حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الغابة الحمراء

ـ (ها..

صرت أليفاً كحمام الكاظم..)

كزار حنتوش

ـ الغابة الحمراء"(47) تعددية كلام، مفارقة تماثل... تلك خصيصتها..، ولننظر إلى (باقة أزهار) تتكلم، تقول، بعد سارد حكي، الإخبار فيه يتم عن معلوم، مكنى: هو: "الجندي من الكحلاء" ينتقل الشاعر إلى (الباقة) لتكون هي (السارد)، متممة (القصة) عن ذلك الجندي الذي (رتبها) في (طلقة مدفع) - حيث (الطلقة)، هنا، هي (الغلاف) البرونز الفارغ، الذي استعملته عديد العوائل العراقية بمثابة (مزهرية!) زينت بها مكاناً داخل بيوتها خلال الحرب!

مفارقة كناية ذات مدلول خارج وظيفتها الأولى، تكمن مفارقتها في (الجوهر)، أيضاً: (الاستعمال) (الجديد) لها..، سخرية سوداء!...

-( باقة أزهارٍ حمرٍ

لُفت بشريطٍ

ذي ألوان أربعة

جاء بها للديوانية

ذات مساء

جندي من "الكحلاء"

رتبني في طلقة مدفع

وسقاني الماء

سلمني لفتاة شقراء

طيبة القلب

رفع الكف السمراء

حياني.

ومضى ثانيةً.. للحرب)

(زفاف: 105- 106)

السرد الحكائي، هنا، يذكرنا من حيث البنية وبساطة اللغة والمبنى الحكائي بقصائد يوسف الصائغ القصار، لكن بفارق تعددية كلام- ليس بين أثنين متماثلين (جندي وجندي)، بل بين المتكلم الأول (الشاعر) و (المتكلم الثاني: الباقة!.. حيث (الباقة) اتخذت صفة الكائن الحي في النص، لها (لغتها)، (لغة تعبيرها)/ الوصفية/ بالكلمات!

ـ كزار حنتوش، كأنه يخرج من (الروي الشعبي) إلى (الغابة الحمراء) بثلاث عشرة قصيدة، جهيرة الصوت، في نوع "اللون" و "الشكل" و "الأداء"، في "تعددية كلام" ينطوي على حوامل من مخزون تراثي، ممزوجاً باليومي من (دارج الكلام) (العامي تماماً!) مستلفاً من (الحكمة)، أحياناً: الأمثال والأقوال، ومضمناً (القصائد) اشارات دلالية لأسماء ذات حضور شهداء/ أسرى/ شعراء/ رسامين/..) ولا يتحرج من إقتطاف مقطع أغنية شعبية (يلصقها) في المتن الشعري، بعاميتها، إلى جوار صورة سوريالية تماماً، أو قد يتناص مع شعرية قصيدة مثل "رؤيا نصب الشهيد" للشاعر حميد سعيد، وشخصية (عبد الهادي الصالح)، ولكن بشخصية أخرى مماثلة يسميها (عبد الله الصالح) المسرود عنه، والسارد عن عبد الهادي الصالح، الحاضر والشهيد في آن. حيث المرجع المعلوم، موثق أيضاً في المتن والهامش.

ومنذ العنوان: (الغابة الحمراء) يدفعنا الشاعر إلى قراءة تأويلية، فلقد حوَّل (الغابة): (إعتياد الأخضر- لونياً وتماثلية مع الطبيعة) إلى "الأحمر" كنائياً- عن الحرب!

فهو (يطرد) في العنوان (الغابة الحمراء) سلام اللون والشكل (الأخضر) ليضع مفارقة إنتباه بصري، وكنائي مضاد، داخل بنية القصائد: الدم!...

