلام
أوضح: إننا بمثل هذا الطرح ننظر إلى الوسيلة ونسقط الهدف،
وبإسقاطنا الهدف تبدو الوسيلة بمظهر غير حقيقي. إن الوسيلة
الواحدة قد تحقق أهدافاً كثيرة، فالمدية التي تنتزع شوكة
معدنية من العقب هي ذاتها تنتزع الأرواح من الصدور وهي ذاتها
التي يدافع بها الراعي عن خرافه، وهي ذاتها التي يذبح بها
السيد عبده. فلمعرفة حقيقة الوسيلة لابد من معرفة الهدف
الذي تستخدم من أجله. فمن أجل أي شيء يستخدم المنتج الأدبي
هذه الوسيلة وأشباهها؟ لن نذكر تاريخ الخمرة والمكيفات وكيف
حكم قانون حمورابي بالإعدام على كل من يغش الخبز والخمرة
لإنهما من قوت الشعب، وكيف كان العبريون أول من حاول اجتناب
الخمرة وأمثالها...
فهذا تاريخ قائم بذاته
وطويل جداً يدخلنا في الثيوغونيا وسرد سيرورة الرب المبدع
ديونيسيوس، فليس أمامنا سوى أن نحصر أنفسنا بين الوسيلة
والهدف فقط من دون التعريج على أي شيء آخر. الخمرة والمكيفات
وسيلة لهدفين مختلفين كل الاختلاف. فهي وسيلة شريرة آثمة
بيد الاقتصاد السياسي، بينما هي من أرقى وسائل الدنيا بيد
الاقتصاد الأدبي. ففي ميدان الاقتصاد السياسي تشكل الخمرة
والمكيفات مرضاً أسود سواء في إنتاجها لاستغلال الناس أو
في غشها، أو في استخدامها من قبل "رجال الأعمال" لتدمير
خصومهم: حفلة خمر ومعطف فرو وعقد من الذهب تكفي لجعل سكرتيرة
الخصم تتقيأ كل الأسرار...
وهكذا. وباختصار
نقول إن خضوع المكيفات للاقتصاد السياسي لا يعني سوى الخراب
والتدمير: إنتاجاً وغشاً وتجارة واحتكاراً وبيعاً واستخداماً...
أما في ظل الاقتصاد الأدبي فالأمر مختلف كل الاختلاف، لأن
الخمرة والمكيفات وسيلة للخروج من عالم الملكية الآثمة إلى
عالم ذاتي وهمي، وللانتقال من مملكة الاستغلال إلى مملكة
المحبة، ومن الحقد إلى دنيا التسامح، إنها الصاروخ الذي
ينتقل بالمنتج الأدبي إلى فردوسه، إلى مملكته التي ليست
من هذا العالم، ولذا تجد أن الخمرة أساس في الانتاج الأدبي
في ظل عالم الملكية الآثمة.
إن الإنتاج الأدبي
لا يتحقق إلا إذا دخل المنتج عالمه الذي "ليس من هذا العالم"
فلابد من الوصول إلى نشوة استعادة الحياة الرحمية أو الفردوس
الأرضي سواء كان هذا عن طريق الاستثارة الذاتية، أو عن طريق
تعاطي المكيفات. إن كل المنتجين الأدبيين في الإسلام يتغنون
بالخمرة، الذين تعاطوها منهم والذين لم يتعاطوها، فهي اشبه
بالمقدمة الطللية التي ترقق النفس وتهيئها لتصورات العالم
الأدبي، فهدفها إثارة الوجد الذي من دونه لا يتحقق الانتاج
الأدبي، كما لا يتحقق التأثير المنشود في المتلقي.
فالمنتج أمام خيارين
للوصول إلى حالة الوجد: الاستيهام أو المكيفات ولا مفاضلة
بينهما، لأن نجاح الانتاج منوط بحالة الوجد بأي الخيارين
تحقق. المهم أن يعرف المنتج الأدبي نفسه معرفة جيدة، فيميز
أي الخيارين أفضل له، بحيث يظل محتفظاً بوعيه الجمالي عندما
يدفعه لاوعيه إلى حالة الوجد المشرقة.
المشكلة لا تكمن إذن
في الوسائل المتاحة من المكيفات، وإنما في الهدف بالذات،
فإن كان هدفاً يرسمه الاقتصاد السياسي فإنه ولا شك هدف دنيء
والوسائل مدمرة، وإن كان يرسمه الاقتصاد الأدبي فإنه هدف
نبيل، إنه تحقيق لحالة الوجد الضرورية. وإلى جانب هذه الوسيلة
يمكن أن نضع كل الوسائل الأخرى التي يحدد لها الاقتصاد السياسي
هدفها كالذهب والفضة وأنواع الثروة النقدية الأخرى من ملكية
وصناعة وتجارة...
ففي ظل الاقتصاد السياسي
كل شيء سيء، أو يتحول إلى شيء سيء، ثم أن الضرر الذي يحدثه
هذا الشيء لا يقتصر على صاحبه ولا على مجموعة أفراد، بل
يصبح أشبه بالجائحة التي تنشر في كل خلايا المجتمع. فإذا
كان الذهب قد تحول في ظل الاقتصاد السياسي إلى وباء وكارثة
فما بالك بالأشياء الأخرى؟ إن كل شيء بيديه ضار من إنتاج
الرغيف وحتى انتاج الليزر، بينما في ظل الاقتصاد الأدبي
سرعان ما تتحول السيئات إلى مكرمات وأشياء جزيلة النفع…
فصول في علم الاقتصاد الأدبي.
فصول مختارة من رؤى كاسندرا
بريام
ترجمة: حنا عبود
دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب
العرب - 1997