حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ألفريده يلينك.. قلم كاره وممتعض

قراءة في "عازفة البيانو"

ما أهمية التسميات أمام عمل بهذا العمق وهذا الاتساع؟.

ليس مهما الحدث في تلك الرواية، وليس مهما عنصر الزمن، أو البطل الأوحد، ليس مهماً أن تكون إريكا هي ألفريدة وأن العمل سيرة ذاتية أم أنه رواية. ألفريدة يلينك، كاتبة "عازفة البيانو"، من تستطيع جعل الحب والكراهية شعوراً واحداً، لا نستطيع نحن قراء الكتاب التمييز بينهما، هي الأهم.

كل الثنائيات التي اعتدنا الفصل القاطع بينها في الحياة، استطاعت هذه الكاتبة أن تخلخلها، وتخلخل وجداننا نحن القراء، وتبقينا على طول الرواية وعرضها نتساءل: إريكا تحب الآن؟ أم أنها تكره؟. هل تحب أمها أم تكرهها؟ وأبوها هل أحبته أم اكتفت بشعور الشفقة الأقرب إلى الحياد؟ هل هي امرأة محبة وخيرة أم أنها متعجرفة ومغرورة ورافضة؟.

"الضرورة علّمت إريكا أن تتحرك بسرعة".

هكذا تقدم الكاتبة بطلتها.

تنحدر إريكا من عائلة أفرادها أعمدة تلغراف منتصبة في الطبيعة، أفراد قلائل لايتكاثرون إلا بصعوبة وتقتير، كما يتعاملون مع كل شيء في الحياة، بصعوبة وتقتير. إريكا لم تهبط إلى العالم إلا بعد عشرين سنة من زواج أبويها. زواج أفقد والدها عقله فتم إيداعه مصحة حتى لايمثل خطراً على العالم. ومكث زوجاً غائباً في ملكوته، بينما انصرفت الأم لطفلة وحيدة جعلتها وسيلتها التي ستهيئها كأي أداة، كي تنجح في هذا العالم القاسي.

ألا تُشكر أم تضحي من أجل مستقبل وحيدتها إريكا؟.

أبداً.. لأن عقدة إريكا هي الأم وعقدة الرواية هي إريكا والأم. ونحن الذين اعتدنا أسطورة الأم العظيمة، الحنان والعطاء والسهر على راحة الولد، والولد الذي سيمتلئ بواجب التقديس ورد الجميل، تأتي ألفريدة لتحطم كل هذه المثاليات فوق رؤوسنا.

بداية إريكا عازفة البيانو الماهرة والبروفيسورة الناجحة والقديرة والتي تملأ درسها وطلابها هيبة. ترجع إلى البيت بفستان جديد، فتلقى اللطم والصفع من الأم التي ترفض هكذا تفاهات ومصاريف لامعنى لها. فينشأ بين الأم والابنة/البروفيسورة، عراك بالأيدي ومصارعة عنيفة تنتهي بنحيب الأم، بينما تمضي إريكا إلى الحمام كي تغسل يديها من بقايا شعر أمها الذي علق بأصابعها.

في مساء اليوم نفسه، تتناول عشاءها معها وهي تنتحب، من منظر رأس الأم المقروع الجانب من أثر العراك. وتمضي الأيام صراعاً عنيفاً بين الاثنتين، ولكن أيضاً يوجد تفاهم غريب على أمور كثيرة. هما تارة زوجان وتارة طفلة وماما، وهما أيضاً البروفيسورة وأم فخورة بابنتها التي لم تضيع تعبها وصار لها مستقبل باهر. تتنزهان متشابكتي الأيدي متفقتين على أشياء كثيرة، من أهمها السخرية من المارة والجيران والعالم الذي خارج شركتهما، ركاب الترام وطلاب الموسيقا والقتلة والمقتولات من العجائز المساكين اللواتي يفتحن أبوابهن للقاتل من وحدتهن فيلقين مصيرهن القتل. وهنا تتناول الكاتبة أخبار هؤلاء العجائز، من اعتدنا احترام قدرهن والتعاطف مع وحدتهن، تعرّيهن وتنتف ريش كينونتهن، ذلك لأنها تتوقع لأمها مستقبلاً قريباً يشبه وضعهن، طبعاً حين تتركها لتعيش وحدها، لكن أريكا لا تترك الأم، وتظل على هذا الحد من العراك والتفاهم والحب والبحث عن الرضا والبحث أيضاً عن إثارة الغضب.

تهين الكاتبة كل العالم بحرية من له الحق. وتبدو أن الساحة لها وساحة لغتها واسعة.

مهنة اريكا هي عشقها: الموسيقى، تقول إن الموسيقا سلطة سماوية.