- إذاً... بين (الظاهر) و ( الباطن) أو بين "البنية السطحية والبنية العميقة" للمعنى، يشتغل النص، منذ العنوان المفارق/المختلف/ بوعي ضدي/ وفي "تعددية كلام" تصبح فيه لغة التأويل مخادعة و (فاصمة): (تفصم) وحدة اللغة -لغة النص المدروس- وتراهن على معانٍ نعتبرها مفتاحاً أساساً للنص، وقد تفرضها عليه فرضاً من خلال ( المرجعيات) التي (يلصقها) الشاعر في بنية المتن، حتى لتكاد تكون ضمن نسيجه من شدة إنسجامها. اللون... (الحمراء)، في العنوان هو فاتحة مفارقة، وجوهرياً وكنائياً، هو ليس خارج التماثل، أيضاً... فالحرب حمراء، دموية، عادة!.. وهي (غابة) أيضاً.. و(الغابة) دالاً وموصوفاً تدفع بالموحى اللوبي من جهة، والمعنى والتأويل إلى أبعد، (تقول: حياة الغاب، وشريعة الغاب.. الخ) إذاً من حاضر إلى مدى مفتوح للتأويل، تقبل (الغابة) هذا البعد، ومعنى المعنى...

-وما دام تشكل وعي الشاعر في ما يشتغل عليه، يتبدى منذ العنوان، فأن شعره مؤسس على (الحكي) أولاً.

وعلى (بنية اختيارية) (انتقائية) من سليقة تبدو تلقائية لا أدرية بمظهرها العفوي. لكنها واعية في تمظهرها وتمفصلها..، وفي تفردها التقاط مضاف من (الجاهز) و (اليومي) و (المخزون). (ليلصقه) في (الكتابة) بعد أن يأخذه من (الكلام)، وليدخله نسيج البنية، اقتباساً، أو تناصاً، يلائم كتابة محرضة، وتعددية كلام (ثانياً).

وهكذا يخرج (بالشعري) إلى مدى أرحب من (اليومي/ العادي/ المألوف) بالرغم من أنه يستخرج من (اليومي/ العادي/ المألوف) الذي هو (مرجعية النص)، مسنده، سنده، وموحى ظلاله، لأن الكلمات رموز، لها معان مرجعية، لذا فهي تعمل على منطقتين، بين شيئين:

(العلاقة): و (العلامة/ شكلها) شكل الكتابة، المرسوم في الكلمات، و(سهمها) (اتجاهها)، الشيء المشار إليه هدفاً ومعنى. يتوحدان في غرضهما، الذي هو تمكين عقل المتلقي وربما مزاجه الشعبي أيضاً- من الانتقال / من (شيء غائب) إلى (شيء حاضر) في النص. وتلك أبهى أشكال ووظائف (مفارقة التماثل) في (تعددية كلام)، حيث يبدو (الغائب) الواقعي: "شهيداً" / أسيراً/ معركة/ حالة في الجبهة... حاضراً في النص، وبالرغم من تقاطع (الغائب) و (الحاضر) في (الزمن الواقعي)، لكنهما يلتقيان على مساحة فن، كلام، كتابة، في (الزمن الشعري). زمن النص.. حيث الوصفية تأخذنا- بمضامين فكرواشراقات مخيلة، وتداعيات، وحرقة قول- إلى ذاكرة يقظة، شعبية، عبر التناص المختفي أو الظاهر، معاً! إن (التناص) بالكلمة، أو بالمعنى، أو بجوهر المثل الشعبي، أو بمقطع أغنية، أو بيت شعري معروف، أو بكلمة (عامية) تحتفظ بثقلها التراثي والنفسي والروحي، يدفع قراءتنا لقصائد (الغابة الحمراء). متحررة من (المنهجية)، لأن التأويل في اللغة والكلام، يدفع إلى تأويل في القراءة.

والقراءة التأويلية، يستدرجنا إليها الشاعر دوماً، حيث يتحول (التأويل) إلى أداة تمارس من خلالها سلطتها المعرفية والايديولوجية على النص، إذ تفرض عليه أفكاراً قد تكون غريبة عليه، ومستمدة من نظرة مسبقة عن الإبداع والكتابة وغيرها).

فاليومي المنقول من واقعيته، يدخل بنية الشعر، (كطريق النمل)، حيث التشبيه إلى (النحيل)، كأوتار كمان،... الخ. إنه (نظام) مألوفة تشبيهات، الكنايات مستلفة من ذاكرة أخرى، وكأنها تماثلها.

