سيرورة
الكتابة في محوها
التماثلات الضدية تغيّب المعني
في المرايا كلها ينعكس الرجل الذي لم يحضر
أخماتوفا
من الخطأ تصور (الحذف) بالطريقة التي
لا تحمل معني كافياً لإجراءاته وعلي نحو يحتم الحاجة إلي
رؤية كلية للحذف تتسع باتجاه ما هو متعدد وشمولي فما ينجده
الحذف هو صورة مختلفة تماماً عما نمارسه من (تشذيب وتعديل
وتنقيح) لذا ينبغي التنبيه إلي أن إجراءات (الحذف) لا يمكن
فهمها إلا بما تخلّفه من آثار لا نجدها في الراهن الكتابي
إنها تتجاوزه نحو اللحظة الكتابية التي لم تنجز بعدُ تلك
اللحظة التي ترجئ موعدها علي الدوام محققة التدارك المستمر
لأنماط كتابية قادرة علي العمل انطلاقاً من نفاياتها.
وفي غضون ذلك يتحول جهد كل نفاية
إلي معطي كتابي، فالنفاية ليست فضلة بقدر ما هي مكوّن ودليل
انتاجي. يدفع بفعل الكتابة إلي أقاص بعيدة وإلي الحد الذي
لا نقوي فيه علي رسم حد بين متن ونفايته، فالمتن بقدر ما
يدفع بالنفاية إلي دور هامشي يكرس وجودها أيضاً. إن غيابها
مقيداً لوظيفة حاضرة بمعني أن قيمتها متوقفة علي حجم غيابها.
وبحسب هذا الاعتبار فإن الكتابة وعبر ما يستجد من إجراءات
حذفية تجيد التصويب باتجاه ما تبنيه ولا تكف عن تهديد ما
ننقشه طالما أن كل كتابة لا تستثني نفسها من كتابة تالية.
وبالتالي فإن هذا الأمر يسمح بتداخل كتابة ضمن كتابة أخري
بالتعاضد مع نفاياتها الملتبسة بخواصّ غيرها. ومثلما يكون
اليوم الأول في حياتنا (أولاً في اتجاه الموت) تكون اللحظة
الأولي للكتابة لحظة أولي في اتجاه المجهولية القائمة علي
تقويض ما يأتي ضمن فعالية متعاقبة ومفتوحة النهاية ووفق
قائمة من الارجاءات أطول من أن تنتهي وإن ما يظهر عبر السجالات
الحذفية هو ليس كل شيء علي الدوام. إنه كل ما يتعذر علي
الأكتفاء بين حالتي الحضور والفقدان وفي مدار هذا الأمر
تتأكد الحاجة إلي فهم ما يولده الحذف من مشاعر (الإحساس
بالغياب والتوق للحضور) ويبدو إن الاجرائية الحذفية تقف
بجوار النشاط التفكيكي في هذا الأمر وكلاهما يحاول مقترباً
من جدلية التضاد في اللعب علي تفكيك غوامض وتماثلات ضدية
تقود إلي استحالة حيازة معني ما أما الشاغل المشترك لمدارهما
فهما (الفقدان والحضور) وهو أمر مضمّن في أدوات (دريدا)
الثلاث (الأثر والاختلاف والنسخة الأصلية) وبمقدور هذا الشاغل
أن يوفر إمكانية الجمع بين فعل تلك الأدوات وبين اشتغالات
الاجرائية الحذفية علي أكثر من صعيد.
فالأثر يشير في الأوان ذاته إلي إمحاء
الشيء ويقف بموازاة الاختلاف الذي ينفي أيّ حضور عبر إرجاءاته
وتأجيلاته في حين تفقد النسخة الأصلية أصليتها من دون الاستناد
إلي النسخة التالية لها وبذا تبدو الاجراءات الحذفية متوافقة
مع النشاط التفكيكي في فك بني الكتابة وإظهار عوزها. ويتجلي
الفقدان والغياب للمعني في ظل الغوامض والتماثلات الضدية
التي ترتسم بأوضح صورها في سياق اعترافات (أمبرتو إيكو)
حول راوي روايته (اسم الوردة) الذي يكشف النقاب عن أن الراوي
المذكور والمسمي (آدسو) قد صنع علي غرار الراوي (زايتبلوم)
في رواية (دكتور فاوست) لـ (توماس مان)، ويؤكد أنه قد أسر
علي نحو أساسي في (ازدواجية البيان) في (مان) السردية ونبه
إلي أن الروايتين تقدمان عمليات تناص متشابهة، بل تبحثان
عبر خطوط متماثلة بين الفني والديني والسياسة والجنس.