"إذا كان هناك شيء فريد ومتميز، فان المرء يطلق عليه اريكا.. وحدها تدير دفة قارب الفن، وحين يسألها أحد تلاميذها عن هدفها فانها تذكر الإنسانية، مقحمة نفسها على المنبر بجانب عبقري فن التغمات بيتهوفن".

ورغم كل تلك الكراهية والسخرية التي تقدم ألفريدة فيها بطلتها أريكا، فإن القارئ لايفتأ يبحث بين السطور عن سبب حبه لأريكا. مع أنه يفكر: أعرف أن إريكا ليست مظلومة الآن، فهي سبقت أمها باضهاد الجمهور.

"هوة واسعة لاتنغلق وممتلئة بالقمامة تفصل إريكا عازفة البيانو الماهرة عن الآخرين. الآخرون جحيم يسعر إريكا".

بهذه السخرية المرة تقدم الكاتبة بطلتها.

تارة تتحدث بلسان حال الأم وتارة بلسان إريكا، وأحياناً بلسان حالنا نحن قرائها، لو كان لنا نصيب في تلك الأحداث، لأننا سنجد أن لغتنا أضحت مترددة وتتماشى مع أحداث حياة أم وابنتها، علاقتهما شديدة التناقض.

تأخذك الكاتبة من يدك أنت القارئ، وتشهدك على وقائع حياة. وهي رغم إشارات إصبعها اللاذعة فانك لا تدينها بالتجني ولا تملك الوقت كي تتذكر أن هناك كاتبة تؤلف عملاً.

لإريكا هواية تمارسها ملء وقتها، مراقبة الآخرين، وتفاصيل يومهم العادية: اثنان يحبان بعضهما يتناولان الآيس كريم. شخص يقف إلى جانب علب محفوظات قذرة وأطباق ملطخة، وهناك في هذا الوقت في مساكن أخرى يوجد أحد ما يطش الماء في البانيو، وربما يوجد فتاة تجرب تنورة على بلوزة، أو تشتري أحذية مدببة المقدمة، و واحدة تكوي شعرها وأخرى تطلي أظافرها، ويوجد الآن شعا ع يهبط على شوكة ونصل سكين بيد رجل يتناول غداءه.

وحين تمتلئ بكل هذا الإحساس من الكراهية والحسد لحياة الآخرين العادية، وبكل هذا الحرمان من الحياة البسيطة، وهذا الرفض لالتصاق الأم بها، تتذكر إريكا ما فعلت الأم بمصيرها. تقول إن أمها قضت عمرها تهيئ أوتار ابنتها وتدوزن فقراتها وتشد حبالها كي لاتتأثر بالعالم الخارجي.. أقول، حين تفعم بهذه الذكريات، تمتلئ إريكا بنقمة هائلة تجعلها تندفع إلى الأمام لتهبط أصابعها على مفاتيح البيانو وتدخل عالم برامز.

لاتحتاج الفريدة الكاتبة ان تنتقل بك من مكان الى آخر كي تحافظ على جذبك. فالأمكنة تصبح داخلك وأنت وهي تتنقل في لاوعيك، وتنبش فيك. تفعل هذا ببساطة شديدة لأنها تنبش ذاتها أيضاً.

حمام ساخن وبارد ترميك به الكاتبة. لتشهدك في كل فصل على وجه جديد لحالك. مما يدفعك لسؤال داخلك: أهذا أنا؟ وتضطر لجواب استسلامي: نعم هذا أحد وجوهي.

للرواية بطلة واحدة والحدث بظاهره بسيط وواحد. فتاة تعاني من تدخل الأم في حياتها، تحب شابا يصغرها ومع هذا الحب يحدث تمشيط لا وعيها وتمشيط لأسرار جسدها.

للعادة السرية طقوس تشبه عمل الكتابة نفسه. تمسك أريكا الشفرة التي كان أبوها يحلق بها ذقنه تحت جبينه التي تقول أريكا عنه جبين فارغ، وتستلقي على طاولة كطاولة الجزار وتبدأ بتجريح أعضائها التناسلية. الأن مع شدة الألم والدم الذي يقطر ستأتي اللذة ثم الصراخ.

عازفة البيانو الشهيرة والبروفيسورة القديرة، والتي تحاول أن توضح تشوهها النفسي للقارئ، تمارس في مراحيض المسرح تمرينا جنسياً شاذاً، لتشد انتباه كلمر طالبها الذي عبر بالأساس عن انبهاره وحبه لها.

"حين يتناقشان بكيفية استمرار العلاقة بينهما إلى الأبد، تبدأ العلاقة"

تبدأ العلاقة ولايوقفها شيء. تصف الكاتبة عشق إريكا بقولها: المرأة حين تحب، تشرع ببناء عمارة، لكنها ليست إلا عش دبابير.

تريد إريكا أن تعيش العشق بعد أن تمر بمرحلة من الإباحية والتيه.