و (مجاز) الشاعر هو مجاز (الاعتياد)، لكنه يقدمه في نسيج لغة، قد يهمل فيها الشاعر "ضبط" الوزن، و "التفعيلة" و "الايقاع"، لا يستحي من نثرية أو تقريرية، في السرد الحكائي لنصه/ لقصيدته، يكون الشاعر فيها هو السارد غالباً.

ولا تأتي الكلمات (العامية) ترصيعاً، بل بنية داخل بنية، حل (وريثاً) مرة لحسين مردان في استعمالاته المفردات العراقية ذات النبر العامي/ الدارج... (ذلك الشاعر الذي لم يدرس عروض الشعر ولا دخل اكاديمية لغات، لكنه عاش إيقاع الحياة ونبضها، فدفع حوامل تراثية (فولكلورية) إلى المتن، بحيث أصبحت هي (المتن والهامش)، (العمل والمرجع) في آن، بعد أن إنتشلها من (المحكي المألوف) إلى (المحكي المكتوب) جعلها: كتابة.....)

ومرة يستق من الشاعر حميد سعيد في تخليق علاقة تماثلية بين القصيدة والشخص، بين القصد والمكان (الشهادة، ونصب الشهيد)، لكن يبقى كزار حنتوش مثل (مردان) في الجوهر، وليس في توجهات النص، يحاول اجتياز الحدود التقليدية للشعور، بالتعبير وبالصورة، على وفق هواه ومزاجه الشعبي.. وقصائده تبدو بالرغم من شدة شبهها بالواقع وتماثلها معه، متمردة (واقعيتها) متمردة، عليه، تفترق عنه، وتلك مفارقتها في التشكيل/ الجوهر/ الصورة/ وفي اللغة أيضاً.

ففي "الغابة الحمراء" صور مجازية تخترق باللغة (الظاهر - عفوية) اللغة المصنوعة والمعلبة، فالشاعر يشكل بالدارج وسواه ما أشرنا إليه. وحدات تعددية كلام.. إنها دمج نوعين مختلفين من الواقع، تفكيك التجربة وتنافر أجزائها بين الحقيقة والخيال، تماماً، ثم إعادة تركيبها على مسطح القصيدة، بحيث تمنحه بعداً آخر عدا الطول والعرض (الأفق والارتفاع)، تماماً كما في الملصق التشكيلي تتبناه في (الشكل) الآخر، لكنها تبدو- ظاهرياً- "وحدات الواقع" في آن... وتلك مفارقتها، إنها مغامرة جمالية تأخذ من الواقع ما يفيد المخيلة ويغنيها:

[الريح تقلقل جبلاً]

(قصة لا تنتهي: 6)

"تقلقل، -بقدر صدقها "العامي"، مفارقة، فهي في المبالغة الشعبية تبدو مماثلة للواقع، وإن كانت كل رياح الدنيا لا تحرك جبلاً من مكانه (واقعياً وعلمياً)

وهي ليست مثل (آب.. اللهاب)، هنا الإفادة من الكناية، مطابقة: فآب لهاب فعلاً!

وفي: [ كان له صوت كالفضة والفلفل]، وهو سياق الحكي الشعبي، التشبيه فيه مألوف: [يوقظ في الفجر الديكة/ ويصحي بائعة الباقلاء] (ص: 7)،... هنا المفارقة واضحة: التماثل معكوساً، فالديكة -في العادة- هي التي توقظ الناس، وبائعة الباقلاء، بالرغم من إلفة شعبيتها، تصحو مع البكور، في العادة أيضاً،... لكن الشاعر أراد أن يلغي فعل (العادة)، يلغي (التماثل) مع الواقع، في خلق مفارقته، ويدخل (الملصق) تناصاً- من مخزون موروث: [ميلوا عنا../ ما فينا الصائع والضائع](ص8) من أصل أبيات للشاعر مظفر النواب- ثم من مخزون حكمة تاريخ: [ ما حن بعيرٌ بفلاة/ ما مر على "ذي قار" فرات].. دفع الشاعر بهذا التناص من موروث أهازيج أو حكمة، بالروي، إلى ملمس خشن، (الكلام) هنا يستفزنا في تعدديته، يستفز حواسنا على قراءة تأويلية.