وتركز الروايتان علي نحو أشد تخصصاً
علي عملية القراءة بتضمينها النص قراء كثيرين تجلي جهودهم
التأويلية بأن القراءة تورطنا علي الدوام في غوامض وتناقضات،
وتلجأ معظم التقييمات النقدية التي تناولت (اسم الوردة)
من منظور سيميائي إلي تلمّس لعب التضادات عن طريق الاصرار
علي أن عملية التوليد السيميائي مفتوحة أولاً متناهية ويشدد
(إيكو) بأن الحد الذي يفصل بين عنصرين متضادين هو علي درجة
عالية من الاشكالية فالاسباب التي تدفع (وليم) أحد شخوص
رواية (اسم الوردة) إلي التخلي عن عمله محققاً، علي سبيل
المثال تعكس اللااستقرار الاساسي للتضادات فيقول: لا قوة
لي علي تحري مواطن ضعف الاشرار لأني اكتشفت بأنها علي مثل
مواطن ضعف القديسين)(1) ونفهم من ذلك أن وعيه ومصادره ومهارته
لاتقان عمله (تتكافأ إلي حد بعيد) لدرجة أن تلقيه لمعارفه
المتصلة بطبيعة عمله تصل إلي الصفر في تلمّس وحيازة وجه
من وجوه أي معني. فالخير والشر مثلاً (لا يقيمان في علاقة
غامضة حسب، بل ان كليهما في واقع الفعل يتكون بالآخر بقدر
ما يصارع ضده فالخير لا يمكن تأكيد إيجابياته إلا من خلال
تأييد وإنكار معاً لوجود الشرّ) وهكذا نري (أن توماس مان
وإيكو يصلان في روايتهما إلي وجه التضاد التدميري الماثل
في أزمات حضارية في أزمان مختلفة حيث يمكن لأكثر البلاد
تحضراً القدرة علي اقتراف أشدّ الجرائم بربرية).
ومعني ذلك إن ظهور العلامة التي تقابل
الأثر وتعادله مشروط بامحائها أو إلزامها بالإحالة إلي الآخر.
وهذا الأمر يتماثل في إلزاميته مع مسألة تقبل الحياة التي
هي إيمان بالموت. أي أن كلّ أثر يرسم ملامح زوال أثر قادم
استناداً إلي حاضنة النشاط التفكيكي التي تحفل بالتماثلات
الضدية والتي توحي بنوع من المضامين الحذفية بما تسلكه من
طريق مجاور في تأدية عملها، فالعلامة التي يقرر (دريدا)
بأنها (تحت المحو) ويفترض بأنها (مكتوبة لكنها مع ذلك مشطوبة،
فنحن نشطبها لنشير إلي نقصها) (2) تغرينا هذه المجاورة بتصور
آليات الحذف في موقف مؤازر لآليات التفكيك فكلاهما ينطلق
من محض رغبة ممحوة (لكنها قوة مضافة في طريق السيرورة والاستيلاد
اللامتناهي) مما يحملنا علي الاعتقاد بأن الإجراءات الحذفية
تفي ببعض حاجات الأثر أو سواه من أدوات (التفكيك) التي
توحي علي الدوام بأن وجود الكتابة وسيرورتها كامن في محوها
فالحذف وإجراءاته شأنه شأن ما يولده النشاط التفكيكي من
تماثلات ضدية تتعلق (بما يثير وما يمحو في الوقت نفسه أي
ما لا يكون حاضراً أبداً) يضاف إلي أن ما يحذف يجاور ما
يتفكك فكلاهما يسعي لفقدان بنائه (إنهما يحدثان حيثما يحدث
شيء، ويقومان حيثما هناك شيء قائم) وإذا توخينا الدقة فكلاهما
يقوم علي سيل من الاشواط المتداخلة والممتدة نحو المجهول،
إنهما إيعازان أبديان يتكرران ليل نهار وليس لتلاحقهما من