تفصيل طويل وشرح أساليب جنسية وحشية ترغبها، كي تزيد لذتها وتتخلص من كبت طويل وممنوعات ساهمت تربية الأم في تراكمها طوال خمسة وثلاثين عاماً عمر إريكا، مما أنتج حالة شاذة ومتناقضة في آن فهي تطلب من كلمر أن يمارس معها كل أنواع التعذيب الذي يخطر في بالها وباله، لكنها في الوقت نفسه تتمنى بصمت وتبتهل أن لا يفعل، بل تهمس في داخلها راجية أن يقبلها بلطف ويحميها من شذوذها.

لاتستطيع الانفصال عن أمها. وهي لشدة حرمانها من الحب وفي يوم فشل كلمر حبيبها في ممارسة الحب معها تمارس مع تلك الأم شيئاً يشبه الجنس. أمها التي قاسمتها الفراش منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

يتساءل قارئ كلماتها: ألايوجد مقدس؟.

إن حاول أن يفتش بين السطور لن يستطيع أن يجد أي إجابة.

تعيش إريكا بالموسيقا وعلى الموسيقا، بالفن تحيا وتنعدم وتشذ. تقدس الحقيقة التي تراها والحرية التي تلزمها.

اعتدنا من الأعمال الأدبية الكبيرة أن تعلمنا الحب والخير وتدلنا على الجمال فتغنينا، أما ألفريدة فهي ستغنينا بجمال من نوع آخر، جمال الحقيقة.

"حين تفشل إريكا تقدم اعتذاراً بين مخالبها، وهي تقع أمام قدمي كلمر فريسة تقطر دماً".

ومن ثم تضيف الكاتبة ساخرة من انكسار بطلتها:

"تقول إريكا بعد عدة صفعات عبارة يقولها رواد المسرح: لقد خابت توقعاتي".

هكذا تقدم الكاتبة مشهداً في غاية الألم. المرأة التي تحب بعمق، يضربها حبيبها الذي هو بالأساس تلميذها الذي يصغرها. تقول:

"تحولت إريكا إلى جهاز رياضي أمام كلمر وضرباته".

في الصباح، ترتدي إريكا على اللصقات الطبية فستاناً ضيقاً جداً يكاد يتفتق عليها وعلى ألم منتشر في كل جسدها. تمشي في الشوارع في اتجاه هدفها وهي تقبض على السكين الدافئ، وكأنها خلقت لتفزع الناس، لاتعرف بعد هل يقوم السكين برحلة معها في تجولها أمام الساحات والمتحف والحمام الطائر. أم أنها ماضية لتقتل من أحبت وأهانها بشدة.

تعثر على كلمر حبيبها وتلميذها، ناسياً تماماً ماارتكبه في الليل بحق إريكا، يقف وسط مجموعة من الطلاب، ببشر وإبهاج يضع يده حول فتاة زميلة له، تضحك الفتاة ضحكة مجلجلة مخفية لوهلة رأسها الأشقر بجانب عنق كلمر الذي يعلوه أيضاً رأس أشقر. يواصل كلمر قهقهاته والنور يغمرهم جميعاً. والشمس.. قهقهات من القلب يفعلها طلاب الجامعة الشباب.

تراقب شبابهم، وتغادر من دون أن يشاهدوها، سكينها في عبّها، وإلى البيت، بيت أمها.

تجرح كتفها، إلى أن تسيل الدماء على جسدها.

انتهت الرواية.

قلم يجرح. كل كلمة شفرة مثلمة، تدمي وتؤلم وتشرح فينا وفيها. فضيحة من ورائها فضيحة. قلم ممتعض وكاره، لكنه قوي ويسحب، يسحب القارئ ويدله على نفسه وحاله وحال قناعاته. إريكا ابنة الأم. عازفة البيانو الشهيرة، تكره كل ماحولها ونفسها أولاً. والكاتبة القريبة جداً من بطلتها من دون أن تتماهى بها أيضاً تُكرهنا بضم التاء، أن نبقى هناك على تلك الضفة نراقب ما سيحدث من دون أن ننجرف وراء الكاتب. كأن الكاتبة تحرص على قارئها من أن تظلمه، كي تكون عادلة، عليها أن تبقيه محايداً، ليس إجباراً لكن هكذا بالكلمة القويةوالكريمة بمعناها.

"عازفة البيانو" كراهية صادقة، عدائية، تحطيم كل ما ألفناه من مقدسات. لكنه فعل محترم، كيف؟ لا يُشرح. عليكم قراءته حتى تحترموه. أقول هذا ولا أستبعد أبداً على ألفريدة يلينك إذا قرأت قراءتي تلك، أن تلسعني بجملة تردني إلى منطقة تعري فيها كل الناس بلا استثناء.

 

منهل السراج / كاتبة من سوريا تقيم في السويد


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.