ومن خلال صخب القصيدة الخارجي، يستدرجنا إلى (إنصات)، إلى عمق آخر خارج السطح الظاهري، تماماً كالبعد الثالث في التشكيل، العمق، ربما، لأنه يريدنا ألاّ نقرأ النص بصوت صاخب، بل بالصمت أحياناً، إذ يعرف ويعرف المختصون بالبنية: "إن لحظة الصمت أمام النص الإبداعي قد ينتج عنها "موت القراءة" ذاتها، مادامت في جوهرها تأويلاً، أي: إنتاجاً لخطاب ينضاف إلى الخطاب المقروء” لكن (الصمت)، هنا، ليس فيزيقيا، إنه (إنصات)، إنه (ميتافيزيق القراءة)، لأنه ليس أخرساً، ليس استحالة كلام، ولا إلغاء، بل هو (قراءة) أخرى للنص، إمكانية أخرى للانفتاح على غناه الدلالي، وعليه معاً"

لماذا يدفعنا الشاعر إلى ذلك؟

إنه بقدر مهارته في اللعب على ظاهر النص، في السرد الحكائي وفي التناص، متكيء على سيكولوجية شعب، اجتماعية شعب، موروث شعب، ونتاجات مهارات فطرية أو فنية، يقودنا من خلال إفاداته منها، إلى إنتباه، إلى يقظة. وهو يقود (سلطة النص) في (تعددية كلام) إلى (الإنصات) إليه، والخضوع لهذه السلطة. لأن الانصات وظيفة من وظائف الإدراك- إدراكنا- تحديداً في القراءة والفهم والتأويل، وعند اشتغال الشاعر على النص، يفكر بنا، بالمتلقي المدرك (أولاً)/ القارئ الساند/ المعاضد/ ثم بالمتلقي (العام)... وبذلك يشكل -النص وبه- (علاقة) مع المتلقي، هي علاقة "هيرمينوطيقية" في أساسها، إنها علاقتنا بعالم النص، و (عالم النص) هنا، يخرج من بنية الكلام إلى بنية المجتمع/ وحالته المفروضة عليه (الحرب)، حيث الفضاء الذي نسكن فيه.

بمعنى أن يكون (مكان النص) -الفضاء- حيزاً من كينونتنا!

من هنا يمكن اطلاق كلمة (عالم)، لا على (الفعلي) و (الواقعي) فقط، بل أيضاً على (المحكي) و (المتخيل) و (المرسوم) و (المرئي)، وبذلك يكون (القول الشعري) بمعناه الهيدغري- عالماً "يسمح للكينونة بولوج عالم اللغة، والظهور أمام الفهم الإنساني.

وعلى ذلك كان (الانصات)- بمفهومه الهيرمينوطيقي- لذلك (القول الشعري) تجربة في حد ذاتها، حيث تقودنا (هذه التجربة) إلى تعقب معاني ذلك (القول الشعري)، واتباع آثارة والسير في طريقها، في اتجاه البدايات الأولى، أو المعاني الأصيلة، أي في طريق اللغة العميقة لكينونة القراءة.)

و (الانصات) كقرءاة ثانية تعاضدية، يصبح (تُصبح) هنا "تفكيراً" في رموز اللغة التي تنفتح على هذا الشكل أو ذاك، على أنماط الحضورالإنساني داخل (العالم)، وهو هنا، عالم الحرب والدمار والألم، عالم النص الإبداعي معاً؟

(معروف أن (الإنصات) مصطلحاً ومفهوماً- في اللغات الأوربية يحتوي معنى: "الفهم" و "التأويل".)

-[ها... صرت أليفاً كحمام الكاظم..