نهاية بل إنهما الشيء الغائب والحاضر في كل شيء. وبإزاء
هذا كله وانطلاقاً من نفس الباعث الذي يتفق مع تأكيدات (دريدا)
بأن (في كل شيء كتابة) يكون بإمكاننا القول بأنّ (في كل
كتابة حذفاً) وعلي ضوء هذا التجاور بين وظيفتي الحذف والتفكيك
يطيب لنا أن نتساءل ماذا بشأن استجابة المتلقي التي نفترض
بأن المتلقين يستمدون شفرات حدوثها من خلال سيل من الاشارات
التي تطلقها علامات وآثار ناقصة وغير وافية لمعناها هذه
المرة ــ إشارات ذلك الحضور الغائب الذي ندركه في كل مكان
وهو الأثر إن النشاط التفكيكي وبسبب استحالة ثبات أدواته
المشار إليها يواصل العمل من دون إرسال أية إشارة كما يبدو
مما يحتم إدراكاً جديداً لدور الاستجابة. إن الأثر مثلاً
والذي يعادل العلامة لا يعدو أن يكون فكرة يمكن الحاقها
بفكرة أخري باستمرار، وإن الكتابة هي استمرار لهذا الالحاق
وبموجب أفضلية المتغير المفتوح علي غيره والمقترن بالمرور
السريع للزمن لذا يستحيل علي أية كتابة (أصلية) طرح أي منتوج
يثير استجابة ما لدي المتلقي..
وهكذا نري إن الكتابة الأصلية وانطلاقاً
من مفهوم (دريدا) بإمكانها أن تعطينا المبررات اللازمة لتفكيك
فكرة الاستجابة وتحويلها إلي محض خيال وأن حضورها لا يمثل
سوي (بصمة علي البياض) استناداً إلي أدوات دريدا التفكيكية
الثلاث (الأثر والاختلاف والنسخة الأصلية) التي تبدو ضرباً
من البني الناقصة وغير الوافية التي لا تجتمع أغراضها علي
قصد بعينه إن أقصي ما تسعي إليه هو التعلق ببقاياها والانشداد
إلي لواحقها في آن، بل إنها في حقيقة الأمر تسعي إلي أن
تكون رفضاً لاستقرار أي معني تبعاً لما يتمتع به الأثر من
مهارة في نقل الاهتمام إلي أثر غيره ووفقاً لهذا الاقتضاء
فإن الكتابة التي يدعوها دريداً بـ (الاصلية) تحفل أدواتها
بوظائف إحالية متصلة لا يمكن امتلاكها طويلاً. ولا تمت لردود
الأفعال بصلة كونها لا تتمتع بمعان بل بمتغيرات فحسب. إنها
تؤجل عملية الاستجابة علي الدوام إلي أجل غير مسمي. طالما
إن المعاني مقترحات غير مستقرة وحبيسة المتغيرات. وما يبرز
في النهاية أن الكتابة الأصلية لا تنشد البحث عن معني محدد
فما تنشده بالضبط هو أفضلية المتغير في محاولة للوصول إلي
الحدّ الذي لا أحد يصله المؤسّس علي حركة تمثل نقضاً وأخري
تجاوزاً وبحسب هذا الاعتبار يكون علي المتلقي أن يتهيأ في
كل لحظة لإنكار دوره فلا وجود لكتابة أصلية لا تفترض كتابة
أخري. إنها تقع خارج أوانها باستمرار حاملة (أثر ما هو غير
موجود فيها) الأمر الذي لا يسمح بظهور أي جهد تفاعليّ أو
تشاركيّ من قبل المتلقين.
إحالات:
(1)(الانغلاق والتوليد السيميائي اللامتناهي في (دكتور فاوست)
و(اسم الوردة) ــ إيفلين كوبلي ــ ترجمة رعد محمد علي ــ
الثقافة الأجنبية ــ العدد الثالث سنة 1993 .
(2) الكتابة والاختلاف ــ جاك دريدا ــ ترجمة كاظم جهاد.
جابر النجدي