ها... إئتلقت روحك

كثريات "العباس"...](48)

هذه النبرة التساؤلية: "ها..".. وتركت نقاط (فسيحةٍ) بينها، وبين الكلمة التالية، ثم طبيعة ما يصار في السؤال: (صرت) أليفاً كحمام الكاظم؟...، الخ، تدفع إلى وقفة انصات (نصفن) قليلاً ثم (نقرأ) النص في دواخلنا، ونقارن صيرورتنا بحمام الكاظم، إئتلاف روحنا بثريات العباس...

هل ذلك واقع حقاً؟ هل صرنا كذلك فعلاً؟ هل وصلنا درجة التماثل وثريات العباس وحمام الكاظم، في الروح والألفة والألق؟.. أم هي مفارقة النص للتماثل؟!

إن الشاعر، هنا، يتشاطر علينا، يضع على سطور الكتابة حجراً نتعثر به دائماً، ليوقظنا، وليخرجنا من حالة (الاندماج) مع لعبة النص كنص- إلى واقعية الواقع، كي لا ننخدع بالمشهد الشعري، داخل النص، وننسى المشهد الواقعي، المأساوي، داخل الحياة زمن الحرب:

[السرو يطش

أنت أساسك طيب

أفلس بائع "ورد لسان الثور" وأغاني "أم كلثوم"...]

كزار حنتوش، مثل (صوت خام)، كذلك يبدو ظاهرياً عن وجهة نظر تقنيي الموسيقى والغناء، قد يحتاج إلى (صقل).. لكن من يقول ذلك، أو أن في ذلك فائدة عظمى للشاعر؟

(الصقل) من (خشونة) ملمس (العامية) على سطح لوحة القصيدة/ النص، أو في نسيج قماشتها...، هي إضافة مخيلة، أول الذين ابتكروها، كتاب وفنانو "سومر" -أجداد كزار- في الأساطير والنحت، ورسم الكتابة،.. الخ، ثم كانت في (الليالي) شعراً وسرداً، وبنية (كلام) وقص، وتناص، من "فنون" قول عديدة، في بنية حكاية!

هل نوقف مخيلة شاعر عند حد المرئي المحسوس، لينقله لنا، على الورق، مثل خبر جريدة؟

أم ندفع بمخيلة شاعر إلى تجاوز المرئي المحسوس ليصوغ لنا (خبر الجريدة) (أو: خبر الواقعة، الفعل) شعراً، أو سرداً حكائياً متنوع المستويات في أبنيته، ذا بعد مخيلاتي يدفع إلى بعيد، أو يحفر في العمق.

ماذا فعل الدادائيون والسورياليون، أكثر من دفع المخيلة إلى الميتافيزيقيا.؟..

ما عيب شاعر (شعبي) لا يتوقف عند حدود (العامي) و(اليومي) و (الشعبي) و(الواقعي) بل يتواصل مع مخيلة، حد التخلق السوريالي أحياناً... فيذكر بالموحى بطبيعة اهتمامات الشعراء الحداثيين(استعارة الاشارة من أغنية: طير الوروار لفيروز)، لكن الشعراء الشعبيين هم [أولاد البردي والبرنو]. هنا الاستعارة من عمق نضالي، وحكائي، والمرجعية واضحة...

كذلك في "الخيل معقودة بنواصيها الأقمار" و "حلفوا بشواربهم" و "هناك اعتنقوا شهباً" (ما تقبل تذوي).

(ماتقبل) -هنا- كأنها مقدودة من (عاميتها) تماماً كما تقال في الاستعمال (اليومي).

(طبع الجوري) معروف، و (فوق الغار) المعنى يأخذنا إلى دلالة الحرب والصورة بمجملها، مدروسة في المزاوجة بين (حداثية) رؤى و (تناص) معنى/ مستلف من العامي اليومي الشعبي، أن ذلك يصنع حالة الجذب مع جوهر الشعر، وقبل ذلك يلعب على الجناس أو الطباق أو الكناية أو التشبيه الشعبي.

"والديوانيدس هنا، ليست المدينة، بل غرفة الضيافة (الديوان) في البيوت العراقية العريقة، وفي "الشهداء يصعدون إلى السماء" يضعنا الشاعر بين دمجين، أيضاً (الشعبي) في مجاورة غنى صورة (حداثية)..

كزار، يستمر في السرد الحكائي بتعددية كلام: [ورجعنا لسوالفك] تماماً كما هي في "اليومي" مقدودة من أصلها الحكائي وظلالها معها..

في "بيئة التبغ" (العنوان بذاته هو مفارقة) ثم في (كل صباح) و(كل مساء) حيث يقسم القصيدة إلى حالتين زمنيتين (صباح - مساء) الشعر يأخذ شكل السرد ومنحاه، فالسرد الحكائي يتفيأ بسالة الحالة والمقاتلين، والشاعر يصف رفاق الربيئة والفضاء والروح معاً، هناك فوق جبال "حرير" حيث:

[تخال دبيب النمل

قرعاً فوق طبول الليل]

هل ينطبق على كزار حنتوش ما ينطبق على الشاعر اليوناني أوديسيوس إيليتس (خارج قصائده التي تتميز بالغموض والصعوبة) بل، في تعددية كلام (من اللغة العارفة حتى الكلام الشعبي السائر) إضافة إلى ما يستثمره من ألعاب لفظية، وتعددية ايقاعيات ومديات قول (من الأبيات الطويلة، إلى القصيرة، إلى السرد النثري، إلى الوصفية، إلى حرقة التداعيات والاعترافات) كهذه التي تتجلى في تجربته في الحرب؟ سؤال يدفع إلى سؤال: هل (استقرت) أسلوبية كزار حنتوش بين أقرانه؟

هل أكثر من هذه العبارات إلفة وشائعية ووضوح غرض؟ لكنه يضمر لنا نوايا شعرية أخرى حين (يصور) بالكلمات حتى تخال "دبيب النمل" مثل "قرع فوق طبول الليل".. أي احساس وراء ذلك.؟

ومع ذلك يجتاز وهم الحديث عن (لغة) عن (لغات) عن (كلام) عن (مفارقة) عن (تماثل) عن (وصفية) عن (شعبي) يقابل (سوريالي)، إنه التماثل يخلق مفارقته ونقيضه في تعددية كلام.

بين المألوف في الشعاري (طلائع أمة)، و (حنين شعوب)، وبين المألوف في اليومي "يدور الشاي" ينهض ذلك" النعاس العسلي" في عينيه، وعلى كتفيه دموع الليل، صور متشابكة، متآلفة، هي مزيج ذلك كله، الذي قلناه...

في "الرجل الذي لم يحارب" (ص : 44) حالة دقيقة عن انسان لم يشارك في الحرب، إنه "مرفوض بالكامل حتى من نفسه، بله الآخرين والمحيط" لتلك التفاصيل المحكية والمرتبة والمتصاعدة في السرد.

لا يكتفي كزار في تقديم تعددية كلام، وتعددية إفادات وتناصات من "معاجم" مختلفة، لكنها تبدو في نسيج القصيدة وكأنها نابتة، ملتحمة، وضمن وحدتها، حسب، لكنه (أيضاً) يقدم تعددية نماذج كذلك الذي لم يشترك في الحرب، وكالمقاتل والخائف والشهيد في (ثلاثة أوتار من ربابة زرياب) بعد أن يجعلنا ومنذ العنوان- وهو حامل تراثي- نذهب بعيداً في الاحالة والتأويل إلى دلالة اسم وتاريخ زرياب.

وجه المقاتل (أولاً) ثم (إلى خائن) -وهو النقيض ومفارقة التماثل- وإلى(الشهيد) ثالثاً (حمزة عبود) الذي تعبق رائحته (رائحة الشعب) من خلال رموز إحالات، إلى (أشعار حميد سعيد) و (لوحات جواد سليم) وكنايات: زهرة العاقول، أكمام الوردة، النسمة الحمراء، ماء التعب المالح، الشاي الديواني الأحمر، حانات الصحو، قمصان عريف البحرية، دمعات الأم، جدائل بنت الأخ. (ص50-51) وهو ياتي على الغياب، بتأكيد حضور.. وتلك مفارقة أخرى في تعددية كلام: (قصيدتان عن الغياب/ ص 53) رسالة الأسير المقاتل محسن أحمد، وإلى الشهيد محمد عواد.. ثانية) حيث تتضمن رسالة الأسير عتاباً، يضمنها الشاعر تلك البنائية الفسيفسائية، المزيج بين الروي، وبين المصاغ من الشعبي والمألوف.

الغائب حاضراً، مفارقة تماثل، في تعددية كلام بين السردي المحكي، العامي، والوصفي... وتلك مهارات استخدام تؤكدها كل القصائد، كل قصائد (الغابة الحمراء) من عنوان الديوان، إلى القصيدة التي تحمل ذات العنوان، ففي قصيدته "نار الأهل... ولا جنتهم" يبني العنوان، ثم المتن، على لعب في الصياغة: إعادة صياغة مثل: (نارك ولا جنة هلي) بمفارقة صياغة تميل إلى التماثل مع والتطابق، حيث نار الأهل أرحم وأروع من (جنة) (الأعداء). هنا، لا يجعل الشاعر، الكلام، على منوال المعتاد، بل يحركه بايقاع مختلف يعدد في امكانياته، يمد في أفقه (ص57)، تسهم المفارقات هنا في تضادها، والميل في خلق لوحتي التناقض -إلى تماثل الجندي- (الذي يملأ شاجوره) بتلك السرعة الخارقة، لا يتركهما الشاعر سائبتين- بل يدخلنا في جو رماة الدوشكا، الذين "عزفوا لحناً شعبياً"، ويدخلنا في (تجريد) اللحن، (صوته): "طكك طكَك... تو. طكك، تتتو، تتتو/ طكك، طكك، طكك تو.. تتتو.." ثم بتلك الأغنية العامية الدارجة، الصادحة، الصريحة، الحارقة.. ويغرق في التأنيب الذاتي، تداعياً، واعترافاً، أمام لحظة المواجهة الشرسة. كأنه يكفر عن تلك (الخطايا) باعترافات لأمه. بتصعيد صوري، ومنلوج ثر، وجميل، وصادق (العقيدة كاملة ص 57-68) الشجى الذي تحمل لن يغفر (حنتوش) الراقد في قبره منذ ثلاثين سنة لإبنه كزار، تلك الخطايا، حتى التحام الحالة السوريالية بالحالة النفسية والفعل: سقي العوسجة اليائسة فوق الربوه، يومياً، والقروي المدهوش تماماً من أحواله يضرب له مثلاً شعبياً.. عن جبر.. الذي لم يعرف السعادة، فمن رحم أمه إلى القبر! تكتب على شاهدة قبره!

و"المستحيل"، لكن الفنتازي يدفع الشاعر (ليباري الصفصاف المايثمر) و (يسقي العوسج! لكن حين دوت قنبلة قربه وسقط على وجهه في التراب شم أريج الأرض، (إذ بالروح تسيل زرقة مصباح في الباب/ والقلب رباب...في إيوانٍ عباسي) وتراءى له (نصب الحرية لافتة، يحملها الشعب) ويتصاعد الحلم (الأطفال الديوانيون يمرون بقربه، مثل زنابق بيض، غادين سراعاً لمدارسهم في الصبح، وتفوح في روحه أغنية: [لو للغرام حاكم.. جنت اشتكي أمري]

وبمفارقة وعي وغياب: [ يحصي دواوين الصائغ يوسف، في سره، وكحل عينيه بمرأى لوحات سعاد العطار، وشم رائحة حناء من كف عروس في "سومر"): (نار الأهل ولا جنتهم/ نار الأهل ولا جنتهم) فيسرع إلى "المرصد" ولن يتراجع! (ميسان) ورءاه، وبغداد، وحين (ينتصر) يطير إلى العوسجة التي توميء إليه مزهرة!.. مورقة، فينادي توأم روحه "عواد" إذ أزهر قلبه...)

هذه القصيدة، و "الغابة الحمراء" تتصاعد فيهما غنائية رفيعة. وهي غنائية تفيض بها القصائد كلها، في ذلك السرد الحكائي الذي يجمع (الحدث) أو (الحالة) في بؤرة، وينطلق منها إلى ذروة، وهو لايهمل تلك البراعة في الإفادة من (الشعبي)، مثل (والليل صقيل كالمصقول)، وادخال اشارات الأشخاص واسمائهم: حميد سعيد، معين بسيسو، جواد سليم، سعاد العطار، يسلين، بيتهوفن، لتفجير رؤى، وبالتالي لإشاعة قناعة أن (الشعبي) المألوف ليس نقيضاً للجمالي في الرسم، أو الشعر الفصيح.

ودائماً ثمة (آخر) في النصوص، ربما يحاوره (بطلها/ أو الشاعر كسارد عليم/ أو يصفه، أو يتحدث إليه أو يعاتبه أو يشاركه همومه في "الغابة الحمراء" / العقيدة/ التناص/ منصب ليس في المقتطف المتضمن داخل المتن، بل في الروحية، لكن المفارقة تأتي في الآخر/ الثاني، لا آخر الشاعر حميد سعيد (عبد الهادي الصالح) بل آخر كزار حنتوش (عبد الله الصالح) وإذ يكتب حميد سعيد سفر الشهداء في "رؤيا" يعيد كزار كتابتها، مع هامش مرجعي صريح:

(من قصيدة رؤيا نصب الشهيد للشاعر حميد سعيد من ديوانه: "طفولة الماء"

والتناص هنا هو علاقة بين "عبد الله الصالح" و "عبد الله الصالح" بين كزار وحميد، حيث (يتوحدان) في موضوع: "الشهداء"

وتوحد الشاعر مع الشاعر الآخر، إذا كان واضحاً هنا في التناص من ومع "رؤيا"، فهو من ثم في (قصيدة من سجيل) يتم التناص مع فلسطين- معين" (بسيسو) حيث يدخل المرئي في المتخيل، والمتخيل في المرئي:

[معين فلسطين

آه ما أدراني

أن (حسين) المتحفز في (المرصد)

كان "معين"؟!

وفي (زفاف) يتوحد الشاعرمع حالة مسلم عواد (الشهيد) الذي يهدي القصيدة إليه، حيث الاستهلال السردي، يقوده الشاعر إلى حيث تلتقف "الباقة" دور السارد، الحاكي، لتتم الحالة بمفارقة فنطازية، قريبة إلى مناخ يوسف الصائغ في ديوانه (المعلم) وقصائده عن الشهداء.

نعود إلى البدء..

من اللغة العارفة، يقودنا، إذاً: كزار حنتوش في (كل) "الغابة الحمراء" (ديواناً وقصيدة) حتى الكلام الشعبي (السائر)، المثل، والنص الشعري المستلف من آخر، والخيال المجنح، الوصفية، وغنى التجربة بتفاصيلها اليومية، وبمخيلة تداعيات، بالرفضية، والفكاهة والسوداء.

حكي داخل حكي، كلام داخل كلام.. / تعددية هي في الحصيلة/ في المفارقة والتماثل/ في التضاد والتطابق/ في كل ذلك الجحيم من (الصدق) و (الغنائية) و (البساطة البليغة/ ... تتشكل (أسلوبية ) كزار حنتوش.

واستلاف المضامين يذكرنا ببعض حسين مردان

وفي اللغة، والسرد الحكائي، وحتى المبنى، من بعض يوسف الصائغ وحميد سعيد، بل ومن حميد سعيد حتى في النسق والنظام الجمالي،... ذلك لا يعيبه ولا يضعف توجهه، لأننا نلمس كل ذلك، ومع ذلك... خصوصية روح تميز بها كزار حنتوش، وفاض بها شعراً صادقاً..

 

محمد الجزائري / ناقد من العراق


 

.Copyright ©2003-2007 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri